ما بين الاشتراط للحوار واتهام طرف ثالث.. هذا هو الموقف الإثيوبي من الصراع الحدودي مع السودان

آبي أحمد: اختيار المسار الدبلوماسي مع الغزاة لا يعتبر ضعفا بل هو رمز للقوة والتواضع والصبر (الأناضول)
آبي أحمد: اختيار المسار الدبلوماسي مع الغزاة لا يعتبر ضعفا بل هو رمز للقوة والتواضع والصبر (الأناضول)

لا ينتهي الخلاف بين إثيوبيا والسودان، حول منطقة "الفشقة" الحدودية، إلا ليبدأ من جديد، ليلفت الأنظار لبؤرة توتر منسية، أضحى الخلاف بسببها بين الجارتين، طقسا متكررا منذ خمسينيات القرن الماضي.

غير أن مآلات التصعيد، قد تشكل هذه المرة منعطفا مغايرا، بسبب ارتباطه بأبعاد "جيوـ سياسية" في ظل احتدام التنافس بين إثيوبيا ودول المصب، حول ملفات إعادة تقاسم مياه النيل، وسد النهضة.

أزمة ترسيم الحدود

وفور اندلاع الأزمة مجددا أواخر العام الماضي طالبت إثيوبيا بضرورة قيام البلدين بحل خلافاتهما بشأن الحدود سلميا، وفقا للاتفاقيات الثنائية، وآليات اللجنة المشتركة للحدود المتشكلة عنها.

وفي تصريحات له أمس قال رئيس الوزراء آبي أحمد إن موقف بلاده لا يعبّر عن ضعف بل عن قوة وصبر، بحسب تعبيره.

ورأى رئيس الوزراء الإثيوبي أن الدعوة إلى عدم الدخول في حروب وصراعات مع الآخرين ونبذ الكراهية لا تعتبر عجزا، وأن "عرض السلام على الذين يخترقون الحدود أبيّ".

ووفقا للخارجية الإثيوبية، فإن اتفاقية الحدود التي أبرمت عام 1902، حددت الحدود على الخرائط فقط، في حين أجرى الترسيم على الأرض الميجر البريطاني "قوين" في عام 1903، دون حضور ممثل إثيوبيا أو تفويض من الحكومة الإثيوبية، ونتيجة لذلك، ظل خط "قوين" موضع خلاف ومتنازعا عليه، خاصة في المناطق الواقعة شمال "جبل دقلش"، بحسب الخارجية الإثيوبية.

دينا مفتي اشترط عودة القوات السودانية لمواقعها قبل 8 نوفمبر/تشرين الثاني (الأناضول)

يقول المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية السفير دينا مفتي إنه من أجل حل هذا النزاع اتفق البلدان في عام 1972على الشروع في عملية إعادة الترسيم للمناطق الواقعة شمال "جبل دقلش"، شريطة أن يتم قبل الترسيم، دراسة المشكلة الناجمة عن وجود المزارعين من مواطني الدولتين في أراضي الدولة الأخرى، بهدف إيجاد حل ودي لها، بحسب الاتفاقية.

وأشار دينا مفتي في حديثه للجزيرة نت إلى أنه وبناء على اتفاقية 1972 تم تشكيل عدة لجان، إلا أنها لم تكمل مهامها الموكلة إليها، رغم عقدها عشرات الاجتماعات، وأوضح مفتي أنه وأثناء استمرار المفاوضات وقّع البلدان على تفاهم عام 2005 نصّ على بقاء الوضع الراهن على الحدود كما هو -كحل مؤقت- ريثما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي.

وأكد دينا مفتي، أن تفاهم 2005 يعتبر حلا تكميليا ومؤقتا لاتفاقية عام 1972، وليس بديلا عنها، معتبر أن ما قام به الجيش السوداني يعتبر انتهاكا لهذه الاتفاقيات، وأن الحل يتمثل في الالتزام بتفاهم 2005 وإعادة تنشيط اللجان المشتركة المتمخضة عن اتفاقية عام 1972 لعقد اجتماعاتها وإعادة ترسيم النقاط الحدودية، والتي لا ينبغي أن تكون نقاطا لفصل مواطني البلدين، بقدر أن تكون نقاط اتصال تعزز وتوطد التعاون بينهم، بحسب دينا مفتي.

وفي أحدث تصريح له اليوم رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية ربط ملف سد النهضة بالنزاع الحدودي واشترط عودة القوات السودانية إلى مواقعها قبل الأحداث في 8 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ومن ثم يبدأ الحوار والتفاوض.

وأضاف في مؤتمر صحفي أن قوات بلاده كانت منشغلة بتنفيذ القانون في الشمال واستغلوا ذلك وقاموا بالهجمات على حدودنا، وأن بلاده ترفض سياسة الأمر الواقع، ونفى أن يكون قد تم إبرام اتفاق مع رئيس المجلس السيادي الانتقالي في السودان عبدالفتاح البرهان، وأن كل ما تم الاتفاق عليه أن يتولى البلدان ضبط الحدود ومنع المجموعات المناوئة للسلام بين البلدين.

جنود من الجيش السوداني على الحدود مع إثيوبيا (مواقع التواصل)

اتهامات للسودان بالتوغل في إثيوبيا

وبحسب الرواية الرسمية الإثيوبية فإنه في 8 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وبعد انتقال الجيش الإثيوبي إلى إقليم تيغراي، دخل الجيش السوداني الأراضي التي انسحب منها الجيش الإثيوبي، ونهب الممتلكات وأحرق المعسكرات المدنية وقتل وهاجم الإثيوبيين وشرد الآلاف، في انتهاك لتفاهم عام 2005 الذي نص على بقاء الوضع الراهن على الحدود كما هو، ودفعت هذه المستجدات إلى عقد جولة طارئة في الخرطوم للجنة السياسية رفيعة المستوى حول قضايا الحدود بين البلدين، إلا أن الاجتماع لم يسفر عن أي اتفاق، حيث اتفق الطرفان على رفع التقارير إلى قيادة البلدين على أن يعقد الاجتماع المقبل في أديس أبابا في موعد يحدد لاحقا، وهو الذي لم يتم حتى اللحظة.

وإزاء التصعيد بين البلدين عرض رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت وساطة بين البلدين تهدف إلى إتاحة الفرصة للحوار والحل الدبلوماسي.

قميص عثمان

بعيدا عن تعقيدات ترسيم الحدود، درج مسؤولون إثيوبيون على اتهام "طرف ثالث" يعمل من خلال عناصر في الحكومة السودانية الانتقالية، بهدف تسميم العلاقات بين السودان وإثيوبيا، وجر البلدين إلى حرب بغرض انهاكهما، وإن لم يذكر أي مسؤول رسمي إثيوبي اسم "الطرف الثالث" صراحة، أشار خبراء ومتابعون إثيوبيون بأصابع الاتهام إلى مصر، حيث قال "امبيالي بيني" خبير الدراسات السياسية بجامعة بحردار إن القاهرة تسعى لإشعال الحرب بهدف إضعاف إثيوبيا وتعطيلها عن المضي قدما في تغيير الجغرافيا السياسية الذي أحدثه سد النهضة.

واعتبر بيني أن تصعيد أزمة الحدود مع السودان والتي يعود عمرها إلى 120 عاما، ليست سوى مجرد قميص عثمان الذي تريد عبره القاهرة تحقيق أهدافها، مشيرا في حديثه للجزيرة نت، إلى أن مصر سبق وأن أعلنت صراحة أنها ستتخذ كافة الطرق، لإعاقة مسار سد النهضة لأنها تعتقد أنه يتعارض مع مصالحها.

وأضاف أن القاهرة تسعى لأن تكون الأزمة الحدودية ورقة ضغط، في ملف سد النهضة، وإثيوبيا سبق أن أكدت أن سد النهضة، ملف فني لا سياسي.

استياء شعبي

على الصعيد الشعبي، والرأي العام الإثيوبي، ثمة استياء كبير من الموقف السوداني، حيث قال الإعلامي الإثيوبي محمد العروسي إن الجيش السوداني لم يراعِ مبدأ الصداقة والعلاقات الأخوية بين البلدين، مشيرا في حديثه للجزيرة نت إلى أنه استغل الأزمة الداخلية التي تعيشها إثيوبيا، وقام بالتصعيد، وكان الأحرى منه تقديم الدعم لإثيوبيا للخروج من أزمتها، كنوع من رد الجميل لها والتي كانت أول من هبّ لمساعدة الخرطوم الشقيقة إبان الثورة السودانية.

وقال العروسي إنه من خلال التجارب السابقة حول الخلافات الحدودية، فإن الحرب عجزت دائما عن حسم أي خلافات حدودية، والتي لو طال زمنها أو قصر، لا بد من تسويتها على أسس سلمية وقانونية.

وأضاف الإعلامي الإثيوبي "طالما أن الأمر كذلك، وأنه في نهاية المطاف سيؤول إلى تلك النهاية، فإن إهدار الأرواح والموارد، يعد ضربا من ضروب العبث بمصائر الشعوب".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يستمر التوتر على الحدود السودانية الإثيوبية في أعقاب العملية التي نفذها الجيش السوداني لاستعادة أراض بمنطقة الفشقة. وفي أحدث التصريحات من أديس أبابا، قال رئيس الوزراء إن موقف بلاده لا يعبّر عن ضعف.

يسابق السودان موعد الملء الثاني لسد النهضة، الجزيرة نت أجرت مقابلة مع عضو وفده المفاوض حسن أمين محمد أحمد، أجاب خلالها عن الخيارات التي ستتخذها بلاده قبل هذا الإجراء الإثيوبي في يوليو/تموز القادم.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة