شيخ الأزهر عبد الحليم محمود.. بشر السادات بنصر أكتوبر واستقال اعتراضا على تقليص صلاحياته

شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود (الصحافة المصرية)

القاهرة – ذهب إلى الرئيس المصري أنور السادات وبشره بنصر أكتوبر، قائلا أوصيك باتخاذ قرار الحرب لأننا سننتصر، فقد رأيت في المنام النبي محمدا -صلى الله عليه وسلم- يعبر قناة السويس ومعه عدد من علماء المسلمين وجنود القوات المسلحة يكبرون.

استبشر السادات بهذه الرؤيا ويقال إنها كانت ضمن عوامل عدة حسمت قرار حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973، وهي القصة المتناقلة عن شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود.

وعلى منبر الجامع الأزهر وقف الشيخ داعيا للاستشهاد في سبيل الله خلال الحرب، وكان معروفا عنه أنه يزور الجنود على الجبهة، وأنه كان أقرب إلى أن يكون قائد التعبئة الروحية قبل الحرب.

وفي مثل هذا اليوم 17 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1978 وافته المنية بعد حياة حافلة بالعلم والدعوة، والمواقف السياسية البارزة.

مسيرته

ولد شيخ الأزهر عبد الحليم محمود في 12 مايو/ أيار 1910 في قرية أبو أحمد التابعة لمدينة بلبيس في محافظة الشرقية، ولأن والده لم يكن قد تمكن من إكمال تعليمه في الأزهر، فقد أراد لابنه أن يستكمل ما بدأه، وكان حريصا على أن يزرع فيه حب العلم ويحفظه القرآن كاملا في الصغر.

التحق محمود بالأزهر الشريف، حتى تخرج فيه طالبا ثم صار أستاذا، وحصل على درجة العالمية عام 1932، وسافر إلى فرنسا وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون بمرتبة الشرف في الفلسفة الإسلامية عام 1940.

عاد إلى مصر ليكون أستاذا لعلم النفس في كلية اللغة العربية بالأزهر، ثم أستاذا للفلسفة بكلية أصول الدين ثم عميدا للكلية حتى صار وكيلا للأزهر.

أبو المتصوفين

بلغ عدد مؤلفاته نحو 100 كتاب، ووضع الشيخ أهم كتبه في الفلسفة الإسلامية والتصوف الإسلامي، وكان أول ما نشره ترجمته لرواية عن الفرنسية من تأليف الأديب الفرنسي أندريه موروا عام 1946.

يعرف عنه ولعه بالتصوف الإسلامي، وأنه قام بتنقية التصوف من الشوائب التي علقت به، مما جعله يواجه نقدا من بعض المتصوفين، ومن أهم كتبه "قضية التصوف: المنقذ من الضلال" عن نشأة التصوف، وعلاقته بالمعرفة والشريعة، حيث عرض منهج أبو حامد الغزالي في التصوف، وترجم لعشرات الأعلام الصوفيين مثل سفيان الثوري وأبي الحسن الشاذلي، حتى لقب الشيخ بـ "غزالي مصر"، و"أبي المتصوفين".

في كتابه "التفكير الفلسفي في الإسلام" تناول علم الفلسفة وأرخ للفكر الفلسفي في الإسلام، مستعرضا تيارات مذهبية مختلفة بين أوروبا والعالم العربي، من سقراط إلى ابن سينا، ليبين أصالة الفلسفة الإسلامية وسبقها لفلسفة الغرب في كثير من طرق التفكير.

ورفض الشيخ رأي البعض بأن التفكير الإسلامي منتخب من عقائد وفلسفة اليونان، وأشار إلى أن النزعة الغربية حاولت منذ زمن بعيد اتهام الشرقيين بأنهم أقل من الغربيين في جميع ميادين الحضارة.

وردا على كتاب كتاب اللورد هيدلي "إيقاظ الغرب للإسلام"، ألف الشيخ كتابه "أوروبا والإسلام" ليضع ميزانا عقلانيا للتعامل الغربي مع الإسلام، وما يراه المنهجية المثلى للحكم على منهج الغرب في تعامله مع هذا الدين.

الفلسفة عند الشيخ

يرى عبد الحميد مدكور أستاذ الفلسفة الإسلامية والأمين العام مجمع اللغة العربية –في تصريحات صحفية– أن الفلسفة عند الشيخ تتكون من قسمين، أولهما المعرفة بالله، والثاني معرفة الخير والعمل بها، كما أن الفلسفة لا تعني البحث بالعقل فحسب، بل تتضمن الرياضة الروحية التي يجب أن يتصف بها الفيلسوف، كما يبدو في كتب الفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة القدامى، لا سيما أفلاطون الذي جمع بين الاستدلال العقلي والرياضة الروحية.

ويعلق عبد الله عزب الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر -في تصريحات صحفية- واصفا الشيخ محمود بأنه انعكاس حقيقي للشخصية الفلسفية الإسلامية، حيث جمع بين المقاييس العقلية والمعايير الروحية، من خلال مدرسته للتصوف الإسلامي، وجمع في التفكير الفلسفي بين الاتجاه الحسي (الذي يرد جميع المعارف للحس والتجربة)، والاتجاه العقلي (حيث العقل قادر على حل كل الإشكاليات وإيجاد أجوبة عن الحياة الآخرة)، والاتجاه الروحي (الذي يرجع المعارف إلى الوحي المباشر).

مع عبد الناصر والسادات

اشتهر الشيخ بمواقفه في الدفاع عن مؤسسة الأزهر وعما يراه حقا، وبأنه لا يخشى في الله لومة لائم، حيث يحكى أنه كان يرتدي البذلة بعد عودته من فرنسا، حتى سمع جمال عبد الناصر يسخر من علماء الأزهر في إحدى خطاباته، قائلا "إنهم يُفتون الفتوى من أجل ديك يأكلونه"، فغضب الشيخ بشدة، وخلع البدلة ولبس الزي الأزهري، وطلب من زملائه أن يفعلوا مثله وأن يتمسكوا بالزي الأزهري ويعتزوا به في تحد لعبد الناصر.

تدرج الرجل في المناصب من أمانة مجمع البحوث الإسلامية، ثم وزيرا للأوقاف، ثم عينه السادات شيخا للأزهر في 27 مارس/آذار 1973، ليكون في مهمة صعبة وهي إعداد قاعدة كبيرة من المعاهد الدينية لتمد جامعة الأزهر بأعداد كافية من الطلبة تغذي كلياتها الـ20، وانتشر في عهده التعليم الديني والأزهري.

جاء الصدام الأشهر بين الأزهر والسادات في يوليو/تموز 1974، بعد عام من توليه مشيخة الأزهر، عندما صدر قرار جمهوري بتنظيم شؤون الأزهر وتحديد مسؤولياته، ليكون الأزهر تابعا لمسؤولية وزير شؤون الأزهر، وتقليص صلاحيته لصالح وزير الأوقاف، مما يفقده استقلاله.

إثر ذلك استقال عبد الحليم محمود من منصبه ورفض الذهاب للمشيخة كما امتنع عن تقاضي راتبه، حتى صدر قرار بمساواة شيخ الأزهر بالوزير في راتبه ومعاشه، ثم صدر قرار آخر بمساواته برئيس الوزراء، فدعاه السادات وقال له لك ما طلبت، وعاد الشيخ لمنصبه.

قانون الأحوال الشخصية

كان له مواقف ضد القوانين التي تتعارض مع رؤيته وتفسيره للشريعة الإسلامية، حيث عارض تعديلات قانون الأحوال الشخصية التي تقيد الطلاق وتمنع تعدد الزوجات، وقال إنه لا قيود على الطلاق إلا من ضمير المسلم، ولا قيود على التعدد إلا من ضمير المسلم، وأصدر بيانا يرفض التعديلات، واجتمعت الحكومة لبحث بيانه وانتهى الأمر بإلغاء التعديلات.

الكتب الدينية المشتركة

عارض الشيخ مقترح رأس الكنيسة المصرية، البابا شنودة لوضع كتب دينية مشتركة لتدريس القيم الأخلاقية المشتركة بعيدة عن العقيدة، حتى يدرسها الطلاب المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس، لتكون بديلا عن كتب التربية الدينية، وتعميق روابط الوحدة الوطنية على حد مقترحه.

ورغم قبول بعض كبار المسؤولين هذه الفكرة، رفضها الشيخ، وقال بوضوح لوزير التربية والتعليم مصطفى حلمي، غاضبا "أي أخلاق ترجى في جيل ينشأ منزوع العقيدة، ويوم يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة"، فرد الوزير "إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم وأعرف حكم الدين، ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب سأقدم استقالتي بعدك مباشرة".

وفاته

توفى شيخ الأزهر عبد الحليم محمود إثر عملية جراحية بعد عودته من الحج في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1978، تاركا كنزا من أهم ما كتب عن الفلسفة والتصوف في الإسلام، ومواقف إنسانية ووطنية دفاعا عن الحق ودور الأزهر.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة