مارتن إنديك: النظام قبل السلام.. دروس مستفادة من دبلوماسية كيسنجر بالشرق الأوسط

State Department Celebrates Its 230th Anniversary
هنري كيسنجر خلال احتفال الخارجية الأميركية بذكرى تأسيسها الـ250 بواشنطن في يوليو/تموز 2019 (الفرنسية)

قال المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط مارتن إنديك إن النهاية "المخزية" للحرب الأميركية في أفغانستان كشفت عن الطبيعة المعقدة وهشاشة الأوضاع في "الشرق الأوسط الكبير".

وأضاف -في مقال بمجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs)- أن الأميركيين ربما يحاولون مواساة أنفسهم بأنهم يمكنهم أخيرا أن يديروا ظهورهم لهذه المنطقة المضطربة من العالم، إذ إن الولايات المتحدة أصبحت اليوم مكتفية ذاتيا من موارد الطاقة، ومن ثم أقل اعتمادا على نفط الشرق الأوسط.

وأوضح أن واشنطن تعلمت من تجاربها ألا تحاول إعادة صياغة المنطقة وفق تصورها هي، وأن الزعماء الأميركيين إذا كانوا يميلون إلى افتعال حرب مرة أخرى فلن يحظوا على الأرجح بتأييد شعبي كبير.

وتظل المنطقة –برأيه- ذات أهمية نظرا لطابعها الجيوستراتيجي المركزي، إذ تقع في مفترق الطرق بين قارتي أوروبا وآسيا. ورغم أن إسرائيل وحلفاء واشنطن العرب يعوّلون على الولايات المتحدة في أمنهم، فإن الدول "الفاشلة" في المنطقة -مثل سوريا واليمن- تظل مرتعا خصبا محتملا لتفريخ "إرهابيين" بمقدورهم ضرب أميركا وحلفائها.

ومع أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على انسياب النفط من منطقة الخليج، فإن انقطاع هذه المادة الحيوية من هناك مدة طويلة قد يؤدي إلى تدهور الاقتصاد العالمي. وسواء شئنا ذلك أو أبينا فإن على الولايات المتحدة صياغة إستراتيجية ما بعد أفغانستان لتقوية النظام في الشرق الأوسط حتى إن عمدت إلى توجيه اهتمامها نحو أولويات أخرى.

وينصح إنديك -الذي عمل أيضا سفيرا سابقا للولايات المتحدة لدى إسرائيل- واشنطن بأن تسترشد في صياغة إستراتيجيتها للشرق الأوسط بخبرة وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر "الذي أشرف على جهود موفقة في إرساء نظام شرق أوسطي مستقر دام زهاء 30 عاما".

وقال إن كيسنجر تمكن من تحقيق ذلك في حين كانت الولايات المتحدة منهمكة في سحب كل قواتها من فيتنام والتراجع من جنوب آسيا، حيث حلّت الدبلوماسية حينذاك، كما هو الحال اليوم، محل اللجوء إلى القوة.

على أن أهم الدروس المستفادة من عهد كيسنجر -يضيف إنديك- هو أن معادلة توازن القوى الإقليمية ليست كافية لإرساء نظام مستقر، ولإضفاء الشرعية على ذلك النظام لا بد لواشنطن من إيجاد وسائل لحث حلفائها وشركائها على معالجة المظالم في المنطقة.

وإذا كان يتعين على صنّاع السياسة توخي الحذر في جهودهم لتحقيق السلام، وإيلاء أهمية أكبر للاستقرار على إبرام صفقات لإنهاء النزاعات، فإنه ينبغي لهم تجنب الاستهانة بها لأن ذلك قد يقوّض النظام أيضا.

ولما لم يكن لواشنطن رغبة كبيرة في معالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني -بنظر مبعوث السلام السابق للشرق الأوسط- فيجب على إدارة الرئيس جو بايدن في هذه الحالة مقاومة تلك النزعة التي تغريها لتجاهل القضية.

سبات وأزمات

وكما تعلّم كيسنجر من تجاربه، فإن الصراعات التي تبدو في حالة سبات قد تنفجر إلى أزمات في أوقات غير متوقعة. وعليه؛ فإن أفضل طريقة لتفادي اندلاع حريق آخر في هذه المنطقة القابلة للاشتعال تكمن في تبنّي إستراتيجية "كيسنجرية" قوامها التعامل مع واحدة من الصراعات الرئيسة في الشرق الأوسط بخطوات تدريجية.

فالإستراتيجية التي اعتمد عليها كيسنجر ترتكز على إقرار النظام وليس على السلام؛ ذلك لأنه كان يؤمن بأن السلام في الشرق الأوسط لم يكن هدفا يمكن تحقيقه ولا حتى مرغوبا فيه.

كما أنه أدرك أن تحقيق توازن للقوة ليس كافيا -حسب الكاتب- فمن أجل أن يكون النظام مستداما، فلا بد من أن يكتسب مشروعية، وذلك يعني أن على كل القوى الرئيسة داخل النظام الالتزام بمجموعة من القواعد المقبولة بوجه عام، التي لا تقتضي بالضرورة الاستجابة لكل المظالم.

وروى إنديك أن كيسنجر قال له ذات مرة إنه لم يظن قط أنه سيأتي زمان تتحقق فيه مصالحة شاملة. وخلص الوزير الأسبق إلى أنه توصل بعد سنوات من البحث العميق إلى أن سلاما عسير التحقيق قد يؤثر على نهجه الدبلوماسي في الشرق الأوسط.

المصدر : فورين أفيرز

حول هذه القصة

ستة صواريخ جي 180 أطلقتها كتائب القسام من قطاع غزة على مدن إسرائيلية - أسوشيتدبرس

عبر التحول إلى استخدام الصواريخ، غيّر أعداء إسرائيل ميزان القوة في النزاعات معها وكذلك نتائجها. وعلى الرغم من دقتها وقدراتها التدميرية، فإن الصواريخ غير مكلفة نسبيا ويصعب تتبعها ويسهل الحصول عليها.

Published On 15/9/2021
Participants pose for a family photo during the Baghdad summit

ثمة تحولات دقيقة ومواربة تمضي قدما بالشرق الأوسط، حيث تستطلع الدول هناك إمكانية عقد شراكات إقليمية جديدة بعد أن فقدت -على ما يبدو- القوة العظمى الرائدة بالعالم بريقها إثر انسحابها من أفغانستان.

Published On 6/10/2021
تحديات قمة بغداد العربية

يبدو أن دول الشرق الأوسط، وهي تستعد لعصر ما بعد الولايات المتحدة الأميركية، أدركت أن التعامل مع بعضها، ولو في نطاق محدود، أمر بالغ الأهمية لتعزيز استقرار أكبر في هذه المنطقة المضطربة.

Published On 7/10/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة