مصر.. ميدان التحرير يشكو طمس ذاكرة ثورة يناير

ميدان التحرير بعد مرور 10 سنوات على ثورة يناير.. ماذا سيروي إذا تحدث يوما؟ (رويترز)
ميدان التحرير بعد مرور 10 سنوات على ثورة يناير.. ماذا سيروي إذا تحدث يوما؟ (رويترز)

مجدي مصطفى 

لم تكد تخبو موجة الاحتجاجات التي عمّت الولايات المتحدة عقب وفاة المواطن الأميركي جورج فلويد الذي لفظ أنفاسه الأخيرة تحت ركبة شرطي أميركي جثا بها على رقبته، حتى سارعت المتاحف الأميركية إلى جمع الغرافيتي والصور والشعارات التي رفعت في تلك الاحتجاجات لضمها الى مقتنياتها باعتبارها جزءا من الذاكرة الأميركية لا يجب التفريط فيه.

وبقدر حرص المعنيين بالذاكرة الأميركية على اقتناء ما أفرزته تلك الاحتجاجات والاحتفاظ بها للأجيال المقبلة، بقدر ما حرصت السلطات المصرية صيف عام 2013، على محو ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 من ذاكرة المصريين خصوصا في ميدان التحرير بقلب القاهرة الذي احتشد فيه ملايين المصريين قبل 10 سنوات وأسقطوا النظام.

 

ميدان التحرير رمز مشحون بالدلالات السياسية تخطى اسمه الحدود، باعتباره مهد ثورة 25 يناير (الأوروبية ـ أرشيف)

استدعاء كباش الفرعون

وبعد ما يقرب من عقد من الزمان على ثورة 25 يناير، غيّرت الحكومة المصرية شكل ميدان التحرير-الذي كان شاهدا على الأحداث واحتله المتظاهرون المناهضون للنظام وقتها لإحكام السيطرة على الساحة التي اكتسبت دلالات رمزية كبيرة- سعيا منها لمنع الاحتجاجات في المستقبل.

تعدى الأمر التغيير إلى عملية طمس وتجريف ممنهجين لذاكرة المكان، أطلق المسؤولون عليها اسم "التجميل" لتصبح ساحة ميدان التحرير "مطورة على غرار الساحات الشهيرة في أوروبا" حسب تعبير المسؤولين القائمين على عمليات "الطمس السيادية"، ووضعوا إضاءة جديدة للمباني المحيطة التي أعيد طلاؤها وجرى نشر حراس أمن من شركات خاصة في الساحة.

وفي هذا الإطار تم نقل 4 تماثيل فرعونية من مكانها بمعبد الأقصر جنوب مصر إلى ميدان التحرير في عملية مثيرة للجدل عارضها كثير من خبراء الآثار وعلماء المصريات، ووقعت عالمة المصريات مونيكا حنا مع مجموعة من المهتمين بالآثار المصرية على التماس يناشد السلطات المصرية عدم نقل التماثيل من مكانها الأصلي.

خبراء الآثار حذّروا من أن نقل تلك الآثار الفرعونية إلى ساحة الميدان المزدحم في قلب القاهرة سيعرّضها للحرارة الشديدة وتلوث الهواء ما يجعلها عرضة للتلف، لكن القائمين على عملية "طمس الذاكرة" باسم التجميل تجاهلوا تلك التحذيرات وجرى نقل التماثيل الأربعة من طريق الكباش الذي يربط معبد الأقصر بمعبد الكرنك، جنوب مصر وهي تماثيل على شكل أبي الهول لكن برأس كبش.

وإلى جانب تلك الكباش، تم نقل مسلة فرعونية من الغرانيت الوردي تعود للملك رمسيس الثاني -على عدة أجزاء- من منطقة صان الحجر الأثرية بمحافظة الشرقية، وجرى ترميمها ونصبها وسط الميدان على قاعدة مرتفعة.

وفي وصفه لتلك العملية قال خالد فهمي -أستاذ التاريخ بجامعة كمبريدج- والذي شارك في ثورة 25 يناير وأدار لجنة لم تدم طويلا لتوثيقها "أعتقد أن الرسالة الأساسية هي أن الناس لا صلة لهم بالساحة، وأن الميدان ليس مملوكا لهم. هذه الساحة تابعة للدولة".

4 تماثل فرعونية قديمة تم نقلها من جنوب مصر إلى ساحة التحرير لتحيط بمسلة فرعونية تم جلبها من محافظة الشرقية (الأوروبية)

فلويد والتحرير

ميدان التحرير رمز مشحون بالدلالات السياسية، فقد بلغت شهرته الآفاق وتخطى اسمه الحدود في أنحاء العالم، باعتباره مهد الثورة المصرية التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك وكان مقصدا سياحيا للمصريين والأجانب القادمين إلى القاهرة.

ومن زار الميدان إبان ثورة 25 يناير يدرك كم ألهب فنانو الغرافيتي حماس الثوار، حيث واكبت رسومهم جميع الأحداث، ووثّقت مظاهر الفساد والجرائم التي خرج الثوار لإسقاط النظام الذي باركها.

وأصبحت اللوحات المتلاصقة في كافة الميادين والشوارع المصرية، خاصة في ميدان التحرير وما حوله أكبر متحف فني مفتوح في التاريخ. لكن عقلية النقاب أرادت طمسها واقتلاعها من جذورها، متعهدة ومحذرة بأن ما سبق وحدث في ثورة 25 يناير "لن يتكرر مرة أخرى أبدا".

طمس تاريخ مصر الحديث يستدعي الرجوع مرة أخرى إلى حادثة مقتل المواطن الأميركي جورج فلويد والاحتجاجات التي أعقبتها على الرغم من أنها تتعلق بفرد واحد، في حين أن ما حدث في مصر يتعلق بدولة يناهز عدد سكانها الـ100 مليون نسمة.

وعندما بلغت الاحتجاجات الشعبية ذروتها في الولايات المتحدة توجه أمناء مؤسسة "سميثسونيان" (Smithsonian Institution) التي تضم مجموعة متاحف أميركية إلى مناطق المتظاهرين لجمع اللافتات والعلامات والصور وغيرها التي تضاعفت هناك خلال الاحتجاجات باعتبارها "مقتنيات جديرة بالتوثيق للحظة تاريخية جديرة بأن تحفظ في المتاحف".

وقال المتحف الوطني للتاريخ الأميركي في بيان له، "نعترف بأننا في فترة تحول في الولايات المتحدة. ونحن نستمع إلى المجتمعات. وسنوثق هذه اللحظة المهمة بمسؤولية واحترام من خلال مجموعة متنوعة من الأشياء والقصص من واشنطن العاصمة وعبر الأمة".

كما تحدث 9 من أمناء "متاحف سميثسونيان" التي تمولها وتديرها الحكومة الأميركية مع متظاهرين وأخذوا فيما بعد بعض اللافتات التي يتم عرضها. وقال أحد الأمناء "لقد أسرني العمل الفني الذي كان على الألواح. ووثق القيمون أسماء الفنانين والمصورين، وحددوا الأشياء التي قد تكون مهمة للحفاظ عليها. وإذا لم نجمع هذه الأشياء، فمن يدري ماذا يحدث لها".

حجة السلطات المصرية المكرورة التي طالما تذرعت بها في طمس غرافيتي ثورة 25 يناير في مصر هي أن تلك الأعمال غالبا ما تكون من أشخاص مجهولين، وتتعدى تلك الحجة إلى تجريم هذا الإرث وتعتبره أفعالا مخالفة للقوانين واعتداء على ممتلكات الآخرين، لكن الحال في حقيقتها ضغط بالأحذية الثقيلة على ميراث الثورة الذي سبقت صرخته صرخة جورج فلويد.. لا أستطيع التنفس!

المصدر : الجزيرة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة