تاريخ طويل من الطوارئ بمصر.. ماذا يعني إلغاؤها؟

A handout picture released on October 25, 2014 the Egyptian Presidency shows Egypt's President Abdel Fattah al-Sisi (C), surrounded by top military generals, addresses journalists following an emergency meeting of the Supreme Council of the armed Forces in Cairo. A state of emergency came into force across much of Egypt's Sinai Peninsula after 30 soldiers were killed in a suicide car bombing by suspected jihadists on October 24, 2014. AFP PHOTO / EGYPTIAN PRESIDENCY == RESTRICTED TO EDITORIAL USE - MANDATORY CREDIT "AFP PHOTO / HO /EGYPTIAN PRESIDENCY " - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS == (Photo by - / EGYPTIAN PRESIDENCY / AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمة بعد اجتماع للمجلس العسكري السابق (الجزيرة+الفرنسية)

 القاهرة – "يا حاكمنا بالطوارئ، كل الشعب في ظلمك غارق"، كانت تلك العبارة إحدى الهتافات الشهيرة لأعضاء حركة كفاية بمصر (2004-2010)، التي التأمت من مجموعة قوى معارضة للرئيس الراحل حسني مبارك تعبيرا عن شوق المصريين إلى التغيير، في ظل حكمه الذي لم يخل يوم فيه من وجود حالة الطوارئ.

يقول التاريخ المصري الحديث إن أكثر سنوات القرن الأخير كانت البلاد محكومة بالطوارئ، سواء تحت الاستعمار والحكم الملكي، أم تحت حكم العسكريين، باستثناء سنوات قليلة.

وفي مطلع عام الثورة 2011، تنفس المصريون الصعداء عقب إلغاء حالة الطوارئ، وانتعاش الآمال بحكم طبيعي ودولة عصرية، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي الثورة، فعادت حالة الطوارئ، لتُفرض على المصريين مجددا في أبريل/نيسان 2017 لـ5 سنوات، بعد فرضها على نحو متقطع لأوقات وجيزة قبل ذلك.

ومن اسمها، تبدو حالة الطوارئ استثناء من القاعدة باعتبارها حالة تعالج "طارئا" على الحياة الطبيعية، غير أن الاستثناء كان هو القاعدة بمصر طوال السنوات الماضية، ورغم ذلك يأمل حقوقيون أن يمثل إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي وقف العمل بحالة الطوارئ بداية حقيقية لتحسين أوضاع الحريات في البلاد.

في حين يقول مراقبون إن حالة الطوارئ تحولت إلى قاعدة ثابتة في القوانين المقيدة للحريات، كما جادل البعض في قانونية تطبيق هذا الإلغاء بحق المعتقلين.

كيف يستفيد المعتقلون؟

في هذا السياق، أوضح المحامي الحقوقي خالد علي أن المتهمين في قضايا سياسية الذين لا تزال محاكماتهم مستمرة لن يستفيدوا من إلغاء الطوارئ باستثناء الذين لم يحالوا بعد على المحاكمات، حسب المواد 19 و20 من قانون حالة الطوارئ رقم 162 لسنة 1958.

وذكر المحامي والمرشح الرئاسي السابق، في منشور بصفحته على فيسبوك، أن القضايا التي ما زالت في التحقيقات ولم تصدر النيابة قرارا بإحالتها إلى المحاكمة، عندما تحال ستكون المحاكمة أمام القضاء العادي، أما القضايا التي صدرت بشأنها قرارات في ظل حالة الطوارئ بإحالتها إلى محكمة أمن الدولة طوارئ، فسوف تظل في يد هذه المحكمة وينطبق عليها قانون الطوارئ.

وهذه القاعدة الأخيرة نفسها تنطبق على القضايا التي رفض الحاكم العسكري التصديق على الأحكام الصادرة فيها، وقرر إعادة محاكمتها، وستُعاد المحاكمة أمام محاكم الطوارئ، ووفقا لإجراءات قانون الطوارئ.

بدوره، قال االمحامي المتخصص في شؤون المعتقلين أحمد حلمي إنه لن يبقى أمام محاميّ المتهمين إلا الطعن بعدم الدستورية في الجلسات القادمة في النصوص التي تقرر استمرارية محاكمة المتهمين أمام محاكم أمن الدولة العليا وفق قانون الطوارئ، معربا عن اعتقاده أن من المستبعد أن تستجيب المحكمة للطعون.

وعن معاناة المعتقلين ومحاميهم من حالة الطوارئ، يقول المحامي أسامة بيومي إن أكبر معاناة كانت تواجه المحامين والسجناء على ذمة المحاكمات هي انعدام القدرة على الطعن في الأحكام أيا كانت، وكان منتهى الآمال قبول تظلم يتقدم به محامي المتهمين للحاكم العسكري، الذي ينظر فيه بما يراه، سواء بالإلغاء أو التخفيف أو التصديق، مع غياب الضمانات التي تكفل حقوق المتهمين.

وعبر صفحته بموقع فيسبوك، تابع بيومي القول إن الدستور كفل للمتهمين المثول أمام محاكمات على درجات عدة، حيث يعقب الحكم إجراء استئناف ثم نقض للحكم، وهو ما لا يحدث في المحاكمات الاستثنائية التي جرت تحت الطوارئ.

ورأى بيومي أن المعتقلين الذين لم يُحالوا إلى المحاكمات يستفيدون من إلغاء الطوارئ إيجابا بمثولهم أمام محاكمات طبيعية لا استثنائية، لكن الإلغاء لن يعجل بخروجهم من المعتقلات، نظرا إلى أن حبسهم يُجدد وفق قانون أقرّ تمديد الحبس الاحتياطي عامين، وليسوا محبوسين وفق قانون الطوارئ.

وفي سياق متصل، قال رئيس مركز استقلال القضاء والمحاماة ناصر أمين إن الإجراءات الاستثنائية التي ينص عليها قانون الطوارئ، مثل وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع أو التظاهر، أو الرقابة على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام، أو إخلاء بعض الأماكن أو حظر التجول في بعض الأماكن، ستظل سارية.

وفي تصريحات صحفية، أوضح أمين أن الإجراءات الاستثنائية ستظل سارية ليس بموجب قانون الطوارئ، وإنما بموجب قوانين أخرى تم إقرارها مثل: التظاهر وتنظيم الصحافة والإعلام، ومكافحة الإرهاب، والكيانات الإرهابية، فضلا عن القرارات التنفيذية التي تصدر من رئيس الجمهورية أو من رئيس الحكومة، مثل قراره في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بفرض تدابير إضافية في سيناء استنادا إلى قانون مكافحة الإرهاب.

وأضاف أن ذلك يعدّ بمنزلة تقنين لاستمرار فرض حالة الطوارئ، وأن السلطة قامت في السنوات الماضية بتفريغ مواد قانون الطوارئ الاستثنائي في مجموعة قوانين دائمة.

صلاحيات ضخمة

وينص الدستور المصري الذي أقرّ عام 2014 في مادته (154) على أن إعلان حالة الطوارئ في البلاد يجري وفق قانون الطوارئ رقم (162) الذي صدر عام 1958.

وخوّل القانون القوات المسلحة والشرطة اتخاذ ما يلزم لمواجهة أخطار الإرهاب، وحفظ الأمن بجميع أنحاء البلاد، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وحفظ أرواح المواطنين.

ويعطي قانون الطوارئ رئيس الجمهورية الحق في اتخاذ إجراءات استثنائية، منها تمكين الجيش من فرض الأمن، وتقييد الأجهزة المعنية لحرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والمرور في أماكن أو أوقات معينة، وإحالة المتهمين إلى محاكم أمن الدولة، وحظر التجول في بعض المناطق.

كما يمنح الحق للأجهزة المعنية في مراقبة أنواع الرسائل كافة، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها، وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.

وحسب القانون، تضمنت الحالات التي يتوجب الاستناد إليها لفرض الطوارئ حالة الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوع حرب، وحدوث اضطرابات داخلية أو كوارث عامة أو انتشار وباء، مما يعني تعرض الأمن العام في أراضي الجمهورية أو مناطق منها للخطر.

كذلك يمنح القانون الرئيس والحكومة صلاحية تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها، ومصادرة أي منقول أو عقار، والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وإخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.

تمديد

وبين تجديد وتمديد، على مدى السنوات الخمس الأخيرة، استمرت المطالبات الحقوقية بإلغاء القانون الذي يعطي صلاحيات واسعة لأجهزة الأمن.

وكان من المفترض أن تكون هذه المرة هي المرة الـ19 التي تمدد فيها حالة الطوارئ 3 أشهر جديدة، في ظل حكم السيسي.

وجاء فرض حالة الطوارئ بعد حادثة استهداف كنيستين بالإسكندرية وطنطا (شمالا) عام 2017، أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، ومنذ ذلك الوقت يعاد تجديدها كل 3 أشهر بموافقة البرلمان.

ويمنح القانون رئيس الجمهورية الحق في إعلان حالة الطوارئ بعد أخذ رأي مجلس الوزراء، مع إلزامه بعرضها لاحقا، في مدة لا تجاوز 7 أيام، على مجلس النواب وموافقة أغلب أعضاء المجلس لتمريرها، كما أن رئيس الجمهورية هو من يعلن حالة الطوارئ ويعلن انتهاءها.

ويقيّد القانون استمرار حالة الطوارئ مدة لا تتجاوز 3 أشهر، وألا تجدد إلا لمدة مماثلة بعد موافقة ثلثي نواب الشعب، لينتهي العمل بها إذا رفض البرلمان إقرارها.

ويقول معارضون إن الحكومة كانت تمدد حالة الطوارئ عبر حيلة قانونية مخالفة لروح الدستور والقانون، وهي إعلان الطوارئ بعد أيام قليلة من انتهاء الثلاثة أشهر الثانية، وكأنها تعلن الطوارئ من جديد ولا تمددها.

ورأى المحامي بالنقض عصام الإسلامبولي أن قرارات تمديد الطوارئ أكثر من مرتين بالمخالفة للدستور تعدّ "تحايلا على الدستور".

وتابع الإسلامبولي في تصريحات صحفية أن "ترك يوم واحد بعد انقضاء حالة الطوارئ ثم إعادة إعلانها مرة أخرى يعدّ نوعا من التحايل، وربما يستمر هذا الوضع ويكون سيفا مسلطا على الحقوق والحريات ".

وأكد أن المشرع الدستوري عندما أراد تحديد سقف زمني للطوارئ مدته 3 أشهر يمكن مدّها لـ3 أخرى كان يستهدف "عدم الإبقاء على الأوضاع التي سبقت الثورة حينما استمر فرض حالة الطوارئ مدة ناهزت الأعوام الـ30".

تاريخ من الطوارئ

عرفت مصر في تاريخها الحديث حالة الطوارئ باسم الأحكام العرفية، وبدأها المستعمر البريطاني عام 1914، ثم صدر دستور 1923 الذي جعل اختصاص إعلان الحالة وإلغائها بيد الملك، مع رقابة برلمانية عليه.

وفي الحرب العالمية الثانية بين عامي 1939 و1943، فرضت الأحكام العرفية مجددا في البلاد، ثم ألغيت ليعاد فرضها مع دخول الجيش المصري فلسطين ضد العصابات الصهيونية عام 1948.

وعقب أحداث حريق القاهرة في يناير/كانون الثاني 1952، فُرضت الأحكام العرفية مجددا، واستمرت حتى تحرك ضباط من الجيش في 23 يوليو/تموز عام 1952 للإطاحة بالملك فاروق، وظلت على اسمها "الأحكام العرفية"، قبل أن تتحول للمرة الأولى إلى اسمها الحالي "حالة الطوارئ" مع العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.

ودخلت مصر في حالة طوارئ ممتدة لـ13 عاما،  عقب حرب يونيو/حزيران 1967، حتى قبل اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات بـ18 شهرا، ففُرضت مجددا ولكن هذه المرة كانت لـ30 عاما، هي مدة حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، الذي ظل معتقدا أن رفعها يعني نهايته قريبا كما حدث مع السادات، حينما ألغاها في أواخر أيامه.

وتميز تجديد الطوارئ عقب الثورة مباشرة بأنه يجري لفترات قصيرة، وكان أول تطبيق لحالة الطوارئ عقب اقتحام  المتظاهرين مقر السفارة الإسرائيلية بالقاهرة في سبتمبر/أيلول عام 2011، واستمرت حتى مايو/أيار من العام التالي، حينما تهيأ المجلس العسكري -الحاكم للبلاد وقتئذ- لتسليم السلطة للمدنيين عقب أول انتخابات رئاسية 2012.

وخلال عام حكم الرئيس الراحل محمد مرسي للبلاد، اضطر إلى فرض حالة الطوارئ جزئيا في مدن القناة شرقا، بعد أحداث عنف شهدتها المنطقة في ذكرى الثورة، واستمر فرضها  مدة شهر واحد.

وعقب فض اعتصام رابعة في أغسطس/آب 2013، قام  الرئيس المؤقت عدلي منصور بفرض حالة الطوارئ مدة شهر، كانت الحالة فيها مطبقة كما تقول النصوص القانونية، وبخشونة في بعض الأحيان، عبر غلق المحالّ مساء ومنع التنقل والحركة في الشوارع في أوقات محددة، والتوسع في توقيف المواطنين عند الاشتباه، وهو ما لم يحدث عند تطبيقها مجددا في مصر باستثناء المناطق الملتهبة بأعمال العنف في سيناء شرقا.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

يدور جدل بشأن ملف حقوق الإنسان والحريات في مصر منذ أحداث الثالث من يوليو/تموز 2013، والتي شهدت فيها البلاد انقلابا عسكريا، حيث تتهم المعارضة ومعها منظمات حقوقية دولية النظام الجديد بانتهاج القمع.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة