الردع النووي.. لماذا لم تلجأ إسرائيل إلى "خيار شمشون" في حرب أكتوبر 1973؟

الرئيس المصريمحمد السادات يتوسط قادة الجيش خلال حرب أكتوبر 1973 الصحافة المصرية
الرئيس المصري أنور السادات يتوسط قادة الجيش في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 (الصحافة المصرية)

القاهرة- بعد انتصارات حققها الجيش المصري في الأيام الأولى لحرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، التي تحل ذكرى انطلاقها اليوم الأربعاء، كانت القاهرة على شفا مواجهة نووية مع تل أبيب، كما نجت مصر من أن تكون مسرحًا لمواجهة نووية عالمية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية آنذاك، فما الأسباب التي دفعت إسرائيل إلى تجنب اللجوء إلى الردع النووي، ولماذا خطت مصر خطوات نحو الحرب رغم مخاوف الردع المحتملة وقتئذ؟

دراسات عربية وأجنبية متعددة أكدت أن إسرائيل كادت أن تلجأ إلى استخدام السلاح النووي في إحدى اللحظات اليائسة خلال الحرب، في وقت كان فيه التسلح النووي الهاجس الأكبر للأمن القومي المصري في سنوات الحروب العربية الإسرائيلية.

وفق تقرير سابق لمجلة "ناشونال إنترست" (National Interest) الأميركية، فإن رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير وضعت سربًا من 8 طائرات شبح (F-4) محمّلة بالقنابل النووية على أهبة الاستعداد، لإسقاط هذه القنابل على القاهرة ودمشق إن دخلت جيوش العرب إسرائيل، قبل أن يتم التراجع عن هذه الخطة.

وتسبب التهديد النووي الإسرائيلي الذي رجح توازن القوى لمصلحة تل أبيب في دفع الدول العربية كي تخطط لتكون أهداف حرب أكتوبر/تشرين الأول محدودة، وبدلًا من أن يكون هدفها القضاء على إسرائيل كان هدفها استرجاع الأراضي التي احتُلّت في حرب 1967، مثل سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.

مسرح نووي دولي

وقد ألقت الحرب الباردة بظلالها على حرب 1973، إذ كان الاتحاد السوفياتي داعما لمصر وسوريا في مقابل دعم أميركي لإسرائيل، فأصبحت الحرب تجري جزئيا بين الطرفين بالوكالة عن القوتين الأعظم في العالم آنذاك.

وحسب تقارير نشرتها وسائل إعلام دولية، ففي يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 1973، أعلنت أميركا "حالة الاستعداد الدفاعي 3" لقواتها المسلحة بما فيها قطاعات الأسلحة النووية، في تحذير للاتحاد السوفياتي الذي أفادت تقارير استخباراتية بإرساله سفنًا حربية محملة بقوات وكذلك أسلحة نووية إلى مصر، قبل أن يتم تقويض تلك المغامرة النووية على المسرح المصري.

الصور الرسمية لغرفة عمليات حرب أكتوبر (موقع السادات/ جامعة الإسكندرية)إحدى الصور الرسمية لغرفة عمليات حرب أكتوبر/تشرين الأول (موقع السادات بجامعة الإسكندرية)

الاختبار الأول

ومع حلول الذكرى الـ48 للحرب، طرح باحث إسرائيلي تساؤلات عن أسباب عدم لجوء بلاده إلى الردع النووي لصد الهجوم المصري السوري، إذ قال دان ساغير، وهو باحث في الردع النووي الإسرائيلي، في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، الجمعة الماضية، إن حرب أكتوبر/تشرين الأول كانت الاختبار الأول لتأثير الردع النووي الإسرائيلي على الصراع العربي الإسرائيلي.

ورأى أن الهجوم المفاجئ من جانب مصر وسوريا كان قبل أي شيء آخر فشلا للردع الإسرائيلي التقليدي، مشددًا أنه لا أساس لمقولة إن حرب 1973 دليل على فشل الردع النووي الإسرائيلي.

وأوضح أن "ردعا نوويًا ليس بإمكانه وليست غايته الردع من أي هجوم أو حرب تقليدية، وإنما منع تهديد المصالح الحيوية الوجودية".

واستنتج الباحث الإسرائيلي أن إصرار الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات على خطوة عسكرية محدودة بحرب أكتوبر/تشرين الأول "مرتبط بتقديره أن إسرائيل لن تستخدم سلاحا نوويًا مقابلها".

الضغوط المحلية والإقليمية

ووفق مقال سابق للكاتب والباحث المصري بشير عبد الفتاح، فإن الفريق سعد الدين الشاذلي، أحد أهم قادة حرب أكتوبر/تشرين الأول، أكد أن السادات لم يكن مكترثًا بتهديد نووي ربما يكون سرابًا، أو محض حرب دعائية نفسية لتقويض الروح المعنوية.

وحسب الشاذلي، فإن الأدبيات الكثيرة التي نُشرت عن هذه الحرب "بالإمكان الاستنتاج منها أن هدف قادة مصر وسوريا من هذه الحرب كان استعادة سيادتهما على الأراضي التي فقدوها في حرب 1967، ويتبين من الأبحاث التاريخية أن أيًا منهما لم يتعمّد أو يطمح إلى محاولة القضاء على إسرائيل".

وأشار الشاذلي إلى أن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، إن ثبت، لا يستتبع بالضرورة توفر النية أو الجهوزية لاستخدامها، كما لا يعني القدرة على التحكم في مداها التدميري، أو التمكن من تطوير أسلحة نووية تكتيكية لا تمتد آثارها التدميرية إلى إسرائيل ذاتها عند استخدامها، وذلك يجعل اندفاعها إلى تنفيذ "الخيار شمشون" باستخدام سلاحها النووي الإستراتيجي المفترض ضربا من الجنون أو الانتحار.

يذكر أن خيار شمشون هو اسم لعمليات تحليلية قام بها بعض المحللين العسكريين لنظرية الردع الإسرائيلية الافتراضية المرتبطة بعمليات الانتقام الواسعة النطاق بالأسلحة النووية، باعتبارها آخر الحلول، ضد الجماعات التي تشكل تهديدًا عسكريًا على وجود إسرائيل.

مخاطرة مصرية

وعن فكرة الردع النووي، يقول العميد المتقاعد بالجيش المصري صفوت الزيات إن استخدام السلاح النووي يعدّ الملاذ الأخير في حدود توازنات القوى، إذ يظل تأثيره السياسي أكبر من تأثيره العسكري.

وفي تصريحات للجزيرة نت، أوضح الزيات أن مصر كانت مدركة تمامًا خلال الحرب امتلاك إسرائيل نحو 40 إلى 60 رأسًا نوويا، ومع هذا خاطرت وقامت بعمليات عسكرية تقليدية وعبرت قناة السويس واحتلت قطاعات من شرق القناة في سيناء.

وعن دوافع صاحب القرار السياسي المصري بالمخاطرة والقيام بعمليات عسكرية وهو يدرك امتلاك إسرائيل سلاحًا نوويًا، رأى الزيات أن مصر كانت مدركة على مستوى القادة صعوبة استخدام إسرائيل للسلاح النووي لـ3 محددات:

المحدد الأول، وفق الزيات، يتمثل في صعوبة استخدام السلاح النووي في حرب 1973؛ نظرًا إلى اشتباك القوات المصرية والإسرائيلية على الأرض، ومن ثم صعوبة استخدام التدمير الشامل سواء بأسلحة بيولوجية أو نووية أو كيميائية.

ويتمثل المحدد الثاني في القرار المصري بخوض الحرب، في وجود إدراك تام لفكرة الجوار الإستراتيجي، موضحًا أن استخدام سلاح نووي في سيناء بين قوات مشتبكة وعلى تخوم صحراء النقب والمناطق الإسرائيلية في الجنوب قد يهدد غباره الذرّي والآثار الأخرى المترتبة على استخدامه بما يغطي الكيان الإسرائيلي نفسه بشكل أو بآخر، وإسرائيل لا تزال مدركة ذلك حتى الآن، وفق الزيات.

أما المحدد الثالث، فيتمثل في فكرة وجود نظام دولي أكثر صلابة من الآن، إذ كانت هناك قوتان عظيمتان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ولديهما اتفاقيات عدة للحد من الأسلحة النووية.

وأضاف الخبير العسكري أنه في عام 1972 وقعت القوتان اتفاقية الوفاق، أضيف إليها فكرة "الاسترخاء العسكري في الشرق الأوسط" بما يعني أن كلا الطرفين سيعمل على ألا يتصاعد الموقف.

منذ حرب أكتوبر.. كيف تبدلت صورة الجيش المصري في عيون المصريين؟الجيش المصري نجح في مباغتة إسرائيل بعبوره قناة السويس وتدمير خط بارليف المنيع (الجزيرة)

الردع بالغموض

وزاد الزيات بالقول إن الاتفاق السوفياتي الأميركي دفع السادات إلى فقد الثقة بالجانب السوفياتي تمامًا، وقرر أن يدير معركة الحرب بعيدًا عن مورد السلاح الرئيس لبلاده، في ظل اتباعه سياسة الاسترخاء العسكري بما يحوي من مضامين كثيرة على توريد السلاح وتوفيره ونوعيته والتدريب عليه.

وعن المخاوف من التسليح النووي الإسرائيلي، أوضح الخبير العسكري المصري أن إسرائيل تمتلك عشرات الرؤوس النووية لكنها تحرص على تسريب معلومات عن قدرتها النووية من دون اعتراف رسمي قد يجبرها على التوقيع على اتفاقية منع الانتشار النووي ودخول وكالة الطاقة النووية إلى منشآتها، ومن ثمّ فإسرائيل تتبنى إستراتيجية الردع بالغموض.

وتوقع الخبير العسكري المصري إعلان إسرائيل تملكها سلاحًا نوويًا بشكل رسمي، إذا اقتربت إيران من الحافة النووية وأصبحت على مسافة 6 أشهر أو أقل من القدرة على صناعة جهاز نووي وليس سلاحًا نوويًا فحسب.

أكبر تهديد للأمن القومي

بدورها، رصدت "المجموعة "73 مؤرخين" (مؤسسة مصرية غير حكومية للأبحاث التاريخية العسكرية) جملة من الأسباب وراء عدم استخدام إسرائيل لرادعها النووي فى أكتوبر/تشرين الأول 1973، مشيرة في تقرير لها إلى أنها الأسباب ذاتها التي تجعل من هذا الرادع أكبر تهديد للأمن القومي المصري والعربي حاليا وفي المستقبل.

وتتمثل أبرز هذه الأسباب في الجسر الجوي الأميركي المكثف الذي وفر الإمدادات والمعدات العسكرية لإسرائيل في الحرب؛ وألغى ضرورة استخدام إسرائيل سلاحها النووي.

وأشارت المجموعة إلى أن توفر الخيار النووي لدى إسرائيل يقوّي من قدرتها على مساومة الولايات المتحدة والضغط عليها لتأمين معظم احتياجاتها من الأسلحة التقليدية الحديثة بالقدر الذي يوفر الأمن الكافي لإسرائيل، ولا يسمح لها سواء باللجوء في الأزمات إلى الخيار النووي، أو بإعلان أنها قوة نووية لما يسبب هذا الإعلان من تعقيدات كثيرة للولايات المتحدة وما يؤدي إليه من إشعال سباق التسلح النووي في المنطقة .

مخاطر ديمونة

وسبق لإسرائيل أن استهدفت برامج الصواريخ والتكنولوجيا النووية في كل من العراق وسوريا وإيران، سواء عبر غارات جوية أو حملات تخريب واغتيالات، ومع ذلك فهي لم تعترف رسميًا بامتلاك أسلحة نووية.

وعلى الصعيد غير الرسمي، ترغب تل أبيب أن يعرف الجميع أنها تمتلك هذا الرادع، ولا تتردد في توجيه تهديدات مبطنة باستعماله في مواجهة المخاطر الوجودية لها، وتراوح التقديرات لحجم الترسانة النووية لتل أبيب من 80 إلى 300 سلاح نووي، والرقم الأخير يتجاوز الترسانة النووية للصين، وفق تقارير غربية.

وفي أبريل/نيسان الماضي انفجر صاروخ انطلق من سوريا، بالقرب من مفاعل ديمونة النووي في إسرائيل، في خضم الحرب غير المعلنة الدائرة بين إيران (حليفة رئيس النظام السوري بشار الأسد) وإسرائيل.

ومفاعل ديمونة يعتقد أنه ينتج أسلحة نووية، في ظل تكتم إسرائيلي، وهو يقع بصحراء النقب جنوبي فلسطين، أسسته إسرائيل عام 1957 وبدأت تشغيله عام 1963.

وفي عام 2016 كشف إعلام إسرائيلي أن المفاعل به ما يزيد على 1500 ثغرة وعيوب تم اكتشافها بسبب التقادم التاريخي له، وذلك دعّم مخاوف لدى خبراء من أن الإشعاعات الصادرة عن المفاعل قد تؤثر على المنطقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة