في ذكرى إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات.. هذه أبرز تحديات البحرية المصرية

صورة تعبيرية بالمتحف المصري لقصف المدمرة الإسرائيلية إيلات (موقع وزارة الدفاع المصرية)

القاهرة – لم تمر سوى بضعة أشهر على حرب الخامس من يونيو/حزيران 1967 -المعروفة في مصر بالنكسة والتي غيرت الجغرافيا العربية منذ ذلك الحين- حتى ردت البحرية المصرية على الاحتلال الإسرائيلي بضربة موجعة كان لها صدى عالميا واسعا، ومثّلت نقطة مهمة في مسار الصراع العربي الإسرائيلي.

وفي يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 1967، دمّرت البحرية المصرية بواسطة صاروخين بحريين المدمرة الإسرائيلية "إيلات"، إحدى أقوى القطع الحربية الإسرائيلية آنذاك، والتي لا يزال حطامها يرقد في قاع البحر المتوسط، قبالة سواحل محافظة بورسعيد، وسبق أن اقترح عسكريون إمكانية استخراجها وتحويلها إلى متحف حربي.

كانت العملية "إيلات" مرحلة جديدة من مراحل تطوير الأسلحة البحرية والقتال البحري في العالم، وأصبح هذا اليوم عيدا للبحرية المصرية، وفق ما قاله في مذكراته المشير محمد عبد الغني الجمسي، آخر وزراء الحربية (الدفاع حاليا) في مصر، ورئيس هيئة العمليات إبان حرب 1973 بين مصر وإسرائيل.

وفي السنوات الأخيرة شهد الأسطول البحري المصري عمليات تطوير ضخمة وضعته في المركز السابع عالميا، وفق آخر تصنيف لموقع "غلوبال فاير باور" (Global Firepower) الأميركي المتخصص في تقييم القوة العسكرية، والصادر في مايو/أيار الماضي.

ويمتلك الجيش المصري أسطولا بحريا مكونا من 316 قطعة تضم حاملتي مروحيات و9 فرقاطات و8 غواصات و50 سفينة دورية و23 كاسحة ألغام، كما يحتل المركز الـ13 من حيث القوة على مستوى العالم، والأقوى عربيا، والثاني بعد تركيا في منطقة الشرق الأوسط، بحسب المصدر السابق.

المدمرة إيلات

هي مدمرة بريطانية الصنع، شاركت في الحرب العالمية الثانية، والعدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على مصر عام 1956، وكان لها دور في الاستيلاء على المدمرة المصرية "إبراهيم الأول"، والتي غيّرت إسرائيل اسمها لاحقا إلى حيفا.

كانت المدمرة مكلفة بالقيام بدوريات على طول شواطئ سيناء الشمالية، وبعد شهر من حرب 1967أغرقت زورقَي طوربيد مصريّين، في حادث وصفه إعلام عبري بـ"الانتهاك الصريح لقرار وقف إطلاق النار"، والانجاز الوحيد الذي حققته البحرية الإسرائيلية خلال حرب الاستنزاف (1967- 1973).

لم تتعجل مصر في الرد على استهداف قطعتيها البحريتّين، في وقت تمادت فيه إسرائيل أكثر داخل المياه المصرية، وفي لحظة فشل استخباراتي، وتحديدا مساء 21 أكتوبر/تشرين الأول 1967، وقف قائد المدمرة إيلات مذعورا وهو يشاهد صاروخا قادما من اتجاه قاعدة بورسعيد.

لكن، يبدو أن المراقب على ظهر إيلات لم يدرك حقيقة ما كان ينظر إليه، إذ لم يكن مجرد صاروخ واحد، بل 4 صواريخ من طراز "ستيكس" الروسي، يزن رأس كل منها طنا من المتفجرات.

كان على متن المدمرة لحظة تفجيرها 200 من أفراد الطاقم والمتدربين، قُتل 47 وأصيب 100 آخرون، فيما توفي آخرون لاحقا بسبب بطء عملية الإنقاذ، وفق إعلام عبري.

أثارت عملية إيلات، صدمة بالغة في إسرائيل، وقال المسؤولون فيها إنهم لم يتخيلوا هذه المهارة المصرية الفائقة في إطلاق الصواريخ، ولا تزال ذات أثر أليم في إسرائيل، وتحيي ذكرى قتلاها كل عام.

مرحلة جديدة

يقول المشير الجمسي في مذكراته عن إغراق "إيلات"، إن المدمرة المعادية ظلت تدخل المياه الإقليمية لفترة ما، ثم تبتعد إلى عرض البحر، وتكرر ذلك عدة مرات بطريقة استفزازية وفي تحرش واضح لإظهار عجز قواتنا البحرية عن التصدي لها.

وبمجرد أن صدرت تعليمات بتدميرها عند دخولها المياه الإقليمية، خرج لنشان صاروخيان من قاعدة بورسعيد لتنفيذ المهمة، هجم اللنش الأول بإطلاق صاروخ أصابها إصابة مباشرة فأخذت تميل على جانبها، وبعد إطلاق الصاروخ الثاني تم إغراقها داخل المياه الإقليمية المصرية، بحوالي ميل بحري، وفق الجمسي.

الرد الإسرائيلي

طلبت إسرائيل -بحسب الجمسي- من قوات الرقابة الدولية أن تقوم بإنقاذ من هبطوا من جنودها إلى الماء عند غرق المدمرة، واستجابت مصر بعدم التدخل في العملية التي تمت على ضوء المشاعل التي تلقيها الطائرات.

كان رد إسرائيل عنيفا على إغراق إيلات، فبعد 3 أيام من العملية، قصفت معامل تكرير ومستودعات البترول في محافظة السويس، كما قصفت مدينتي الإسماعيلية والسويس، لتضطر مصر إلى تهجير حوالي مليون مواطن من مدن وقرى القناة.

ما بعد إيلات

يقول الضابط المصري السابق سمير فرج –في مقال بصحيفة الأهرام– إن فكر البحرية العسكرية بعد العملية تغير في العالم بأسره، موضحا أن جميع الدول توقفت عن بناء القطع البحرية الكبيرة، مثل حاملات الطائرات والطرادات والمدمرات، واتجهت تدريجيا للاعتماد على الفرقاطات الصغيرة الحجم ولنشات الصواريخ مع تطوير الرادارات البحرية، لاكتشاف الأهداف من ارتفاع 4 أمتار عن سطح البحر.

وفي كتابه "إغراق إيلات"، يوضح الكاتب الصحفي عبده مباشر -الرئيس السابق للقسم العسكري بصحيفة الأهرام- أن نجاح معركة بورسعيد البحرية (عملية إيلات) كان بداية لعصر الصواريخ، الذي لم يكن سرا حينها، غير أن العالم اكتشف مدى خطورة الوحدات البحرية الصغيرة المسلحة بالصواريخ "سطح – سطح" الموجهة.

ونتيجة للمعركة، بدأ التطور في ميدان الأسلحة البحرية يسير -وفق مباشر- في اتجاهين:

  • الأول: العمل من أجل درء هذا الخطر، بالتوصل إلى الأسلحة والأساليب التي تكفل التصدي بكفاءة للنشات التي تحمل الصواريخ الموجهة، ذات القدرة التدميرية الفائقة والمؤكدة.
  • الثاني: العمل من أجل رفع كفاءة هذه اللنشات والتوصل إلى الوسائل التي تكفل لها التغلب على وسائل المقاومة والخداع، التي يمكن أن تلجأ إليها الوحدة البحرية الكبيرة للوقاية من خطرها.

"إيلات" والرصيف الحربي

في العمل السينمائي الشهير "الطريق إلى إيلات" (إنتاج 1993) خلط صنّاع الفيلم بين تدمير المدمرة إيلات، وبين تدمير الرصيف الحربي لميناء إيلات وجمعهم في عملية واحدة، على غير الواقع، ثم جاء بعده فيلم "يوم الكرامة" (إنتاج 2004) الذي تناول عملية إغراق المدمرة وحدها، غير أنه لم يلق شهرة الأول.

ووفق تصريحات متطابقة لأفراد من الضفادع البشرية في البحرية المصرية، التي شاركت في بعض من تلك العمليات، فإن إغراق المدمرة إيلات سبق تدمير ميناء إيلات بـ3 عمليات ناجحة، بفاصل 3 أشهر بين الواحدة والأخرى:

  • الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 1969 بتدمير السفينتين "داليا" و"هيدروما".
  • الثانية في فبراير/شباط 1970 بتدمير ناقلة الدبابات "بيت شيفع" وناقلة الجنود "بات يام".
  • الثالثة في مايو/أيار 1970 بتدمير الرصيف الحربي في إيلات كاملا.

تطوير القدرات

في حوار مع صحف محلية بينها الأهرام -أمس الأربعاء- قال الفريق أحمد خالد قائد القوات البحرية -بمناسبة "عيد البحرية"- إن عملية إغراق المدمرة إيلات تعد "أول معركة صاروخية بحرية في العالم، أصابت العدو بارتباك وأذهلت العالم".

وتطرق خالد -في حديثه عن مساعي بلاده في تطوير قدراتها العسكرية- إلى التحديات الخاصة بالأمن البحري في منطقة الشرق الأوسط وتعدد الصراعات الناتجة عن التغيرات الدولية والإقليمية بالمنطقة، وتأثيرها على الأمن القومي المصري والعربي.

ووفق تقارير رسمية، عملت مصر في السنوات الأخيرة على تطوير قدراتها البحرية عبر صفقات شراء كبرى وتصنيع مشترك، ومنها:

  • حاملتا مروحيات من طراز "ميسترال" (Mistral).
  • فرقاطة متعددة المهام من طراز "فريم" (FREMM).
  • غواصات ألمانية الصنع من طراز "209 /1400".
  • أسفر مجال التصنيع الحربي المشترك عن تصنيع 3 فرقاطات، ولنشات المرور الساحلي، وعشرات القطع البحرية.
  • إنشاء المزيد من القواعد البحرية ومنها "برنيس" (جنوب شرق) و"3 يوليو" (شمال غرب) و"شرق بورسعيد" (شمال شرق).
  • العديد من التدريبات والمناورات المشتركة مع عدة دول منها السعودية والإمارات والبحرين والأردن وفرنسا واليونان وروسيا وقبرص.
  • تأمين الموانئ وحقول الغاز.
المصدر : الجزيرة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة