لماذا يتخوف الفلسطينيون من اتفاق الإطار بين واشنطن وأونروا؟

تبرر القوى الفلسطينية ولجان اللاجئين رفضها للاتفاق كونه يتضمن بنودا تجعل من واشنطن "رقيبا أمنيا" على عمل أونروا، وتكبلها بإجراءات واشتراطات تنعكس سلبا على ملايين اللاجئين

لاجئون يشاركون في فعالية احتجاجية ضد تقليص الخدمات أمام المقر الرئيس لأونروا في غزة-رائد موسى-الجزيرة نت
فعالية احتجاجية ضد تقليص الخدمات أمام المقر الرئيس لأونروا بغزة (الجزيرة)

غزة– تعتمد أم محمد العريني وأسرتها المكونة من 13 فردا على مساعدات إغاثية تتلقاها من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

وليس لهذه الأسرة مصدر آخر للحياة سوى هذه المساعدات التي تتلقاها مرة واحدة كل 3 شهور، وتوزعها أونروا على الأسر المصنفة بالفقيرة والأشد فقرا في قطاع غزة الغارق بالأزمات بفعل سنوات الحصار الطويلة.

وتقول أم محمد، وهي لاجئة من بلدة "زرنوقة" داخل فلسطين المحتلة عام 1948، للجزيرة نت، إنها باتت تخشى انقطاع هذه المساعدات، في ظل "شروط أميركية" بحرمان ذوي الشهداء والأسرى والجرحى من مساعدات أونروا. وقد فقدت هذه المواطنة نجلها ناصر برصاص قوات الاحتلال، قبل 3 أعوام، خلال مشاركتها في فعاليات سلمية ضمن "مسيرات العودة وكسر الحصار".

ووقعت أونروا والولايات المتحدة، في يوليو/تموز الماضي، اتفاق إطار استأنفت بموجبه واشنطن الدعم المالي للوكالة الأممية، بعد توقفه منذ عام 2018 بقرار من الرئيس السابق دونالد ترامب.

ولم ينشر نص الاتفاق رسميا، ولكن بحسب تسريبات للمكتب التنفيذي للاجئين الفلسطينيين بالضفة الغربية، فإن أخطر بنوده "وقف مساعدة أونروا عن كل لاجئ ينتمي لجيش التحرير الفلسطيني أو أي منظمة من فئات العصابات ومن يشارك في عمل إرهابي" في إشارة إلى نشطاء فلسطينيين يشاركون في أعمال أو فعاليات مناهضة للاحتلال.

واشترط الاتفاق أيضا مراقبة المنهاج الدراسي الفلسطيني، وحذف وشطب أي محتوى تراه واشنطن وتل أبيب معاديا، إضافة إلى مراقبة مؤسسات أونروا كافة.

كما يعيد الاتفاق تعريف صفة اللاجئ بأنه الفلسطيني الذي ولد قبل عام 1948، وهم لا يتعدون 40 ألفا، وليس وفق تصنيف أونروا الحالي الذي تضم سجلاتها 5 ملايين و700 ألف لاجئ، وهو ما يعتبره الفلسطينيون خطوة على طريق "تصفية قضية اللاجئين نهائيا".

ويقول محمد، النجل الأكبر لهذه اللاجئة الخمسينية، للجزيرة نت، إن مساعدات أونروا بالكاد تفي باحتياجاتهم الأساسية ولكنها المصدر الأساسي للحياة، واعتبر قطع هذه المساعدات أنه "حكم بالموت على أسرة كاملة".

ورغم مرضه يعمل محمد (37 عاما) على عربة يجرها حمار (عربة كارو) لجني مبلغ لا يتعدى 15 شيكلا (حوالي 4 دولارات) من أجل توفير الأجرة الشهرية للمنزل الذي يقيم فيه مع أسرته الكبيرة.

وتقول بيانات أونروا إن 70% من أصل مليوني فلسطيني، يعيشون في غزة لاجئين، يعتمدون على مساعداتها الإنسانية، بعدما دفعت سنوات الحصار نسبة كبيرة من السكان إلى ما دون خط الفقر.

وأنشئت أونروا كوكالة تابعة للأمم المتحدة بقرار من الجمعية العامة عام 1949 وتم تفويضها بتقديم المساعدة والحماية لحوالي 5.7 ملايين لاجئ من فلسطين مسجلين لديها حاليا في مناطق عملياتها الخمس، وهي: الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات لبنان وسوريا والأردن. وتشتمل خدماتها على التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والحماية والإقراض الصغير.

تواجه أونروا انتقادات حادة واتهامات لها بالتماهي مع ضغوط أميركية إسرائيلية لتصفية قضية اللاجئين -رائد موسى-الجزيرة نت
أونروا تواجه انتقادات حادة واتهامات لها بالتماهي مع ضغوط أميركية إسرائيلية لتصفية قضية اللاجئين (الجزيرة)

ابتزاز سياسي

ويصف اللاجئ الخمسيني عبد الهادي مسلم (53 عاما) اتفاق الإطار بين واشنطن وأونروا، بأنه "غير بريء ويبتز الوكالة الأممية سياسيا". وينسجم موقف مسلم، الناشط في فعاليات شعبية مساندة للاجئين، مع المواقف الرافضة للاتفاق، التي عبرت عنها دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير، والقوى الفلسطينية، واللجان الشعبية الممثلة للاجئين.

ومسلم -الذي ينحدر من أسرة لاجئة هجرت بلدتها "البطاني الشرقي" إبان وقوع النكبة عام 1948- برر للجزيرة نت هذا الرفض الواسع للاتفاق كونه "يمس جوهر قضية اللاجئين من الناحيتين الخدمية والسياسية".

يقول إن الاتفاق يفرض على أونروا التزامات واشتراطات تتيح لواشنطن التدخل في عمل "هيئة دولية أنشئت بالأساس من أجل خدمة اللاجئين إلى حين عودتهم إلى مدنهم وبلداتهم التي هجروا عنها قسرا" إضافة إلى أن الاتفاق يمس بالخدمات المقدمة للاجئين، والموظفين، والمنهاج الفلسطيني، بدعوى الحفاظ على مبادئ الحياد وعدم التحريض على العنف والكراهية.

طفلان يشاركان في اعتصام امام مقر اونروا في غزة خلال احتجاجات على تقليص الخدمات-رائد موسى-الجزيرة نت
اعتصام أمام مقر أونروا في غزة خلال احتجاجات على تقليص الخدمات (الجزيرة)

إجماع فلسطيني رافض للاتفاق

ومنذ الكشف عن الاتفاق، تشهد غزة، ومدن في الضفة، فعاليات مناهضة له، بمشاركة فصائلية وشعبية واسعة، وخصصت خطبة صلاة الجمعة في غزة للحديث عن مخاطر الاتفاق، وسط تلويح بالتصعيد إن لم تستجب الأمم المتحدة لمطالب حددتها قوى فلسطينية في مذكرة رفعتها للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وقال رئيس دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير أحمد أبو هولي، للجزيرة نت، إن الاتفاق بصورته الحالية مرفوض، وينبغي تصويب بعض بنوده "ليتوافق مع التفويض الممنوح لأونروا بموجب القرار الأممي 302".

وشدد على أن أي اتفاق بين أونروا والدول المانحة يجب أن ينسجم مع قرار تأسيسها، وألا يتضمن أي "اشتراطات سياسية" تتيح للممول التدخل في عمل أونروا وتوجيه سياساتها، أو أن تجعل منها "مراقبا أمنيا" على موظفيها واللاجئين.

ورفض أبو هولي أي مساس بتعريف اللاجئ الفلسطيني، مما سينعكس بالسلب على الملايين من المقيمين خارج المخيمات سواء في الداخل أو الشتات.

كما عبر عن رفضه المساس بالمنهاج الفلسطيني، وقال إن مدارس أونروا خرجت على مدار أكثر من 7 عقود ما يزيد عن 2.5 مليون طالب من أبناء اللاجئين، الذين تقلدوا مواقع وظيفية مهمة في كثير من دول العالم وساهموا في خدمة الإنسانية.

أونروا مسؤولة بموجب التفويض بحماية اللاجئين وتوفير الخدمات لهم حتى العودة-رائد موسى-الجزيرة نت
أونروا مسؤولة بموجب التفويض بحماية اللاجئين وتوفير الخدمات لهم حتى العودة (الجزيرة)

تصفية ملف اللاجئين

وتبرر القوى الفلسطينية ولجان اللاجئين رفضها للاتفاق، كونه يتضمن بنودا تجعل من واشنطن "رقيبا أمنيا" على عمل أونروا، وتكبلها بإجراءات واشتراطات، تنعكس سلبا على ملايين اللاجئين، فضلا عن فرضها قيودا على موظفي أونروا تحرمهم من حقهم في إبداء الرأي، خاصة فيما يتعلق بالمسائل الوطنية.

يقول محمود خلف منسق اللجنة المشتركة للاجئين، وتضم في عضويتها القوى السياسية وهيئات ممثلة عن الموظفين واللاجئين، إن واشنطن تسعى من وراء هذا الاتفاق وعن طريق "الابتزاز المالي" إلى "تصفية ملف اللاجئين، وهو جوهر القضية الوطنية والشاهد على جريمة النكبة".

ويرأى في حديثه للجزيرة نت أن هذا الاتفاق يجعل من أونروا "وكيلا أمنيا" لواشنطن، ويفرض عليها تقديم تقارير مالية وأمنية للخارجية الأميركية، مقابل استئناف التمويل.

ويتضمن الاتفاق بنودا وصفها خلف بالخطيرة، تهدف إلى "سلخ" اللاجئ الفلسطيني عن قضيته الوطنية، عبر تقييد حريته بالتعبير عن رأيه، مثلما حدث مع موظفين تعرضوا للفصل من الوظيفة في أونروا بسبب مواقفهم السياسية، وكذلك يهدف الاتفاق إلى تفريغ المنهاج من مضمونه الوطني.

وشدد خلف على رفض هذا "التمويل المشروط" وعزم القوى والفعاليات الفلسطينية كافة على إسقاطه بكل الوسائل الممكنة.

الإطار منع الانهيار

بدوره، يقول المستشار الإعلامي لأونروا عدنان أبو حسنة إن الاتفاق يتماشى مع الاتفاقات المماثلة التي توقعها مؤسسات الأمم المتحدة الأخرى مع الولايات المتحدة.

ويوضح، في حديثه للجزيرة نت، أن الاتفاق ليس جديدا، وأن أونروا دأبت على توقيعه مع واشنطن منذ العام 2005، وأنه لا يمس بالخدمات التي تقدمها أونروا للاجئين. ويضيف "الاتفاق ينص على الالتزام بالحيادية وحقوق الإنسان وعدم زرع الكراهية والعنف، وهي مبادئ تتماشى مع منظومة القيم الأممية".

ويؤكد المستشار الإعلامي أن استئناف واشنطن تمويلها بعد وقفه من إدارة الرئيس السابق "أنقذ أونروا من الانهيار" حيث يشكل التمويل الأميركي 30% من الموازنة، في وقت تعاني فيها الوكالة الأممية من عجز مالي يقدر بـ 120 مليون دولار.

ويأتي القرار الأميركي باستئناف التمويل في ظل تراجع حاد في المساهمة العربية بموازنة أونروا التي تراجعت من 200 مليون دولار عام 2018 إلى 37 مليونا فقط العام الماضي.

وحول وجود اشتراطات أميركية تتعلق بالمنهاج الفلسطيني، أوضح أبو حسنة أنه "ليس من صلاحيات أونروا تغيير المنهاج الذي تحدده الدولة المضيفة (السلطة الفلسطينية) ونحن ملتزمون بتدريس المنهاج الفلسطيني".

المصدر : الجزيرة