10 سنوات على ثورة الياسمين.. جدل العودة للنظام الرئاسي يتواصل في تونس

رغم إقرار الدستور التونسي بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 نظاما "شبه برلماني" يقطع نهائيا تغول النظام الرئاسي الذي حكم البلاد لعقود؛ إلا أنه ظل على المحك في نظر خبراء دستوريين وقيادات سياسية.

وأعاد تصريح لافت منذ يومين لرئيس حركة النهضة والبرلمان راشد الغنوشي، الجدل حول طبيعة النظام السياسي الذي أفرزته الثورة، حين أقر بوجود ما أسماه "صراعا عنيفا بين النظامين الرئاسي والبرلماني".

تنازع الصلاحيات

وقال الغنوشي إن "الثقافة السياسية في تونس ثقافة رئاسية تم ترسيخها منذ عهد البايات"، وإن النظام البرلماني الذي جاءت به الثورة يحتاج إلى الصبر عليه بقصد توطينه"، مشددا على أن معظم الأنظمة الديمقراطية في العالم هي أنظمة برلمانية.

ووفق خبراء دستوريين، فإن النظام السياسي الحالي بقدر ما وفر ضمانة عدم العودة لمربع الاستبداد من خلال تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح الحكومة ورئيسها، غير أنه خلق صداما ليس فقط بين رأسي السلطة التنفيذية؛ بل تجاوزها للسلطة التشريعية.

وجاء في الفصل 71 من دستور ما بعد الثورة أن "السلطة التنفيذية يمارسها رئيس الجمهورية وحكومة يرأسها رئيس الحكومة".

الغنوشي قال إن النظام البرلماني الذي جاءت به الثورة يحتاج إلى الصبر عليه بقصد توطينه (الأناضول)

نظام هجين

ويصف أستاذ القانون الدستوري معتز القرقوري النظام السياسي الحالي بالهجين؛ لمنحه صلاحيات "غير مفهومة" لرئيس الجمهورية في نظام برلماني، بانتخابه انتخابا مباشرا من الشعب.

ولفت في حديثه للجزيرة نت أن هذا النظام خلق تنازعا على الصلاحيات، التي هي من صلب السلطة التنفيذية، بين رئيس جمهورية يستمد مشروعيته الانتخابية من الشعب الذي صوت له مباشرة، ورئيس حكومة يستمد مشروعيته من البرلمان -ممثل الشعب- الذي منحه الثقة.

ويوضح القرقوري أن خاصية النظام السياسي الحالي هي منح البرلمان والحزب صاحب الأغلبية النيابية صلاحيات واسعة، تتعلق بمنح الثقة للحكومة وسحبها منها.

لكنه يستدرك أن المبدأ هو انبثاق الحكومة من البرلمان؛ لكن يمكن لرئيس الجمهورية في مرحلة ثانية اختيار رئيس الحكومة باعتباره الشخصية الأقدر، حين يعجز الحزب الأكثر تمثيلا عن منح الثقة للحكومة، ما أدخل نوعا من الاضطراب ومهد لتنازع الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وخلص إلى أن أي نظام سياسي له إيجابياته وعيوبه؛ لكنه يظل رهينة الطبقة السياسية الحاكمة وكيفية تعاملها معه، وفق وصفه.

تنازع الصلاحيات

وجاء في الفصل 89 من دستور ما بعد الثورة أنه خلال أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، يكلف رئيس الجمهورية مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب؛ بتكوين الحكومة خلال شهر يجدّد مرة واحدة.

وعند تجاوز الأجل المحدد بدون تكوين الحكومة، أو في حال عدم الحصول على ثقة مجلس النواب، يقوم رئيس الجمهورية خلال 10 أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية؛ لتكليف الشخصية الأقدر لتكوين حكومة في مدة أقصاها شهر.

نظام على مقاس النهضة

من جهته، يقول رئيس الحركة الديمقراطية، أحمد نجيب الشابي، للجزيرة نت إن النظام السياسي في تونس، تم تفصيله على مقاس حركة النهضة، بهدف منحها صلاحيات تشكيل الحكومة بعد تقلص حظوظها بالفوز في الانتخابات الرئاسية.

ورأى الشابي أن النهضة وحلفاءها في الحكم لعبوا سابقا على مشاعر الخوف لدى التونسيين من تكرار تجربة الحكم الفردي الاستبدادي، وأقنعوهم بجدوى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية.

وخلص إلى أن النظام السياسي الحالي أثبت فشله بكسره وحدة السلطة التنفيذية، وتوزيع الصلاحيات وتشتيتها بين رأسي سلطة تنفيذية واحدة ممثلة برئيس الحكومة ورئيس الجمهورية.

محاولات فاشلة لتغيير النظام

وسبق أن قادت أحزاب وقيادات سياسية محاولات متكررة لتغيير النظام السياسي وتعديل الدستور وإرساء ما أطلق عليه "بالجمهورية الثالثة"؛ لكن جميع محاولاتها اصطدمت برفض شعبي وبرلماني لتيارات وأحزاب محسوبة على الثورة.

ويستذكر التونسيون في 2019 دعوة سابقة للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي لتعديل الدستور، بهدف توسيع صلاحياته، إبان تصاعد الخلافات بينه وبين رئيس الحكومة يوسف الشاهد المدعوم من حركة النهضة.

وأعرب السبسي خلال كلمة سابقة له بمناسبة الذكرى 63 لعيد الاستقلال، "عن أسفه" لاستئثار رئيس الحكومة بالسلطة التنفيذية بعد أن كانت في يد رئيس الجمهورية.

وتكرر السيناريو ذاته مع رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد، الذي اختار رئيس الحكومة هشام المشيشي باعتباره "الشخصية الأقدر" ثم رفع بوجهه الفيتو؛ بسبب خلافات حادة على التركيبة الوزارية وتنازع على الصلاحيات.

ولا يخفي سعيد عدم رضاه على النظام السياسي القائم، ملمحا في أكثر من مرة عزمه على تعديل الدستور، لعل آخرها كلمته التي توجه بها للتونسيين بداية السنة حين قال "إن النظام السياسي في تونس يحتاج إلى لقاح من صنف جديد، يعيد لتونس عافيتها".

الرئيس قيس سعيد لا يحفي عدم رضاه على النظام السياسي القائم (الأناضول)

ضمانة ضد الدكتاتورية

ويرى القيادي بحركة النهضة رفيق عبد السلام أن "النظام السياسي الحالي رغم كل ما يقال عنه، يظل أفضل بكثير من النظام الرئاسي المركزي، بتوفيره ضمانة حقيقية ضد الدكتاتورية، وفق وصفه.

وذكر عبد السلام في حديثه للجزيرة نت محاولات سابقة باءت بالفشل لتعديل الدستور والعودة للنظام الرئاسي، كما اصطدمت هذه المحالات بكوابح النظام السياسي القائم على توزيع السلطات بين قرطاج والبرلمان والحكومة.

ورفض محدثنا، توصيف النظام السياسي القائم بالهجين، مشيرا إلى أنه فُرض فرضا على ضوء التوازنات السياسية والتوافقات، التي حصلت إبان مناقشات الدستور، بين أحزاب تدعو لنظام برلماني منها النهضة، وأخرى تريد العودة للرئاسي.

وشدد الوزير السابق على أن العقبة ليست في النظام السياسي؛ بل النظام الانتخابي القائم، الذي حال دون إفراز أغلبية واضحة تفوض لإدارة شؤون الحكم، مقابل حكومات ائتلافية رهينة التوافقات بين الكتل البرلمانية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة