بعد وصولهم لطريق مسدود وانتقال الخلافات للشارع.. ما الخيارات لاحتواء الأزمة بين أطراف الحكم بالسودان؟

ما بين الاعتصام المنصوبة خيامه أمام القصر الرئاسي بالخرطوم ومظاهرات 21 أكتوبر/تشرين الأول، يمثل حل الحكومة أو الإبقاء عليها ذروة الصراع بين شقي قوى الحرية والتغيير.

الاعتصام أمام القصر الجمهوري تواصل لليوم السادس للمطالبة بحل حكومة حمدوك (الأناضول)

الخرطوم – تجمدت خيارات التسوية لأزمة أطراف الحكم الانتقالي بالسودان انتظارا لما ستسفر عنه مواكب لدعم الحكم المدني اليوم الخميس اختير لها اسم "زلزال مليونية 21 أكتوبر"، رغم أن الخبراء يرون أنها ستصب المزيد من الزيت على النار.

واختارت قوى الحرية والتغيير، مجموعة المجلس المركزي، الرد على مبادرة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لاحتواء الأزمة قبيل 48 ساعة فقط من المظاهرات التي بدأت "بروفات" لها في عدة مدن منذ أمس الثلاثاء.

وأقر اجتماع طارئ للمجلس المركزي للائتلاف الحاكم، عقد مساء الاثنين، أن يكون الرد على مبادرة حمدوك مكتوبا ويحوي مسائل إجرائية تضمن ابتدار حوار مجدٍ مع المكون العسكري في مجلس السيادة لضمان حل الخلافات.

وبحسب مصدر من داخل المجلس، أعلى أجهزة التحالف، صرح للجزيرة نت، فإن المجلس منشغل حاليا بالأزمة مع العسكريين، على أن تكون أبواب الحوار مشرعة أمام من يرغب في الحوار من مجموعة الميثاق الوطني، وهو ما يصعب مهمة المبادرة في التوصل لحل قريب.

صور تجمع وزراء من طرفي الصراع عقب اجتماع طارئ لمجلس الوزراء ـ المصدر صفحة مكتب حمدوك في فيسبوكوزير المالية  جبريل إبراهيم (يمين) من مجموعة الميثاق الوطني مع وزير الإعلام حمزة بلول (وسط) ووالي الخرطوم ايمن خالد من مجموعة المجلس المركزي (مواقع التواصل)

حل الحكومة

ما بين اعتصام مجموعة الميثاق الوطني المنصوبة خيامه أمام القصر الرئاسي بالخرطوم ومظاهرات 21 أكتوبر/تشرين الأول، يمثل حل الحكومة أو الإبقاء عليها ذروة الصراع بين شقي قوى الحرية والتغيير.

ويضع مصير الحكومة رئيسها عبد الله حمدوك في موقف لا يحسد عليه ما بين الاستجابة لقوى الحرية والتغيير، مجموعة الميثاق الوطني، التي تطالب بحلها وتوسيع قاعدة المشاركة، وبين قوى الحرية والتغيير، مجموعة المجلس المركزي، المتمسكة باستمرار الحكومة.

وبحسب مصدرين في مكتب حمدوك تحدثا للجزيرة نت، فإن خيار حل الحكومة ليس من ضمن الخيارات على منضدة رئيس الوزراء.

ويقول المصدران إن حديث حمدوك عن توسعة قاعدة المشاركة ليس المقصود به حل الحكومة، بل توسعة المشاركة عبر برلمان حقيقي يمثل كل الطيف السوداني، فضلا عن فتح أبواب المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير أمام القوى المؤسسة للتحالف والتي تتخذ الآن موقف الضد.

وإزاء ذلك يبدو الوضع السياسي شديد التعقيد، مما يطرح سؤالا ملحا: ما سبل الخروج من الأزمة؟

Sudan: Premier announces major Cabinet reshuffleحمدوك شكل لجنة من 6 أشخاص برئاسته لاحتواء الأزمة (الأناضول)

مليونية 21 أكتوبر

يرى خبير القانون الدولي بخاري الجعلي أن بداية البحث عن حل الأزمة تتمثل في إلغاء الحشد "المصطنع" المزمع اليوم الخميس، لأنه لا يفيد بل سيزيد الأمر تعقيدا بينما يسعى الجميع لمعالجة هذا الوضع المحزن.

ويؤكد الجعلي للجزيرة نت أنه ليس من السهل الإجابة عن السؤال المتعلق بكيفية حل الأزمة، لأن الأمور لو كانت سهلة لما تعقدت إلى هذا الحد.

ويقول "مع هذا فإن السودان بتاريخه السياسي الحديث مر بمشكلات كثيرة معقدة استطاع عبورها بسلام، وما كان ذلك ليحدث إلا بارتفاع قادة العمل السياسي إلى مستوى الحدث وتذكروا أن السودان فوق مطامعهم الشخصية ونزواتهم النفسية".

ويشير إلى أن مليونية ذكرى ثورة أكتوبر/تشرين الأول التي تم الحشد لها ليست ملكا للحرية والتغيير، وهي بالتحديد ووفقا للموضوعية من صنع الراحل حسن الترابي يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964، وتبعا لذلك الأولى بها حزبه المؤتمر الشعبي الذي دعا للمشاركة في الاحتفال بها، وفق قوله.

ويؤكد أن الحل يكمن أن يبدأ من ذكرى هذه الثورة للتواضع والسمو فوق الادعاءات والمكاسب الحزبية الضيقة، ويضيف أن الوصول لكلمة سواء فرض عين على كل القادة السياسيين. وزاد "لنا في تجارب الدول المجاورة صور وعبر فلن يرحم التاريخ حكامنا الجدد والمستجدين إذا لم يفهموا الدرس الذي أعنيه".

عبد الفتاح البرهان أكد أن القوات المسلحة والمكون المدني حريصين على إنجاح الفترة الانتقالية وصولا إلى حكومة مدنية منتخبة (الجزيرة)

اللجنة السباعية

ويمضي محمد أحمد بابو نواي المختص في قضايا التماس في الاتجاه ذاته قائلا إن مظاهرات الخميس يمكن أن تفاقم الأزمة، ومن الأفضل إلغاء الحشد، لكن إذا تم الإعلان عنه فيجب عدم التشكيك، لتوفير فرصة لحلول بعد المواكب.

ويذكر بأن اللجنة السباعية التي شكلها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك "يجب أن تقوم بمسؤوليتها بعيدا عن الأهواء وتصدر قرارات حازمة لمصلحة البلاد والعباد".

ويحذر من أن أي تعصب لجهة أو حزب ليس من مصلحة الوطن الذي يمر بأزمة كبيرة تحتاج لتعامل مسؤول وتجرد من الأهواء السياسية والأغراض الشخصية، ويجب التعامل مع الأزمة بلا رياء وتفكير مضاد.

ويقول إن مسألة الحشود لن تكون مجدية، لأنها تحول الأزمة لما يشبه مباراة بين فريقي كرة قدم بمشجعين كل منهم ملتزم بتشجيع فريقه سواء انتصر أو انهزم.

خطيئة مركبة

ويقول أستاذ العلوم السياسية راشد محمد علي الشيخ إن معالجة الأزمة الناشبة تتطلب تراجع كل المكونات إلى حالة ما قبل الصراع، وإنهاء كافة الالتزامات غير الوطنية والمؤسسة على المصالح الشخصية والحزبية.

ويرى الشيخ في حديث للجزيرة نت ضرورة أن تؤول الوظائف القيادية في الحكومة لأشخاص ذوي كفاءة إدارية، تكون اهتماماتهم متعلقة بممارسة الإدارة وليس السياسة.

ويجزم بأن هذه التنازلات يمكن أن تكون ذات قيمة وطنية على أن تبدأ من أعلى الهرم حتى القواعد، لأن القيادة السياسية الآن ترتكب خطيئة مركبة بتصدير الصراع السياسي للقواعد بدلا عن الولاء الوطني.

وقسمت الأزمة الناشبة ائتلاف قوى الحرية والتغيير الحاكم إلى فصيلين، بينما ينشب نزاع آخر بين أحد الفصيلين والمكون العسكري في مجلس السيادة.

دوامة المساومات

ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية حسن الساعوري أن "الأزمة الحالية مرتبطة بالأزمة الكلية التي سببتها النخبة السياسية التي تنتهج منهج الإقصاء وخطاب الكراهية بدلا من خطاب التعاطي والاستيعاب".

ويفيد الساعوري الجزيرة نت بأن الأزمة لن تراوح مكانها طالما كانت النخب غير مستعدة للاعتراف بحق الآخر في الممارسة السياسية وإذا لم يتغير منهج المساومات القائم على "خذ وهات وإما أنا وإما أنت".

وينوه إلى أن استمرار دوامة "غالب ومغلوب" منذ استقلال السودان في العام 1956 يتطلب إبدال منهج التعاطي السياسي من الإقصاء إلى منهج الاستيعاب، حتى يمكن معالجة الأزمة التي تكاد تعصف بالبلاد.

وفي 21 سبتمبر/أيلول الماضي أعلن الجيش السوداني إحباط انقلاب عسكري، لكن صبيحة الانقلاب نشبت حرب كلامية بين المكونين المدني والعسكري في الحكومة الانتقالية انتهت بتعليق أعمال مجلس السيادة ومجلس الشركاء ومجلس الدفاع والأمن.

المصدر : الجزيرة