وسط سجالات الخسائر والحلول.. احتجاجات لعمال مصر على تصفية المصانع التاريخية

عمال الحديد والصلب يحتجون على قرار تصفية المصنع التاريخي (مواقع التواصل الاجتماعي)
عمال الحديد والصلب يحتجون على قرار تصفية المصنع التاريخي (مواقع التواصل الاجتماعي)

تواصلت احتجاجات عمال مصانع حكومية عريقة في مصر ضد الاتجاه لتصفيتها من أقصى الشمال عند كفر الدوار مرورا بالدقهلية غرب الدلتا، ثم حلوان جنوب القاهرة، حيث يوجد أكبر مصنع للحديد والصلب في مصر الذي كان يعد رمزا للصناعة في البلاد وأصبح أحدث المصانع التي تشهد حالات احتجاج أمس الأحد.

قرار تصفية وبيع هذه المصانع لم يكن مفاجئا للعمال، حيث سبق التمهيد له بإجراءات عديدة، كما يجري الحديث عن البيع منذ مدة عقب أزمات ضخمة تواجه هذه المصانع، فضلا عن أن مسلسل بيع مصانع وشركات قطاع الأعمال (القطاع العام سابقا) مستمر منذ نحو 3 عقود، وهو ما أسماه الكاتب المصري الراحل سعد الدين وهبة في كتاب له "النهب الثالث لمصر".

غير أن هذه المصانع المعروضة للبيع مؤخرا، وعلى رأسها مصنع الحديد والصلب بحلوان، تمثل "رمزية خاصة للصناعة المصرية عموما وأهمية إستراتيجية للبلاد"، برأي محللين، فضلا عن السجال المستمر حولها بين العمال ورافضي البيع وبين الحكومة حول أسباب خسائرها ووجود حلول أخرى لعلاج الخسائر غير الحل الأسهل وهو البيع.

ويرى رافضو البيع أن الحكومة تسارع لبيع هذه المصانع لإخلاء أماكنها لتباع بثمن بخس لجهات سيادية في الدولة ومستثمرين إماراتيين.

خسائر ضخمة وسجالات كبيرة

المؤكد في السجال الدائر بين مؤيدي البيع والرافضين له هو وجود خسائر ضخمة تتكبدها هذه الشركات والمصانع، لكن الاختلاف بين الفريقين في تقدير أسباب هذه الخسائر وكيفية التعاطي معها.

ويستند فريق تأييد البيع -وبينهم الحكومة ومحللون اقتصاديون- إلى أن هذه الشركات باتت عبئا كبيرا على ميزانية البلاد، دون إنتاج ولا قيمة مضافة للصناعة.

بالمقابل يرى فريق رفض البيع -من عمال هذه المصانع ومحللين اقتصاديين- أن رمزية هذه القلاع الصناعية وأهميتها الإستراتيجية للبلاد تتخطى حسابات الربح والخسارة إلى مفهوم الأمن القومي، مؤكدين أن هذه المصانع يمكن بقليل من الإدارة الرشيدة لمقدراتها استعادة قدراتها الإنتاجية وتحويلها من الخسارة للربح.

وأصدرت أحزاب عدة ذات توجه يساري وناصري، مثل الكرامة والحزب الناصري والتحالف الشعبي الاشتراكي، بيانات تنديد باتجاه الدولة للتخلص من صناعات إستراتيجية كان يمكن بقليل من الرشد إنقاذها بدلا من إهدارها لصالح أهداف تعارض المصلحة الوطنية، بحسب وصف أحزاب المعارضة.

مظاهرات العمال

وفي مصنع الحديد والصلب بحلوان جنوب القاهرة، حيث أحدث السجالات حول مستقبل المصنع، احتج آلاف العمال على قرار التصفية والبيع، وترددت في هتافاتهم ضد قرار الحكومة شعارات من قبيل "على جثتنا نسيب (نترك) شركتنا". وسبقهم إلى الاحتجاج خلال الشهور القليلة الماضية عمال مصانع طلخا للأسمدة وكفر الدوار للغزل والنسيج.

وتتفاوت التقديرات تفاوتا شاسعا بين الرواية الرسمية والعمالية بشأن قيمة المصنع ومقدراته وأصوله وطريقة التعاطي معه.

وفي المقاطع التي صورها عمال الحديد والصلب لمظاهراتهم أمس الأحد، التي تظهر أعدادا كبيرة، قال أحد العمال إن معظمهم العمال ينتشرون في نحو 32 عنبرا، مما يدحض برأيه مقولة وزير قطاع الأعمال بأن المصنع لا يساوي شيئا.

وأكد أحد العمال بالمصنع -رفض ذكر اسمه- للجزيرة نت أن هناك محاولات حكومية حثيثة لبخس قيمة المصنع بالتقليل من إمكانياته، رغم وجود الورش والمسبك ومعمل الأكسجين والأفران التي تطورت قدراتها مؤخرا.

وتابع المتحدث أن متوسط مرتبات العمال تدور حول 4 آلاف جنيه فقط (نحو 250 دولارا) بعد خدمة 40 عاما بالمصنع، مما يهدم دعوى الوزير بأن العمال يكلفون الدولة مليارات الجنيهات.

تحركات البرلمانيين

وتقدم أمس البرلماني مصطفى بكري بطلب إحاطة للحكومة حول قرار بيع المصنع، كما تقدم البرلماني أحمد الشرقاوي بطلب مماثل بشأن تصفية مصنع سماد طلخا التابع لشركة الدلتا للأسمدة والصناعات الكيميائية.

وفند الشرقاوي ادعاءات الحكومة بأن المصنع يكبد الدولة خسائر بالقول إن المصنع يغطي حوالي ثلث الاستهلاك المحلي من الأسمدة المدعمة التي يتحمل المصنع معظم تكاليف إنتاجها، لأنه يشتري الغاز بالدولار وبسعر يصل إلى 4.5 دولارات للمليون وحدة حرارية (الدولار نحو 16 جنهيا)، وفي الوقت ذاته هو ملتزم بتسليم معظم إنتاجه للبنك الزراعي بالسعر المدعوم.

من ناحية أخرى أكدت الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، في بيان لها أن شركة مصر للغزل والنسيج وصباغي البيضا بكفر الدوار شمالا -إحدى شركاتها التابعة- مدرجة ضمن خطة تطوير شاملة.

وتتضمن الخطة، بحسب البيان، نقل الشركة من موقعها الحالي إلى موقع جديد يبعد عن الحالي بمسافة 3 كيلومترات فقط بكفر الدوار أيضا، وليس غلقها أو تصفيتها كما يروج، وطالب البيان "العاملين الشرفاء عدم الاستجابة لأي آراء هدامة أو عرقلة تنفيذ تلك القرارات".

بالمقابل قال أحد عمال الشركة للجزيرة نت -رفض ذكر اسمه- إن الهدف هو بيع أراضي الشركة والتمهيد لقرار تصفيتها، مستدلا على ذلك بأن الشركة القابضة قررت غلق الشركة لمدة 9 أشهر بدعوى إنشاء المبنى الجديد.

وتابع المتحدث أنه سيتم تسليم أراضي المصانع المقرر إغلاقها إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة لتنفيذ مشروعات ستقام على أراضي تلك المصانع.

تصفية مقدرات البلاد

النائب العمالي السابق عن دائرة حلوان طارق مرسي قال للجزيرة نت إن ما يجري لكل مصانع مصر الكبرى يأتي في سياق واحد، وهو تصفية مقدرات البلاد، معربا عن تقديره لتحركات العمال الذين أعادت احتجاجاتهم الأمل لعمال مصر.

وتابع مرسي أن الأزمة الراهنة للصناعة المصرية تحتاج صبرا ونضالا من العمال، ووقفة من جميع عمال مصر الذين لم يأت عليهم الدور بعد لمساندة زملائهم في المصانع المعروضة للبيع، لأنهم لو لم يقفوا مع عمال الشركات المعروضة للبيع فدورهم قادم بالتأكيد، بحسب قوله.

ولفت المتحدث إلى أن شركة الحديد والصلب تحديدا، وهي أول شركة حديد وصلب في الشرق الأوسط، تعرضت لخطة ممنهجة من أجل الوصول لتصفيتها، حيث كان يعمل بها نحو 27 ألف عامل انخفض إلى نحو الربع حاليا.

واعتبر مرسي أن التقسيم تهيئة لتصفية الشركة وبيع أرضها بسعر بخس، حيث جرى تقييم سعر المتر بأقل من 500 جنيه (نحو 35 دولارا)، وهو سعر يقل كثيرا جدا عن مثيله في المنطقة المميزة نفسها.

صناعات إستراتيجية

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين إن الحكومة سعت لإقناع الرأي العام بأن هذه الشركات والمصانع خاسرة ولا أمل فيها، وهو ما يعني بالضرورة بيعها دون أن تعترف بأن سياساتها هي التي دفعت بهذه المصانع إلى هذا الطريق.

وأكد شاهين في حديثه للجزيرة نت أن أبسط نظريات الاقتصاد تقول إن هناك صناعات إستراتيجية يجب ألا يحتكرها مستثمر واحد لو قررت الحكومة التخلي عنها، مثل صناعات الأسمدة والإسمنت والحديد، الذي تضاعف ثمنه 30 مرة منذ تخلي الدولة عن دورها فيه وتركته للمحتكرين.

وانتقد شاهين ما وصفه بتفريط الحكومة في مقدرات البلاد من القلاع الصناعية، مؤكدا أنه حتى أعتى الدول الرأسمالية لا تفكر بهذه الطريقة، بل تخطط لكي تحافظ على عدالة المنافسة بين الجميع لصالح انتعاش الصناعة وحماية المستهلك.

وفي مقالات رأي بالصحف المصرية، تجادل زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق مع وزير التجارة والصناعة الأسبق منير فخري عبد النور حول قرارات بيع الشركات، وبينما طرح بهاء الدين تساؤلات العمال حول المتسبب في الخسائر مطالبا بدراسة البدائل المطروحة خلاف البيع وبحث تأثير البيع على مجمل النشاط الاقتصادي، جاءت ردود عبد النور قاطعة وحاسمة بأنه رأى -من خلال فترة توليه المسؤولية- أن القرارات بالبيع شجاعة ومتأخرة، لأن هذه المصانع وعلى رأسها الحديد والصلب استنفدت معها كل سبل الحل.

ودافع وزير قطاع الأعمال هشام توفيق عن قراراته بالقول إنه لا يوجد جدوى من تطوير مصانع الحديد والصلب، مضيفا خلال مداخلته بإحدى الفضائيات أن المعلومات التي كانت تصل من المصنع متباينة ومختلفة، وتضارب البيانات مصدره الشركة، نافيا أي قيمة مادية لأصول المصنع، مؤكدا عرضها في مزاد علني لأعلى سعر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أثار قرار تصفية شركة الحديد والصلب المصرية بعد 67 عاما من تأسيسها موجة غضب وحزن في منصات التواصل الاجتماعي، ووصفه ناشطون بأنه بمثابة “جريمة في حق الوطن، واستسهال دون النظر لرمزية الشركة التاريخية”.

من الوارد لدى حكومة السيسي في إقدامها على خصخصة جزء من شركتين مملوكتين للجيش، أن تحاول تحسين صورتها القاتمة، التي رسمتها على مدار السنوات الماضية، والتي تبلورت في تمكين الجيش من مفاصل الاقتصاد المصري.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة