هاجس أمني متبادل.. هل تصبح الحدود الأفغانية الشمالية ملعبا للمعارضة على الضفتين؟

يشكل التوتر الأمني في الولايات الشمالية بيئة خصبة لنقل الفوضى إلى دول آسيا الوسطى المحاذية لأفغانستان، وهو ما تخشاه هذه الدول، لذلك يحرص معظمها على فتح قنوات اتصال مع حركة طالبان لضمان استقرار الحدود مع أفغانستان.

خارطة آسيا الوسطى
أفغانستان تشارك دول آسيا الوسطى الخمس القلق من وجود قوى معارضة للطرفين لدى الطرف الآخر على ضفتي الحدود (الجزيرة)

كابل – أكد وزير الخارجية الأوزبكي عبد العزيز كاملوف، خلال اجتماعه بنظيره الأفغاني أمير خان متقي في كابل، أن طشقند تفي بالتزاماتها تجاه أفغانستان، ومستعدة لفتح صفحة جديدة، وهي رسالة مهمة من الجانب الأوزبكي إلى الحكام الجدد في كابل التي تأمل أن تسمع الموقف ذاته من بقية الدول الجارة الشمالية.

فقد كانت دول آسيا الوسطى الخمس (طاجيكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان وقرغيزستان) داعمة وملاذا للمعارضة المسلحة التي عرفت سابقا بتحالف الشمال، المناهض لحركة طالبان في تسعينيات القرن الماضي، ثم فتحت أجواءها للولايات المتحدة قبيل غزوها لأفغانستان 2001، وتغير الوضع بعد 2015 إذ فتحت هذه الدول قنوات اتصال مع حركة طالبان، بحكم وجود الحركة بالقرب من حدودها في الولايات الأفغانية المحاذية لتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان.

وتبدو بعض دول أسيا الوسطى مثل أوزبكستان وتركمانستان منفتحة على التعاون الاقتصادي فقط، في حين يختلف الأمر مع طاجيكستان التي قد تعتمد على دعم أمني روسي إذا حاولت حركة طالبان نقل الفوضى إلى داخل طاجيكستان.

حكومة طالبان تعتمد سياسة الانفتاح على دول آسيا الوسطى وهو ما ينعكس إيجابا على العلاقة معها (رويترز)

امتداد عرقي بسياسة جديدة

بعد سقوط حكومة أشرف غني، توجه عدد من المسؤولين السابقين في الحكومة إلى هذه الدول بحكم الامتداد العرقي بين الولايات الشمالية في أفغانستان وعلى الأقل في 3 دول بآسيا الوسطى. فقد توجه الجنرال عبد الرشيد دستم والجنرال عطاء محمد إلى أوزبكستان، في حين انتقل إلى طاجيكستان أمر الله صالح النائب الأول للرئيس الأفغاني المنصرف وأحمد مسعود نجل القائد الأفغاني السابق أحمد شاه مسعود.

وتتجه الأنظار إلى دول آسيا الوسطى وسياستها المستقبلية تجاه أفغانستان بعد عودة طالبان إلى السلطة في كابل، فهناك توافق بينهم بأن المنطقة تمر بظروف غير عادية، ولكن آلية التعامل مع أفغانستان تختلف من بلد إلى آخر.

فكازاخستان ترى أن الأولوية الرئيسة للبلاد هي التغلب على التهديدات الأمنية المحتملة القادمة من أفغانستان، ومنع انتشار الإرهاب والتطرف والهجرة غير الشرعية.

وتؤكد أوزبكستان استمرار اتصالاتها طويلة الأمد مع طالبان، لضمان أمن أوزبكستان، فعلاقات الطرفين تعود إلى ما قبل عامين، حين دفع الوضع في أفغانستان السلطات الأوزبكية إلى بدء محادثات مع طالبان.

وتأتي زيارة وزير الخارجية الأوزبكي عبد العزيز كاملوف لهذا الغرض، وعلى أن أوزبكستان تريد استثمار علاقاتها مع طالبان، لمنع وصول التهديدات الأمنية إلى أراضيها، وتجديد وعود حركة طالبان بضبط الحركة الإسلامية الأوزبكية من التمدد إلى حدودها.

ويقول مصدر بالخارجية الأفغانية شارك في اجتماع وزير الخارجية الأوزبكي بنظيره الأفغاني أمير خان متقي للجزيرة نت "لاحظت أن السلطات الأوزبكية ترغب في إقامة علاقات جيدة مع الحكومة الأفغانية الجديدة، وقال الوزير كاملوف: عندما نفكر في العلاقات معكم لا ننظر إلى أطراف أخرى، ولا نهتم بملاحظات دول أخرى، وإنما نبني هذه العلاقات على أساس المصالح المشتركة، وندعم موقف أفغانستان في المحافل الدولية، لتحصل الإمارة الإسلامية على موقعها في المجتمع الدولي". وترى السلطات الأوزبكية أن تغير النظام في أفغانستان لا يؤثر في موقفها من الاستثمارات في أفغانستان.

ويضيف المصدر أن "الحكومة الجديدة تتوقع من أوزبكستان المساعدة في فتح حدودها ومطاراتها أمام الأفغان الذين يريدون مغادرة الأراضي الأفغانية، لأن شركات الطيران الدولية لا ترغب في تنظيم رحلات جوية إلى أفغانستان".

 لا اعتراف من دون حكومة شاملة

بعد سقوط حكومة أشرف غني اختار الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمانوف موقفا لم يتوقعه الحكام الجدد في كابل، إذ قال إن طاجيكستان لن تعترف بحكومة أفغانية لا تمثل جميع المكونات العرقية في أفغانستان. وأثارت تصريحات رحمانوف ضجة لدى الحكام الجدد، وعدّوها تدخلا في الشأن الأفغاني.

وقال نائب رئيس الوزراء الأفغاني بالوكالة عبد السلام حنفي للجزيرة نت "إن كل فعل يتبعه رد فعل أقوى، وعلى الرئيس الطاجيكي أن يهتم بوضع بلاده، ويعترف بحقوق العرقيات الموجودة في طاجيكستان". وبعد هذا التصعيد الكلامي بين الطرفين قامت حركة طالبان وطاجيكستان بحشد جنودهما قرب الحدود المشتركة.

ويقول خبير شؤون آسيا الوسطى همايون رحماني للجزيرة نت إن "موقف طاجيكستان من التحول الأخير في أفغانستان يمكن تفسيره بأنها قلقة من وجود مقاتلين طاجيك بين مسلحي طالبان، وتخشى أن يهاجموا الأراضي الطاجيكية، وجاءت هذه التصريحات وأجريت تدريبات عسكرية على الحدود مع أفغانستان كخطوة استباقية لمنع نقل الفوضى إلى أراضيها".

وكما ذكر سابقا فقد لجأ معارضون لحكومة طالبان مثل أمر الله صالح النائب الأول للرئيس المنصرف، ونجل القائد الراحل أحمد شاه مسعود وآخرون إلى طاجيكستان بهدف تشكيل جبهة مقاومة لحكم حركة طالبان.

وعن ذلك يقول ضابط سابق في المخابرات الأفغانية للجزيرة نت إن "هناك محاولة من أجهزة المخابرات في المنطقة لتشكيل حلف، في العاصمة الطاجيكية دوشنبه، يضمّ قادة سابقين من عرقية الطاجيك والهزارة والأوزبك مستغلة معاداة الرئيس الطاجيكي لحركة طالبان".

الأولوية لاستقرار المنطقة

ويرى خبراء في الشأن الأفغاني أن هذه المحاولات ستفشل لأن المنطقة وأفغانستان لا تحتمل استمرار الحرب، ولأن جيران أفغانستان يريدون إقامة علاقة حسنة مع الحكومة الجديدة.

ويقول مستشار الرئيس الأفغاني المنصرف الدكتور طارق فرهادي إن "ما يهم الجيران هو استقرار أفغانستان، وليس من يحكمها، وزيارة وزير الخارجية الأوزبكي عبد العزيز كاملوف خير دليل على ذلك".

ويضيف فرهادي للجزيرة نت "هناك تصور لدى جيران أفغانستان أن استقرار أفغانستان مفتاح للمشاريع التنموية، وما يتردد من تشكيل جبهة مقاومة ضد حركة طالبان في طاجيكستان ليس عمليا لأنها بلد فقير، ولا تستطيع أن تنفذ أجندتها خارج حدودها، وليست قوية وغنية إلى درجة أن تستضيف مقاومة ضد الحكومة الأفغانية الجديدة وتقدم لها الدعم اللازم، ووافقت على استضافة القاعدة العسكرية الروسية لأنها ضعيفة".

مناطق حدودية حساسة

وأفاد مصدر في الخارجية الأفغانية بأن الحكومة طالبت جميع المقاتلين الذين ينتمون إلى بلدان آسيا الوسطى بالابتعاد عن المناطق الحدودية مع تلك الدول تفاديا لإثارة أي مشكلة.

وأكد المصدر للجزيرة نت أن الحكومة أبلغت على الأقل دولتين هما تركمانستان وأوزبكستان برغبتها الإبقاء على جميع الاتفاقيات الموقعة بينها وبين الحكومة السابقة في مجال الطاقة ومشروع نقل الغاز من آسيا الوسطى إلى الهند، لأنها تخدم مصلحة الشعب الأفغاني، كما جاء في لقاء متقي بالسفير التركماني.

ويشكل التوتر الأمني في الولايات الشمالية بيئة خصبة لنقل الفوضى إلى دول آسيا الوسطي المحاذية لأفغانستان، فالتفجير الذي تبنّاه تنظيم الدولة في ولاية قندوز مؤشر على وجود تنظيم الدولة قرب حدود هذه الدول.

وعن ذلك يقول الكاتب والمحلل السياسي همايون رحماني للجزيرة نت إن "ما حدث في ولاية قندوز من استهداف للمسجد يشير إلى أن تنظيم الدولة وصل إلى المناطق الحدودية مع دول آسيا الوسطى، وهذا يستدعي أن تعمل الحكومة الجديدة ودول آسيا الوسطى على محاربته، لأن الكل يعلم أن التنظيم لديه سياسية توسعية على عكس طالبان، وما يحدث بين كابل وطاجيكستان لا يخدم هذه القضية، وستدخل جهات أجنبية على الخط وتستغل وجود التنظيم لتصطاد في الماء العكر".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بعد 20 عاماً من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان، يواجه نظام طالبان الذي استعاد السيطرة على البلاد ضغوطاً دولية لإثبات جديته في منع استخدام أراضيه منطلقا لما يسمى الإرهاب.

مرة أخرى وفي غضون أيام فقط وجدت حركة طالبان نفسها في تحد جديد مع تنظيم الدولة في ولاية خراسان، الذي نفذ هجوما استهدف مسجدا للشيعة بولاية قندوز شمال البلاد وذهب فيه عشرات القتلى وأكثر من 110 جرحى.

لم يكن التفجير الذي استهدف مسجدا في ولاية قندوز شمال أفغانستان مفاجئا لحركة طالبان التي تسيطر على الحكم في أفغانستان، لكن حجم الخسائر بالأرواح الذي نجم عن الهجوم الذي نفذه تنظيم الدولة في خرسان.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة