عقب أزمة "وزراء المشيشي".. هل يمكن للبرلمان التونسي عزل رئيس الجمهورية؟

أثارت التعيينات الحكومية التي أجراها رئيس الوزراء هشام المشيشي (يسار) أزمة مع رئيس الجمهورية قيس سعيد (الجزيرة)
أثارت التعيينات الحكومية التي أجراها رئيس الوزراء هشام المشيشي (يسار) أزمة مع رئيس الجمهورية قيس سعيد (الجزيرة)

لم تبارح الأزمة السياسية في تونس مكانها بعد أن اختار رئيس الحكومة المرور بقوة والذهاب بوزرائه لنيل ثقة البرلمان، متجاهلا رفض رئيس الجمهورية كل من تعلقت بهم شبهات فساد أداء اليمين الدستورية أمامه، مما فتح الباب لسيناريوهات وصلت لحد التلويح بعزل الرئيس.

رفض مراسلة البرلمان
وصادق البرلمان بأغلبية مريحة خلال جلسة عامة مساء الثلاثاء على تعديل وزاري أجراه رئيس الحكومة هشام المشيشي شمل 11 حقيبة وزارية، في حين وجّه رئيس البرلمان مراسلة رسمية لرئاسة الجمهورية تتضمن قائمة الوزراء الجدد من أجل دعوتهم لأداء اليمن الدستورية.

وفي أول مؤشر قد ينبئ بتعميق الأزمة، طلب الرئيس قيس سعيد من رئاسة البرلمان تغيير تاريخ التصديق على التعديل الوزاري المضمن في مراسلة رئيسه راشد الغنوشي من يوم 26 إلى 27 يناير/كانون الثاني الجاري، بحجة أن الجلسة انتهت في ذلك التاريخ، حسب ما أكده مصدر مقرب من رئيس البرلمان للجزيرة نت.

ولفت المصدر ذاته إلى أن مكتب رئيس البرلمان يتدارس حاليا التحفظات الواردة في مراسلة رئيس الجمهورية وفرضيات الرد عليها، مشددا على أن تاريخ انتهاء الجلسة وتوقيت منح الثقة انتهى فعليا يوم 26 وليس 27.

وكان رئيس الجمهورية قد انتقد خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي التعديل الوزاري في حكومة المشيشي، واصفا إياه بغير الدستوري، وبأنه لا مجال لأن يؤدي أي وزير جديد القسم أمامه إذا تعلقت به شبهات فساد.

مراسلة الرئيس التونسي قيس سعيد للبرلمان (مواقع التواصل)

فرضيات عزل الرئيس
ولوّح النائب عن "قلب تونس" عياض اللومي بفرضية توجّه البرلمان نحو عزل رئيس الجمهورية إذا تشبث بموقفه ورفض أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه، معتبرا أن ذلك يرتقي لدرجة "الخطأ الجسيم" الموجب لهذا الإجراء وفق مقتضيات الفصل 88 من الدستور.

وينص هذا الفصل على أنه "يمكن لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة بلائحة معلّلة لإعفاء رئيس الجمهورية من أجل الخرق الجسيم للدستور، ويوافق عليها المجلس بأغلبية الثلثين من أعضائه".

وفي هذه الصورة، بحسب الفصل ذاته، تقع الإحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في ذلك بأغلبية الثلثين من أعضائها، ولا يمكن للمحكمة الدستورية أن تحكم في صورة الإدانة إلا بالعزل.

ولا يعفي ذلك من التبعات الجزائية عند الاقتضاء، ويترتب على الحكم بالعزل فقدانه حق الترشح لأي انتخابات أخرى.

وأكد اللومي في حديثه للجزيرة نت أن الطرح الذي قدمه لا يعكس موقفا شخصيا من الرئيس، بل جاء على لسان كبار أساتذة القانون الدستوري في تونس على غرار عياض بن عاشور ومنى كريم وكمال بن مسعود.

وشدد على أن غياب المحكمة الدستورية لا يشكل عائقا أمام الذهاب نحو القيام بإجراءات عزل الرئيس إذا وصلت الأزمة إلى منتهاها وتعطل معها سير عمل الحكومة، لافتا إلى أن توفر أغلبية الثلثين في البرلمان كاف لاتخاذ أي إجراء ضد رئيس الجمهورية.

ولفت في السياق ذاته إلى أن مرور بعض وزراء المشيشي خلال جلسة منحهم الثقة بمجموع أصوات بلغ 144 نائبا، مؤشر هام على سهولة توفر أغلبية الثلثين في البرلمان للقيام بأي إجراء يراه البرلمان مناسبا لعدم تعطيل المؤسسات السيادية.

وتابع "أدعو رئيس الحكومة إذا رفض رئيس الجمهورية أداء بعض الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه، أن يعين وزراء بالنيابة ريثما يحل الإشكال قانونيا عبر التوجه للمحكمة الإدارية أو أي جهاز قانوني آخر".

وحث اللومي بالمقابل رئيس الجمهورية على تجاوز الخلافات، وفتح قنوات الحوار مع البرلمان ورئاسة الحكومة، وعدم تعطيل عمل الوزراء في ظل ظرف سياسي واقتصادي ووبائي متأزم.

غياب أحد أركان العزل
من جانبه، وصف القيادي في حركة النهضة محمد القوماني منع الوزراء المزكّين من قبل مجلس نواب الشعب من أداء اليمين الدستورية بأنه محاولة للضغط على قرارات المؤسسة التشريعية، داعيا رئيس الجمهورية لعدم الاكتفاء بالاتهامات ومد البرلمان بما من شأنه أن يدين الوزراء الجدد.

وقال القوماني للجزيرة نت إن تصويت البرلمان بأغلبية مريحة على التعديل الوزاري له ما بعده بشأن أي إجراء يتخذه البرلمان لا سيما المتعلق بإرساء المحكمة الدستورية وما تقتضيه مصلحة البلاد.

وحول تلويح بعض نواب البرلمان بالذهاب نحو عزل رئيس الجمهورية، اعتبر النائب عن حركة النهضة أن الأمر لا يتعدى كونه فرضية دستورية، لكنه استبعد بالمقابل اللجوء إليها في ظل غياب المحكمة الدستورية، وفق قوله.

وتابع "يمكن للوزراء أن يتسلموا مهامهم حتى وإن لم يؤدوا اليمين بصرف النظر عن موقف رئيس الجمهورية".

ودعا القوماني الرئاسات الثلاث للتعقل وتنقية الأجواء السياسية وتجنيب البلاد أزمة دستورية وسياسية تنضاف للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والوبائية التي ترزح تحتها البلاد والشعب.

نظرية الإجراءات المستحيلة
يشار إلى أن أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور كان قد أكد لوسائل إعلام محلية أنه يمكن بحال تشبث رئيس الجمهورية بموقفه الرافض اعتماد "نظرية الإجراءات المستحيلة" بهدف عدم تعطيل سير دواليب الدولة.

وقال إنه "في هذه الحالة تصدر الحكومة إعلانا تؤكد فيه رفض رئيس الجمهورية دعوة الوزراء لأداء اليمين الدستورية، وتنتظر مهلة زمنية معقولة ثم يتم تطبيق هذه النظرية، وينطلق الوزراء في أداء مهامهم دون أداء اليمين الدستورية".

من جانبه، أكد أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ للجزيرة نت أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يعزل البرلمان رئيس الجمهورية حتى وإن توفرت أغلبية الثلثين داخل البرلمان، في ظل غياب المحكمة الدستورية.

وأشار إلى أن موجبات العزل التي نص عليها الفصل 88 من الدستور والمتعلقة بالخطأ الجسيم المرتكب من قبل رئيس الجمهورية، لا يمكن لأي جهة أن تقدرها سوى المحكمة الدستورية ولا أحد سواها مؤهل لذلك، حسب تقديره.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

صادق البرلمان التونسي في جلسة صاخبة تواصلت لساعات متأخرة من مساء أمس على منح الثقة للوزراء الجدد بحكومة المشيشي، في أعقاب تعديل وزاري فتح معركة سياسية ودستورية بين رأسي السلطة التنفيذية.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة