وجود علني وتحركات مستمرة.. من يُخرج المرتزقة من ليبيا؟

صور لمرتزقة أفارقة في شوارع مدينة هون بمنطقة الجفرة (مواقع التواصل)
صور لمرتزقة أفارقة في شوارع مدينة هون بمنطقة الجفرة (مواقع التواصل)

تنتهي مهلة إخراج المرتزقة من ليبيا المحددة من قبل اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) من دون تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في جنيف بسويسرا؛ مما يطرح تساؤلات بشأن تأثيرات عدم مغادرة المرتزقة للأراضي الليبية وتداعياتها على جهود السلطات في طرابلس في فرض الاستقرار.

وكانت اللجنة العسكرية الليبية المشتركة بدعم من الأمم المتحدة اتفقت في 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي على إلزام المرتزقة والقوات الأجنبية بمغادرة الأراضي الليبية في غضون 3 أشهر، وإعادة القوات المحلية إلى ثكناتها العسكرية، ونزع الألغام، وتبادل الأسرى بين الطرفين.

وتستمر تحركات المرتزقة من شركة "فاغنر" الروسية الداعمين للواء المتقاعد خليفة حفتر بعد استعانة الأخير بها في الحرب على العاصمة طرابلس في أبريل/نيسان 2019، للإطاحة بحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، إضافة إلى وجود مرتزقة من الجنجاويد والتشاديين إلى جانب قوات حفتر.

وأكدت شبكة "سي إن إن" (CNN) الأميركية في تقرير لها أن الخندق الذي تبنيه شركة فاغنر الروسية يثير شكوكا بشأن عدم انسحاب المقاتلين الأجانب من ليبيا بحلول غد السبت، حيث يمتد الخندق عشرات الكيلومترات جنوبا من المناطق الساحلية المأهولة بالسكان حول سرت باتجاه المعقل الرئيسي في قاعدة الجفرة التي تسيطر عليها "فاغنر".

ونشرت عملية "بركان الغضب" -التابعة لحكومة الوفاق الوطني- صورا تظهر تحليقا مكثفا من طائرات ميغ-29 في سماء منطقة الجفرة (وسط ليبيا)، مشيرة إلى أن هذه الطائرات الحربية كانت تتولى مهمة حماية طائرات شحن روسية تنقل المرتزقة من الجنجاويد من مدينة سرت إلى قاعدة الجفرة حيث تعارض هذه التحركات اتفاق اللجنة العسكرية المشتركة.

ويتمركز مرتزقة شركة "فاغنر" في قاعدة الجفرة الجوية وقاعدة القرضابية العسكرية بمدينة سرت على البحر المتوسط قبالة الشواطئ الأوروبية، إضافة إلى وجود تمركز لها في مناطق الجنوب والشرق ووسط ليبيا، قرب الحقول والموانئ النفطية.

دول عديدة عبرت عن قلقها من الوجود الروسي شرق ليبيا من خلال مرتزقة "فاغنر" في منطقة الجفرة وسط ليبيا (الجزيرة)

مهام وضغوط

وتعود ملكية شركة "فاغنر" الأمنية الروسية لرجل الأعمال يفغيني بريغوجين المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث عرفت الشركة الأمنية الروسية بتنفيذ مهام لا ترغب موسكو في تبنيها رسميا، وبدورها في ضم شبه جزيرة القرم، والانخراط في الاشتباكات شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين، إضافة إلى التدخل العسكري في سوريا، ودعم حركات انفصالية في دول أفريقية.

وفي إطار الضغط الخارجي، طالبت الولايات المتحدة وحكومات فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة -في بيان مشترك- بدعم وقف إطلاق النار، وخروج المرتزقة من ليبيا، ووقف التدخل الذي يقوض تطلعات الليبيين لاستعادة سيادتهم.

ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا حول ليبيا في 28 يناير/كانون الثاني الجاري، بعد تعثره في إصدار قرار لدعم أعمال بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في إرسال مراقبين دوليين إلى ليبيا لإخراج المرتزقة من البلد بالتنسيق مع اللجنة العسكرية الليبية المشتركة.

وتعد بريطانيا مشروع قرار سيقدم لمجلس الأمن الدولي في الاجتماع المقرر لتوسيع مهام بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، لتشمل الإشراف على وقف إطلاق النار، ومراقبة انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.

وقالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني ويليامز -في تصريح سابق- إن أعداد المرتزقة في ليبيا وصل إلى نحو 20 ألف شخص، مشيرة إلى وجود 10 قواعد عسكرية أجنبية في ليبيا.

وليامز: أعداد المرتزقة في ليبيا وصل إلى نحو 20 ألف شخص (الأناضول)

رفض الاستقرار

واعتبر المتحدث باسم غرفة عمليات "سرت الجفرة" بحكومة الوفاق الهادي دراه أن الأمم المتحدة تتحمل مسؤولية فشل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدا إلى أن بقاء المرتزقة يشير إلى أن حفتر لا يريد استقرار المنطقة وأمنها.

وأضاف دراه للجزيرة نت "لنتحدث بشكل واضح؛ الأمم المتحدة رعت اتفاق وقف إطلاق النار ولم تستطع عبر مجلس الأمن الدولي إجبار المرتزقة الروس والجنجاويد والتشاديين الداعمين لحفتر على مغادرة الأراضي الليبية".

وأفاد دراه بأن اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين أعضاء اللجنة العسكرية الليبية المشتركة واضح وصريح، ويشير إلى سحب المرتزقة، ونزع الألغام، ثم فتح الطريق الساحلي، وعودة القوات إلى ثكناتها العسكرية.

وأكد دراه أن الأمم المتحدة وممثلي الدول الكبرى لم يقدموا أي ضمانات لعدم استخدام حفتر المرتزقة مجددا في الحرب إذا تم فتح الطريق الساحلي وعادت القوات إلى ثكناتها العسكرية.

وأشار دراه إلى أن غرفة عمليات "سرت الجفرة" أبلغت الأمم المتحدة بقدرة الخبراء الليبيين في قوات حكومة الوفاق على نزع الألغام إذا تحصلوا على الخرائط الكاملة للألغام التي زرعها المرتزقة في الأحياء المدنية والطريق الساحلي والمنشآت الحيوية، وتنازلت لتحقيق المصلحة العامة عن تنفيذ الطرف الآخر لهذا الشرط في الاتفاق.

صور لمرتزقة أفارقة في شوارع مدينة هون بمنطقة الجفرة وعلى الطريق الواصل بين سرت والجفرة (الجزيرة)

مبادرة وتهدئة

واعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة بالقاسم دبرز أن قوات حكومة الوفاق الوطني هي التي بادرت بالتهدئة ووقف إطلاق النار، ولم تواصل تقدمها باتجاه سرت رغم القدرة على ذلك من أجل حقن الدماء، ولم تنجز البعثة الأممية ولا اللجنة العسكرية الليبية المشتركة أي بند في الاتفاق.

وقال رئيس لجنة الأمن بالمجلس الأعلى للدولة للجزيرة نت "علمتنا التجربة مع المجرم حفتر أنه لا يملك عهدا ولا ميثاقا، ولا يمتلك أمر نفسه، وهو مجرد دمية تحركها الإمارات ومصر، من خلال مخابراتهما ينفذ ما يُطلب منه فقط".

وصرح دبرز بأن حفتر يمارس عادته بالكذب على الجميع، في ظل استمرار تزايد أعداد المرتزقة الذين يجوبون جنوب وشرق ليبيا من دون أي تحرك دولي واضح وملموس ضد وجود المرتزقة الأجانب في ليبيا.

واعتبر دبرز أن استمرار وجود المرتزقة الروس بأسلحتهم المتطورة في ليبيا خطر كبير على مستقبل العملية السياسية في البلاد، إضافة إلى أن نجاح أي عملية سياسية مستقبلا مرهون بوقف الدعم الخارجي اللامحدود المقدم للانقلابي حفتر وأتباعه.

وأوضح دبرز أن الأخبار المتناقلة تشير إلى أن أمر المرتزقة الروس والأفارقة خرج من يد حفتر وانتقل إلى حلفائه، ولم يعد باستطاعته إنهاء وجود المرتزقة؛ لكونه أداة تحركها أطراف خارجية كما تميل مصالحها.

 

تقديرات تشير إلى أن بقاء المرتزقة يؤكد أن حفتر لا يريد استقرار المنطقة وأمنها (رويترز)

مصالح موسكو

وأكد مدير مركز إسطرلاب للدراسات عبد السلام الراجحي أن روسيا ستعرقل أي اتفاق للجنة العسكرية المشتركة (5+5) المدعومة من قبل الأمم المتحدة يمس مشروع مرتزقة "فاغنر" الروسية.

وصرح الراجحي بأن روسيا تمكنت من تحقيق موطئ قدم لها عبر وجود عسكري في ليبيا، حيث تسعى موسكو حاليا إلى الاستفادة من عملية وقف إطلاق النار لتعزيز مكانها في ليبيا بشكل أكبر من خلال تهيئة البنية التحتية المناسبة في المعسكرات الليبية التي يتمركز فيها مرتزقة شركة "فاغنر" لتحقيق وجود دائم في ليبيا وشمال أفريقيا قبالة الشواطئ الأوروبية.

ويرى الراجحي في تصريحه للجزيرة نت أن المشكلة الحقيقية تكمن في الوجود العسكري الروسي الذي سيستمر سنوات في ظل وقف إطلاق النار الدائم وعدم وجود خطة أممية واضحة لإخراج المرتزقة الروس وأسلحتهم من الأراضي الليبية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نشرت عملية بركان الغضب التابعة لحكومة الوفاق صورا تظهر تحليقا مكثفا لمقاتلات روسية في سماء الجفرة (وسط ليبيا) خلال نقل مرتزقة الجنجويد إلى قاعدة جوية هناك وأكدت أن ذلك يتعارض مع اتفاق وقف إطلاق النار.

طلبت حكومة الوفاق الوطني في ليبيا الدعم من الأمم المتحدة لتنظيم الانتخابات العامة أواخر العام الجاري، من جانب آخر رحبت دول غربية باتفاق الليبيين على آلية لاختيار السلطة التنفيذية المقبلة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة