بالسخرية والهزل.. العراقيون يواجهون الأحزاب والأزمات التي تعصف بالبلاد

شعارات رفعها المتظاهرون في ساحة الحبوبي بالناصرية خلال مظاهرات العام الماضي (الجزيرة نت)
شعارات رفعها المتظاهرون في ساحة الحبوبي بالناصرية خلال مظاهرات العام الماضي (الجزيرة نت)

على الرغم من قتامة الأوضاع السياسية في العراق وضبابية في الأحداث التي تجري بشكل يومي، فإن العراقيين وجدوا على مواقع التواصل الاجتماعي متنفسا جديدا للتعبير عن مواقفهم إزاء الأزمات السياسية والحديث عنها، وانتقاد المشهد السياسي وإظهار ما يجري بشكل هزلي وساخر في كثير من القضايا والملفات المهمة.

وتعدت تلك السخرية الكُتّاب والمدونين الذين يعرفون عادة بهذا اللون من الكتابة إلى مستخدمي مواقع التواصل بشكل عام، حيث تمتلئ صفحات السياسيين على تلك المواقع بآلاف التعليقات الهزلية والساخرة إضافة للشتائم والكلمات البذيئة التي يكتبها الناس احتجاجا على ما يجري من مواقف وأحداث.

سجاد حسن اعتبر أن الكتابة الساخرة هي إعلان موقف احتجاجي قبل أن يكون دعوة للضحك (الجزيرة نت)

موقف احتجاجي

السخرية هي النقطة التي تلتقي بها هموم الناس مع فرصة الضحك وتناسي ما يحدث وهي بمثابة فرصة لكي يعبر المواطنون بما في داخلهم دون قيود أو رقابة، كما يقول الكاتب والفنان أحمد حسان للجزيرة نت.

لجأ أغلب المدونين -كما يوضح حسان- إلى أسلوب السخرية مما يحصل على الصعيد السياسي ليس رغبة بالضحك فقط بل تعدى إلى حماية أنفسهم من التعرض للأذى بسبب الأحزاب والمليشيات التي أصبحت تفرض نفسها كسلطة فوق القانون في قمع الحريات وتكميم الأفواه.

وخلال الفترة الماضية التي أعقبت الاحتجاجات كانت مواقع التواصل قد شهدت ارتفاعا بحجم السخرية من الأوضاع السياسية لكنها بالوقت نفسه رافقتها دعاوى قضائية وتهديدات عشائرية حينما تتعلق بعض التدوينات والتغريدات بشخصية ذات تأثير اجتماعي أو سياسي أو ديني.

يقول الكاتب الساخر سجاد حسن إن الكتابة الساخرة هي إعلان موقف احتجاجي قبل أن يكون دعوة للضحك، وأستذكر عبارة للدكتور محمد الجرادات (بين الهزل والسخرية مسافة قصيرة، فإذا كان الهزل مرادفا للتفكّه، فإن السخرية قد تكون بمنتهى الجدية).

ويضيف حسن للجزيرة نت أن الهدف الأساسي هو تعرية الأنظمة السياسية على وجه الخصوص ونقد العادات المجتمعية أيضا، كما يدعو إلى توعية المجتمع، بأسلوب كوميدي ناقم وذلك من خلال المَلَكَة الثقافية والرؤية النقدية التي يتمتع بها الكاتب، لِيُعبّر عن الهيجان والروح الثورية التي يحملها.

تفاعل مجتمعي

أصبحت اليوم هناك حاجة ماسة لتطعيم الأحداث السياسية التي نتناولها بصفتنا كتابا ومدونين بشيء من السخرية بسبب زخم الأخبار السلبية التي تحصل وصار الناس غاضبين مما يحدث لذلك كان اللجوء إلى نقد الأوضاع العامة بسخرية، كما يقول المدون الساخر حسام جعفر الغزي للجزيرة نت.

ويضيف أن السخرية بالطبقة السياسية جاءت بسبب دورها السيئ في إدارة الدولة، بعدها أصبح المتلقي للأخبار يتفاعل مع انتقاد الوضع بسخرية كونه يائسا من المشهد بشكل عام وبالتالي ظل يبحث دائما عن شيء يثير جانب الابتسامة فيه، كما أن السخرية تحد من تعصب الكاتب والمدون والصحفي لذا يساعده على تقليل الفرضيات في الرأي أو طرح المواضيع المهمة، وهو ما يساعده على تقليل مواجهة الطبقة السياسية بدعاوى كيدية.

الشبيب اعتبر أن السخرية والنكتة السياسية ليست جديدة عراقيا وقد ارتبطت بمواقف اجتماعية وسياسية (الجزيرة نت)

السخرية والاحتجاجات

لم تكن السخرية أو الهزلية والنكتة السياسية جديدة على العراقيين، وهو موضوع قديم، فقد ارتبطت بمواقف اجتماعية وسياسية واقتصادية، فقد كانت حاضرة قبل نظام الرئيس الراحل صدام حسين وما بعده، وبرزت في جوانب مختلفة من الحياة، لكن اليوم وبسبب الكبت والحرمات وتكميم الأفواه وعمليات القتل والاختطاف عادت بشكل واضح، كما يقول الأكاديمي والباحث الاجتماعي عدي الشبيب.

ويضيف خلال حديثه للجزيرة نت، أن النكتة السياسية كانت موجودة حتى قبل تأسيس الدولة العراقية وحتى في التراث العربي الإسلامي كانت هناك كتابات شهيرة، لكن السخرية ظهرت بشكل أكثر حدة بسبب غياب السينما والمسرح والأمور الترفيهية في المجتمع وظهور التعصب السياسي والديني والطائفي.

وأدب السخرية لم يكن حاضرا، كما يقول الشبيب، مثلما حضر بعد الاحتجاجات التي انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2019، وهو شيء كبير جدا أن تشاهد شخصيات ورموزا دينية وسياسية اجتماعية وقد نالت منهم السخرية واهتزت صورتهم، وبالتالي اهتزت الصورة النمطية للنموذج المثالي لدى مجموعة كبيرة من المجتمعات.

تهديدات قانونية وعشائرية

يقول علي أحمد الياسري وهو ناشط ومدون إنه قد تعرض لتهديد بالتصفية من قبل جهة سياسية نافذة بعدما وجه لزعيمها انتقادا ساخرا، حينما نشر على صفحته صورة لحصان معتبرا إياه يمثل قيادة الحزب وأن الجميع من خلفه عبارة عن كائنات أخرى.

ويضيف للجزيرة نت، أنه كتب تعليقات أكثر من مرة على صفحات سياسيين وزعماء أحزاب بشكل ساخر، مما دفع مناصرين لهم لمهاجمته وحتى تهديده بالقتل، مما دفعه للابتعاد عن الكتابة.

واعتبر الياسري أن السخرية من المشهد السياسي طريقة جيدة لتفريغ الشحنات وإثارة الأتباع لكنها طريقة قد تعرض الحياة للخطر.

ولم تنجح الدعوات المدنية التي تطلقها منظمات وناشطون بالمجتمع المدني لنبذ الكراهية والحث على التعايش السلمي في إيقاف الكثير من الكُتاب والمدونين أصحاب الرأي، بعضهم تعرض للاعتقال أو الاغتيال أو الاختطاف كما جرى مع الناشط البارز بتظاهرات الناصرية سجاد العراقي الذي كان يتابعه الآلاف وهو ينشر بشكل ساخر ومباشر ضد الأحزاب السياسية.

يقول المتابع للشأن السياسي محمد العبودي، إن الكتابة الساخرة ولا سيما في المشهد السياسي تشكل تأثيرا كبيرا في مساحة واسعة لدى الناس، وبالمقابل تساهم في كشف وتعرية الكثير من الأحداث السياسية التي يسعى الكثيرون لتمريرها من أجل مصالح سياسية، كما تمثل منبها للمواطن على ما يحصل من حوله.

العبودي يضيف للجزيرة نت، أن الدليل على أن السخرية تشغل مساحة واسعة من اهتمام الناس هو ظهور برامج تلفزيونية ووسائل إعلامية خاصة تعنى بالكتابة أو تتناول الأحداث بشكل ساخر وهزلي وهي تأخذ رواجا كبيرا في مواقع التواصل.

وبحسب مراكز خاصة بحقوق الإنسان في العراق، فقد برزت خلال عام 2019 و2020 انتهاكات وتجاوزات على عدد كبير من المتظاهرين والمدونين والناشطين والصحفيين، وتنوعت تلك الانتهاكات بين تهديدات بالقانون أو باستخدام سلطة العشيرة أو التهديد بالاختطاف والتصفية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لم تعد مطالب المتظاهرين العراقيين تقتصر على إسقاط الطبقة الحاكمة ومكافحة الفساد، بل توسعت نحو تشكيل تكتلات سياسية استعداداً للمشاركة في الانتخابات، وسط توقعات بالتحالف مع بعض أحزاب السلطة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة