عرقلت الديمقراطية ولكن.. معضلة بايدن بالتعامل مع إجراءات الرئيس التونسي

رغم القلق في الكونغرس الأميركي بشقيه الديمقراطي والجمهوري من إجراءات الرئيس التونسي والدعوات لوقف الدعم المالي لتونس؛ فإن المراقبين الأميركيين يعتقدون أن الضغط على قيس سعيّد يجب أن يكون هادئا وموجّها.

Police officers stand guard as a demonstrator holds up a sign during a protest against Tunisian President Kais Saied's seizure of governing powers, in Tunis, Tunisia, September 26, 2021. REUTERS/Zoubeir Souissi
ضباط شرطة يحيطون بمظاهرة مناهضة لإجراءات الرئيس قيس سعيّد في تونس العاصمة (رويترز)

واشنطن- تجمع الولايات المتحدة بتونس علاقات قديمة تعود لما يقرب من 200 عام، وتحتفظ مدينة قرطاج بمقبرة ونصب تذكاري يضم 3 آلاف عسكري أميركي قُتلوا فوق التراب التونسي، أثناء معارك الحرب العالمية الثانية. وبعد الاستقلال، جمعت البلد العربي علاقات طيبة بأميركا.

لكن عقب اندلاع "الربيع العربي" انطلاقا من تونس نهاية 2010، وقع هجوم مزدوج على السفارة والمدرسة الأميركيتين بالعاصمة تونس عام 2012، بعد أيام من هجمات بنغازي في ليبيا.

الاستثناء الذي كان

خلال السنوات العشر الأخيرة، نظرت الدوائر السياسية والبحثية الأميركية إلى التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي كاستثناء ناجح، وسط مسلسل الإخفاق العربي، سواء في شمال أفريقيا بتجربتي مصر وليبيا، أو بالمشرق العربي في تجارب سوريا واليمن.

وصُدمت واشنطن من قرارات 25 يوليو/تموز الماضي المفاجئة التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد بحق المؤسسات السياسية المنتخبة في بلاده. وصارت أمام معضلة التعامل مع واقع جديد متغير في تونس وسط منطقة تعج بالاضطرابات، كما الحال في ليبيا شرقا، أو "الإرهاب" بدول الساحل الأفريقي جنوبا، أو قضية الهجرة غير الشرعية في شمالها.

استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، مساء اليوم السبت 4 سبتمبر 2021 بقصر قرطاج، وفدا من مجلس الشيوخ الأمريكي ضمّ السيناتورChris Murphy، والسيناتور Jon Ossoff .الرئيس قيس سعيّد في استقبال وفد من مجلس الشيوخ الأميركي (مواقع التواصل الاجتماعي)

ولم تصف إدارة جو بايدن حتى الآن الأحداث في تونس بأنها "انقلاب"، وهو الأمر الذي كان من شأنه أن يؤدي إلى تجميد المساعدات الأميركية، وفرض عقوبات. لكن وزير الخارجية أنتوني بلينكن قال إنه حث سعيّد على العودة إلى "المسار الديمقراطي" في مكالمة معه باليوم التالي لتعليق أعمال البرلمان.

ودعا دونالد بلوم -السفير الأميركي في تونس- الرئيس قيس سعيّد إلى وضع سقف زمني للإجراءات الاستثنائية، وضمان عودة المؤسسات الديمقراطية في البلاد. وطالب -في حديث إذاعي- بالمضي قدما في إصلاحات "عميقة" لإنقاذ الوضع الاقتصادي. وقام عدد من المسؤولين الأميركيين بزيارات لتونس من أجل حث الرئيس سعيّد على العودة للمسار الديمقراطي.

وخلال زيارة قامت بها يائل لمبرت مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط بالإنابة -أمس الأربعاء- لم تتضمن تغريدة مكتب الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية حولها أية إشارة لمناقشة المسار الديمقراطي المتوقف في تونس.

وذكرت التغريدة أن اللقاء بحث "القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك الدور التونسي في مجلس الأمن والتطورات في ليبيا".

الدعم الأميركي وتوزان مجالاته

خلال العقد الأخير، أسست الولايات المتحدة لعلاقات جيدة مع تونس، سواء عن طريق دعم إصلاح قطاع الأمن والعدالة، أو تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية، وتشجيع منظمات المجتمع المدني.

واتسعت المشاركة الدبلوماسية والعسكرية الأميركية مع تونس منذ عام 2011. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، بلغ متوسط قيمة المساعدات الأميركية الموجهة لتونس سنويا أكثر من 179 مليون دولار. كما وفرت مساعدات بصورة ضمانات للقروض تفوق قيمتها 1.5 مليار دولار.

وتتضمن الميزانية الفدرالية المقترحة لعام 2022 منح تونس مساعدات قيمتها 197 مليون دولار. وهي أقل من مخصصات ميزانية عام 2021 التي وصلت قيمة المساعدات فيها إلى 241 مليون دولار.

وتُقسم مساعدات 2022 على النحو التالي:

  • برامج المساعدات العسكرية والأمنية بقيمة 104 ملايين دولار.
  • برامج دعم الديمقراطية والحكم الرشيد بقيمة 48 مليون دولار.
  • دعم التعليم والتدريب بمبلغ 6 ملايين دولار.
  • دعم الاقتصاد بـ39 مليون دولار.

إضافة لذلك، وافقت مؤسسة "تحدي الألفية الأميركية" "إم سي سي" (MCC) على اتفاق لـ5 سنوات بقيمة تقارب نصف مليار دولار مع حكومة تونس لمساعدتها على تعزيز قطاعات النقل والتجارة والمياه. ووقع اتفاقها قبل أيام من وصول الرئيس قيس إلى السلطة.

ووصفت سامانثا باور -مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية- الاتفاق بأنه "تأكيد على التزام تونس بالحكم الديمقراطي الدستوري والازدهار العادل في وقت حرج لتونس وللمنطقة".

وخلال جلسة الاستماع الخاصة بالشأن التونسي قبل أيام بمجلس الشيوخ، طالب إيلي أبو عون -مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد السلام الأميركي- واشنطن باستخدام نفوذها لمنع انزلاق تونس نحو الاستبداد، لكن يجب أن يكون ذلك مع تواصل دعم استقرارها وتعزيز التعددية السياسية والعملية الديمقراطية فيها.

وحذر أبو عون من أن "التخلي عن العلاقات مع قوات الأمن التونسية لن يصب في مصلحة الولايات المتحدة أو تونس".

Protest against Tunisian President Kais Saied's seizure of governing powers, in Tunisمظاهرات ضد إجراءات الرئيس قيس سعيّد في العاصمة تونس (رويترز)

قلق الكونغرس ودعوات لوقف المساعدات

أثار أعضاء الكونغرس مخاوف من تداعيات تحركات الرئيس قيس سعيّد على الديمقراطية التونسية، ودعوه للالتزام بالدستور والسماح باستئناف البرلمان لأعماله. ولم يطلق علنا المشرعون الأميركيون ولا مسؤولو إدارة بايدن على إعلان سعيد -في 25 يوليو/تموز- وصف الانقلاب، وهو ما كان من شأنه وقف المساعدات الأميركية لتونس.

ويشير مشروع قرار الميزانية الفدرالية إلى تونس كشريك أمني مهم، بما في ذلك في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وكجزء من القيادة العسكرية في أفريقيا "أفريكوم" (USAFRICOM).

وذكر مشروع القرار أن طلب 85 مليون دولار للجيش التونسي من شأنه أن يزيد من قدراته في مجال الأمن الدولي وأمن الحدود، فضلا عن ضمان بقاء معداته القديمة قادرة على القتال، بما في ذلك استبدال أسطول طائرات "إف-5" (F-5) التونسية.

وقال سيث بيندر الخبير بمشروع ديمقراطية الشرق الأوسط -معلقا على قرار مجلس الشيوخ- "بعد احتكار الرئيس قيس سعيّد للسلطة في تونس، لا يتضمن مشروع قانون مجلس الشيوخ تخصيصا صعبا للمساعدات كما حدث في السنوات الأخيرة. وبدلا من ذلك، يطلب المجلس تقريرا قبل إقرار المساعدات العسكرية حول أي دور للجيش في التراجع الديمقراطي للبلاد".

وطالب "مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط" -وهو مركز بحثي معني بقضايا التطور الديمقراطي- إدارة بايدن بتعليق المساعدات الأمنية والدعم المباشر للحكومة التونسية إلى أن يعيد الرئيس سعيّد تونس إلى مسار ديمقراطي يشمل وجود هيئة تشريعية تعددية منتخبة بحرية. كما طالب بالعمل لإيجاد سبل مبتكرة لدعم الشعب التونسي بصورة مباشرة، وتجنب تقديم المساعدات عن طريق النظام الحالي.

في الوقت ذاته، طالبت دراسة للمركز ذاته، بضرورة "اليقظة بصورة خاصة تجاه استخدام قوات الأمن المدربة من قبل واشنطن، والتي تستخدم أسلحة ومعدات أميركية لقمع المواطنين التونسيين".

الضغط الهادئ

ويعتبر معلقون أميركيون أن استمرار غياب خطة لاستعادة النظام الديمقراطي -في ظل تزايد مؤشرات استعادة الدولة البوليسية للنظام التونسي القديم نفوذها المفقود- يُعد مؤشرا كافيا لإعادة النظر في المساعدات الأمنية لتونس.

إلا أن الخبير إيلي أبو عون يقول "إن ترك تونس بمفردها سيؤدي إلى عدم استقرارها، لأن الرئيس سعيّد غير قادر على تحقيق ذلك على الجبهتين الاقتصادية والاجتماعية. فالضغط الشديد أو الخاطئ يمكن أن يزيد من زعزعة استقرارها، ويضر بالشعب التونسي، ويخلق تهديدات للأمن الإقليمي، ويبطل النجاحات التي حققتها الاستثمارات الأميركية لسنوات ماضية".

ويقول أبو عون "إن تونس الديمقراطية والصديقة هي مصلحة للأمن القومي الأميركي، ويجب أن يكون الضغط على الرئيس موجها وحازما وهادئا ومتعدد الأطراف".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بيان_مجلس_البنك_المركزي_عبر_عن_عميق_انشغاله_لوضعية_المالية_العمومية_تواصل_اجتماعي[1]

أجمع خبراء في الشأن الاقتصادي على أن المالية العمومية بتونس تمر بأحلك فتراتها، في ظل شح السيولة لتغطية نفقات الموازنة، وتعطل المفاوضات مع المانحين الدوليين، والكل ينتظر قرارات الحكومة الجديدة.

Published On 16/10/2021
الرئيس قيس سعيد يستقبل رئيسة الحكومة نجلاء بودن (صفحة رئاسة الجمهورية)

13 حكومة تم تكليفها بتولي السلطة في تونس منذ ثورة 2011، بدأت بحكومة محمد الغنوشي وحتى تكليف الرئيس قيس سعيد نجلاء بودن بتشكيل الحكومة رقم 13 في ظل أزمة سياسية تعيشها البلاد.

Published On 12/10/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة