بذكرى معركة العلمين.. هذا ما فعلته حدائق الشيطان بالتنمية غرب مصر

موارد بشرية وتقنية عديدة تحتاجها مصر لإزالة الألغام (موقع الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي)

القاهرة – رغم مرور 79 عاما على معارك الصحراء الغربية المصرية خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، فإن تركة ثقيلة خلّفتها القوات البريطانية والإيطالية المتحاربة لا تزال حاضرة بقوة عبر ملايين الألغام التي أحالت قرابة ربع مساحة مصر الكلية (نحو مليون كلم مربع) إلى ما يصفها البعض بحدائق الشيطان وقبور التنمية.

ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 1942، اندلعت شرارة معركة العلمين الثانية (غرب الإسكندرية)، التي استمرت قرابة 20 يوما، بين قوات الحلفاء (بريطانيا والولايات المتحدة ودول أخرى) بقيادة البريطاني برنارد مونتغومري، وبين قوات المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) بقيادة إيرفين روميل الملقب بـ"ثعلب الصحراء".

وكانت هذه إحدى أبرز المعارك الحاسمة في هزيمة الزعيم الألماني أدولف هتلر وحلفائه من دول المحور في الحرب العالمية الثانية، غير أنه منذ ذلك التاريخ فإن منطقة جنوب الساحل الشمالي وحتى حدود مصر الغربية مع ليبيا أصبحت أشبه بقنبلة موقوتة بسبب وجود نحو 17.5 مليون لغم من مخلفات هذه المعركة.

وهذه المساحة تزيد على ربع مليون فدان صالحة للزراعة، وتمثل 22% من مساحة مصر الكلية البالغة نحو مليون كلم مربع، خلافا لما يقرب من 5 ملايين و500 ألف لغم في سيناء (شمالي شرقي) خلفتها الحروب المصرية الإسرائيلية، وفق تقارير رسمية.

وبشكل إجمالي، يوجد حاليا في مصر ما يقرب من 22 مليون لغم، تمثل نحو 20% من مخلفات الألغام المزروعة عالميا، علما بأن الجيش المصري -وهو الجهة الوحيدة المخولة بإزالة الألغام في البلاد- يقول إنه نجح منذ عام 1995 في إزالة ما يقرب من مليون و200 ألف لغم.

وفي السنوات الأخيرة، وضعت مصر -وفق تصريحات سابقة لوزير الاستثمار والتنمية المحلية سحر نصر- التنمية المستدامة لمنطقة الساحل الشمالي الغربي أولوية قصوى لهذه الأراضي الغنية بالموارد، ومن شأن ذلك إحداث حوالي 750 ألف فرص عمل جديدة بحلول عام 2032، وجذب 6 ملايين مواطن لإعادة التوطين بالمنطقة بحلول عام 2050، والتي منها حاليا مدينة العلمين الجديدة التي أقيمت بعد معالجة 151 كلم2 من الأراضي الملوثة بمخلفات الحروب.

كما افتتحت الحكومة المصرية عام 2016 مركزا لمعالجة ضحايا الألغام في مدينة مرسى مطروح.

حدائق الشيطان

في الحرب العالمية الثانية، كانت مصر (نالت استقلالا شكليا من بريطانيا بموجب اتفاقية 1936) وليبيا (كانت تخضع لاحتلال إيطاليا ثم إدارة دول الحلفاء) ساحة لحرب الصحراء، التي انتهت مرحلتها الأولى بهزيمة كبيرة للإيطاليين في معركة بيضافم شرقي ليبيا عام 1940.

وردا على ذلك، أرسل الألمان قوة يقودها روميل لمساعدة القوات الإيطالية، فانتصر "ثعلب الصحراء" في يونيو/حزيران 1942 في معركة عين الغزالة، ثم استولى على طبرق شرقي ليبيا، ثم تقدم إلى العلمين التي شهدت عدة معارك، هي: معركة العلمين الأولى، وعلم حلفا، والعلمين الثانية.

كانت معركة العلمين الثانية إحدى المعارك التي حسمت الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء، وفيها انتصرت القوات البريطانية بقيادة مونتغمري على القوات الألمانية الإيطالية بقيادة روميل، وهي تعرف بأنها من أهم معارك الدبابات على مدار التاريخ.

وخلال المعركة، أحال روميل منطقة العلمين إلى منطقة دفاعية وصفها بـ"حدائق الشيطان"، واشتهرت بكثرة الأسلاك الشائكة والألغام.

ويشهد أحد شواطئ محافظة مطروح الساحلية مزارا سياحيا لمخبأ روميل في كهف كان مركز عمليات القائد النازي خلال الحرب، ويضم مجموعة من مقتنياته الخاصة وصناديق ذخيرة وأسلحة تعود لمعاركه في شمالي أفريقيا.

وكذلك يحوي المكان مجموعة من الوثائق والخرائط الميدانية والعسكرية الخاصة بعمليات روميل بالصحراء الغربية والعلمين، ومخاطباته مع هتلر، وفق مشاهدات سابقة لمراسل الجزيرة نت.

قبور التنمية

وحتى أبريل/نيسان 2019 قدرت الأمم المتحدة عدد ضحايا الألغام من المصريين بـ8313 ضحية، مشيرة إلى أنه لا يزال هناك 3646 كلم مربعا من الأراضي لم يتم تطهيرها، وإلى أن يتم تطهيرها سيبقى سكان المنطقة في خطر.

وقد كان آخر ضحايا انفجار لغم في يوليو/تموز الماضي بمدينة السلوم الحدودية مع ليبيا أثناء سير شاب فوق لغم، مما أدى إلى بتر جزء من قدمه اليمنى.

وقبلها بأسابيع في المنطقة ذاتها، أصيب 9 أشخاص إصابات مختلفة جراء انفجار لغم أرضي أثناء محاولتهم تجاوز الحدود المصرية الليبية، في رحلة هجرة غير شرعية عبر الدروب الصحراوية الرابطة بين البلدين.

وتقول تقارير صحفية إن الدول الغربية ترفض تحمل المسؤولية القانونية للألغام الموجودة بالساحل الشمالي ومطروح، وتكتفي بالمسؤولية الأخلاقية، وسبب ذلك أن هذه الدول لديها مكاتبات من حكومات مصرية سابقة تعفيها من تحمل هذه التكلفة.

وسبق أن طلبت مصر من الدول التي زرعت الألغام في أراضيها بتحمل مسؤولية إزالتها، وذلك خلال مؤتمر نزع السلاح بجنيف عام 1996.

وتشير منصة "الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي" التي تشكلت بموجب اتفاق تم توقيعه بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة المصرية عام 2007، إلى أن مخلفات الحرب العالمية الثانية تمنع من الوصول إلى منطقة تبلغ حوالي 22% من الأراضي المصرية، في وقت يواصل فيه سكان هذه المنطقة استخدام المناطق الملوثة للزراعة والرعي والإسكان والذهاب إلى المدرسة.

معوقات إزالة الألغام في مصر:

  • تعدد أنواعها بين المضادة للأفراد والدبابات.
  • تحركها من أماكنها بسبب الكثبان الرملية.
  • التغيرات المناخية على مدى نصف قرن.
  • اختفاء أو عدم وجود خرائط لها، والتكلفة المالية العالية لإزالتها.
  • عدم وجود طرق ممهدة للمناطق الملغومة.
  • عدم توفر معدات حديثة لاستخدامها في إزالة الألغام.
  • ضخامة الأعباء البشرية المرتبطة بعملية إزالة الألغام، وعدم وجود العدد الكافي من الخبراء.
  • عدم إدراج مصر على خريطة العمل الدولية لمكافحة الألغام.

الآثار السلبية للألغام في مصر:

  • إعاقة مشروعات التنمية السياحية والصناعية والزراعية وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة.
  • تعطيل عمليات التنقيب عن البترول.
  • تعطيل مشروعات منخفض القطارة (منخفض ضخم يقع بالصحراء الغربية) كأحد المشروعات العملاقة لتوليد الطاقة بسبب اعتراض الألغام طريق القناة.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في مصر أكبر نسبة ألغام أرضية مدفونة في العالم

طالب خبراء قانونيون مصريون ونشطاء في المجتمع المدني بمزيد من الضغط الدولي لإلزام الدول التي وضعت الألغام بطريقة تؤثر على حياة المدنيين أو سلامتهم الجسدية بتحمل مسؤولية إزالتها وتقديم الخرائط وسجلات حقول الألغام ومواقعها وتحمل تكاليف إزالتها.

Published On 6/6/2008
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة