الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد بتونس للجزيرة نت: أعيش "اختفاء قسريا" وهذه رسالتي للرئيس

يقول رئيس هيئة مكافحة الفساد السابق إنه دوّل قضيته لأن وضعه قيد الإقامة الجبرية قرار ظالم، وعدّ نفسه محتجزا، حيث يتم تسليط شكل من أشكال "الاختفاء القسري" ضده، وتتجنّد قوات أمنية لمراقبته على مدار اليوم.

الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد يخضع للإقامة الجبرية منذ أغسطس الماضي الجزيرة
شوقي الطبيب يخضع للإقامة الجبرية منذ أغسطس/آب الماضي (الجزيرة نت)

تونس- من مقر إقامته الخاضع لحراسة أمنية مشددة بمنطقة النصر في العاصمة التونسية، يتحدّث الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب عن أسباب وضعه قيد الإقامة الجبرية، وعلاقة رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ بذلك، كما وجّه رسالة خاصة للرئيس قيس سعيّد.

وفي مقابلة مع الجزيرة نت، قال الطبيب إن وضعه قيد الإقامة الجبرية "قرار كيدي"، لتقديمه ملفات فساد بحق شخصيات متنفّذة.

وبخصوص واقع البلاد في ظل الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد، قال الطبيب إن الديمقراطية في تونس تمرّ بامتحان عسير، وعلى التونسيين أن يَعوا حساسية المرحلة وخطورتها، وإن "تجميع السلطات بيد واحدة يؤدي إلى الاستبداد، وإن كان ذلك بحسن نية".

هنا الحوار كاملا:

متظاهرون يعبرون عن مخاوفهم من عودة الاستبداد في تونس (الجزيرة)
  • أنتم قيد الإقامة الجبرية منذ تاريخ 20 أغسطس/آب الماضي، ما مبررات السلطات لهذا الإجراء؟ وكيف تنظرون إليه؟

من تاريخ 20 أغسطس/آب وأنا في حالة اختفاء قسري بعد صدور القرار الإداري الجائر بحقي من قبل المكلف بوزارة الداخلية بالنيابة بوضعي قيد الإقامة الجبرية، بمقتضى حالة الطوارئ، ومن دون أي قرار قضائي.

مُنعت حتى اللحظة من التنقل بحرية والذهاب إلى مقر عملي، وهو وضع يذكرني بأجواء الاستبداد التي عشتها مع زملائي الحقوقيين والناشطين قبل الثورة، وكيف كان الرئيس الراحل بن علي يتعقب معارضيه وخصومه.

  • برأيكم، هل تدفعون ضريبة ترؤّسكم هيئة مكافحة الفساد؟

نعم من دون شك، ترأستُ هيئة مكافحة الفساد وتعهدت بملفات ثقيلة قدمتها للقضاء، تمسّ شخصيات نافذة في الدولة، ومن بينها رئيس الحكومة الأسبق إلياس الفخفاخ، وهو لديه أشخاص من دوائر الرئيس قيس سعيّد ممن يرون أني كنت السبب في سقوط حكومته، رغم أنني قمت وقتئذ بواجبي الذي أملاه عليّ ضميري في إحالة ملفه على القضاء.

كما أن تصريحات للمستشارة الإعلامية السابقة في رئاسة الجمهورية رشيدة النيفر تؤكد مما لا يدعو للشك أن قرار وضعي قيد الإقامة الجبرية هو قرار كيدي، حيث وُجّهت لي اتهامات مباشرة بتسييس وتوظيف ملف إلياس الفخفاخ بالتزامن مع حملة تشويه قذرة ضدي وضد عائلتي.

  • كيف تنظرون إلى الإجراءات التي أقرّها الرئيس قيس سعيّد ومنها إغلاق مقارّ هيئة مكافحة الفساد، التي عُدّت مكسبا دستوريا بعد الثورة لمحاربة الفساد الذي ينخر الدولة؟

من الغريب أنه لم يصدر، حتى اللحظة، أي تبرير رسمي من السلطات لتوضيح هكذا قرار بمنتهى الخطورة، وهذا يؤكد أن الأمور تتم بشكل مخالف للقانون.

وللتذكير، هيئة مكافحة الفساد هي هيئة عمومية مستقلة، وتمتلك معطيات مهمة وسرّية تتعلق بنحو 200 ألف مواطن تونسي قاموا بالتصريح بممتلكاتهم، ويفترض أنهم محميّون بالسر المهني.

  • عبّرت منظمات رقابية عن مخاوفها من استغلال بعض الجهات للوثائق والمعطيات الشخصية التي صودرت من داخل الهيئة، بخاصة المتعلقة بهوية المبلغين عن الفساد؛ هل تشاركونهم هذه المخاوف؟

أشاطرهم هذا الخوف وبشدة، وأقول إن الهيئة تحوز أكثر من 40 ألف ملف تبليغ عن الفساد بعضها في الأرشيف، وأخرى قيد التقصّي والتثبت، والبقية تمت إحالتها على القضاء.

  • البعض يتحدث عن "خروق جسيمة" خلال ترؤّسكم هيئة محاربة الفساد، إلى جانب اتهامات بالتستر على ملفات بعينها، كيف تردون على ذلك؟

من المهم أن أذكّر بأنه منذ تسلّمي رئاسة الهيئة عام 2016 قررت تحمل مسؤوليتي لإرجاع أعمال التقصي في شكاوى الفساد التي ترد إلى الهيئة، وهو ما لم يكن سابقا. وهذا ما أثار ضغينة البعض وولّد عداوة لي وللهيئة من قبل لوبيات الفساد، فأصبحت الهيئة عرضة للهجوم والاعتداءات والتهديدات الجدّية التي وصلت إلى سلامتي الجسدية، وذلك دفع بالرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إلى وضعي تحت حماية الحرس الرئاسي.

أيضا، أشير إلى أنه حتى اللحظة التي أحدثك فيها لم يتم تقديم أي حجة أو قرينة قضائية تؤكد "تمعّشي" (تكسّبي) من الهيئة وجمع ثروة منها بوجه غير شرعي.

  • للأمانة، كيف كانت علاقتك بالرئيس قيس سعيّد قبل سقوط حكومة الفخفاخ المحسوبة عليه؟

لم تربطني به أي معرفة سابقة، ولكن جمعتني به لقاءات في بعض الدوائر الحقوقية، كما زارني بمقر الهيئة حين قام بالتصريح بمكاسبه إثر انتخابه، وأعرب عن تقديره للهيئة وما تقوم به من جهود لمكافحة الفساد، وزرته بعد أيام من انتخابه وقدمت له تقرير الهيئة السنوي.

ما أثار الإشكال، باعتقادي، هو تحمّل الهيئة مسؤوليتها في ما يتعلق بملف الفخفاخ، وهذا يحزّ في نفسي كثيرا.

  • أودعت عريضة تظلّم أمام المفوضية السامية لحقوق الإنسان وأخرى أمام المقرر الخاص لاستقلال القضاة والمحامين بمقر الأمم المتحدة بجنيف، ضد الوزير المكلف بتسيير شؤون وزارة الداخلية من أجل جريمة "الاختفاء القسري" و"الاحتجاز التعسفي"، وجملة من الجرائم الأخرى، لماذا التوجه الدولي؟

دوّلتُ قضيتي لأن وضعي قيد الإقامة الجبرية قرار ظالم، وأعدّ نفسي حاليا محتجزا، ويتم تسليط شكل من أشكال الاختفاء القسري ضدي، حيث تتجنّد قوات أمنية لمراقبتي على مدار اليوم.

وأتساءل هنا: ما الخطر الذي يمكن أن يمثّله شخص التزم بالدفاع عن الحريات ومكتسبات الديمقراطية وحارب الفساد في بلده؟

  • يبرر الرئيس التونسي إجراءاته الاستثنائية وقراراته بأنها تأتي لمحاربة الفساد والفاسدين، كيف تنظرون إلى سياسته في هذا الملف؟

كنتُ من الناس الذين استبشروا خيرا بانتخابه، لأني رأيت أن التونسيين انتخبوا شخصا معروفا بنزاهته واستقامته، وبرفعه لواء محاربة الفساد. وانتظرت أن يضع يده في يد الهيئة، كما فعل مع هيئات أخرى، إيمانا مني بأن هذه المعركة ليست معركة شخص واحد بل مؤسسات وأحزاب ومجتمع مدني.

أعتقد أن محاربة الفساد لا تعني الاكتفاء بالتشهير بالفاسدين، وقد عشنا مرحلة شبيهة بها خلال فترة رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد الذي أطلق حملته ضد الفساد ووضع أشخاصا قيد الإقامة الجبرية، لكن من دون تحقيق أي نتائج ملموسة.

رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد/قصر الحكومة بالقصبة/العاصمة تونس/آب/أغسطس 2018 (صفحة رئاسية الحكومة التونسية) يرجى تغيير المصدر الى مواقع الكترونية وذلك لعدم وجوده عندنارئيس الحكومة التونسي السابق يوسف الشاهد (وسط) (مواقع التواصل)
  • وأنت تتحدث عن يوسف الشاهد، هناك من يصفك بأنك شريك له في حملته الصورية ضد الفساد، بل أعطيته غطاء شرعيا لتسويغ قرارات لا تمتّ إلى مكافحة الفساد بأي صلة. ما قولك؟

أُذكّر هؤلاء بأنني وجّهت انتقادات لاذعة لحملة يوسف الشاهد، وقلت له شخصيا إنك لا يمكن أن تحارب الفساد بمفردك بل بشكل تشاركي، وإن من الخطأ استعمال هذه الحملة لتحقيق مغانم شخصية سياسية. ولو كنت كما يزعمون بتلك الحظوة، لكنت عضوا في اللجنة الشهيرة التي كوّنها آنذاك التي تضمّ وزراء مقربين منه.

  • ما موقفكم من قرار المحكمة الإدارية في تونس برفض كل مطالب إيقاف تنفيذ قرارات الإقامة الجبرية التي صدرت بعد 25 يوليو/تموز؟

هذا قرار يرقى إلى مستوى الفضيحة، ويتنافى مع تقاليد وفقه قضاء المحكمة الإدارية، وهو سياسي أكثر من كونه قضائيا، لا سيما أن القرارات السابقة الصادرة عن شخص رئيس المحكمة الإدارية أقرّت بعدم قانونية قرارات الإقامة الجبرية وتعارضها مع الدستور والحقوق الأساسية للمواطن.

تونسيون تجمعوا للتنديد بالإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد (الجزيرة)
  • كيف ترون مستقبل الديمقراطية في تونس؟ وهل ينجح قيس سعيّد في المسار الذي يمضي فيه، بتغيير النظام وتعليق عمل الدستور؟

الديمقراطية في بلدنا تمرّ بامتحان عسير، وعلى التونسيين أن يعوا حساسية المرحلة وخطورتها، وأن الرأي الواحد وتجميع السلطات بيد واحدة يؤدي إلى الاستبداد حتى إن كانت بحسن نية. وأنا لا أشكك في حسن نية قيس سعيّد لأنه رجل معروف بوطنيته، ولكن هذا لا يكفي حتى نسلّم له البلاد ورقاب العباد.

  • ختاما، ما رسالتكم لرئيس الجمهورية قيس سعيّد مع تواصل قرار وضعكم قيد الإقامة الجبرية؟

أقول له أن يأخذ بما ورد في الآية الكريمة: "يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" (الحجرات:الآية 6)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نشرت مجلة إيكونوميست تقريرا عن الوضع في تونس والرئيس التونسي قيس سعيّد قالت فيه إن سعيّد أكاديمي لا خبرة له ولا يميل لحل المشاكل الاقتصادية، وهي القضية الرئيسة التي جلبت له التأييد من الشارع التونسي.

Published On 4/10/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة