خوفا من "نموذج قد يضرب به المثل عالميا".. هكذا يدخل لبنان الإغلاق العام لمجابهة كورونا

المحلات التجارية قبل ساعة من بدء حظر التجول (مواقع التواصل)
المحلات التجارية قبل ساعة من بدء حظر التجول (مواقع التواصل)

عند ساحة التلّ بطرابلس شمال لبنان، كان يقف خالد (46 عامًا) أمام عربته الجوالة لبيع القهوة، يلتفتُ يمينًا وشمالًا للتأكد من عدم مرور دورية أمنية، وهو يصرّ على العمل خلسةً قبل تشديد إجراءات الإقفال العام، إذ ستبدأ حالة الطوارئ الصحية من صباح اليوم الخميس 14 يناير/كانون الثاني، وسيتخللها حظر كامل للتجول فرضتها السلطات بعد تسجيل أعداد الإصابات بفيروس كورونا أرقاما قياسية، في وقت وصلت معظم المستشفيات التي التزمت بعلاج المصابين لقدرتها الاستيعابية القصوى.

تبادلنا الحديث مع المواطن الذي كان يحيط به مجموعة من الزبائن طالبين منه فنجان قهوة مقابل ألف ليرة (نحو 0.11 دولار) وهم في طريقهم إلى الأسواق لتموين منازلهم لا سيما أن الإقفال العام سيستمر وفق مقررات المجلس الأعلى للدفاع حتى فجر الاثنين 25 يناير/كانون الثاني الجاري.

خالد: لا أعرف كيف سأدبر  مصاريف عائلتي مع الإغلاق (الجزيرة)

"أخاف من الحاجة أكثر من كورونا" يشكو بائع القهوة للجزيرة نت، ثمّ يفتح محفظته ليقلبها قائلًا "لا أعرف كيف أتدبر أمري مع الإقفال لأن مدخولي اليومي لا يتجاوز 20 ألف ليرة (نحو 2.2 دولار) أشتري بها ما تيّسر من طعام لعائلتي كما اضطر للاستدانة، فحتّى كراتين الإعاشة لا تصل جميع الفقراء".

وفي طرابلس التي تعدّ أكثر مدن لبنان فقرًا، تشهد الأسوق حالةَ من الاكتظاظ والتدافع قبل ساعات من حظر التجول، وقد عمّ المشهد جميع التعاونيات الغذائية شمالًا وجنوبًا وبقاعًا وفي العاصمة بيروت، الأمر الذي شبهه كثيرون بحالة الذعر التي يعيشها الناس قبيل الحروب.

هذه الحالة دفعت خبراء صحيين لإبداء مخاوفهم من أن يشهد لبنان سيناريو صعبا نتيجة للاختلاط والازدحام في الأيام الثلاثة الأخيرة، كما اتهم رئيس "اللقاء الأكاديمي الصحي" الدكتور إسماعيل سكرية السلطات بارتكاب "ما يحاكي جريمة موصوفة تتصاعد مفاعيلها بفعل سياسات عشوائية اتسمت بغياب الرؤية والتخبط في تنفيذ القرارات".

بيروت ليلًا خلال منع التجول بعد السادسة مساءً (الجزيرة)

سباق كورونا
وبات لبنان يسجل يوميًا أكثر من 30 حالة وفاة، وتخطت آخر أرقام وزارة الصحة 1600 إصابة بفيروس كورونا داخل المستشفيات، بينها نحو 627 حالة بالعناية المركزة ونحو 180 تحتاج لأجهزة تنفس اصطناعي، وبعد أن كان تسجل نسبة الفحوصات الإيجابية 13%، تخطت 16.5%، وهي من بين الأعلى عالميًا، وقد تجاوز عدد الإصابات الإجمالي 231 ألفا و936 إصابة، وقفزت أعداد الوفيات إلى 1740 حالة.

مدير العناية الطبية بوزارة الصحة الدكتور جوزيف الحلو قال للجزيرة نت "لبنان يتدحرج نحو الهاوية" نتيجة الاستهتار الرسمي والشعبي في شهر الأعياد نهاية 2020 عبر فتح المطاعم وإحياء الحفلات بدون ضوابط، متهما السلطات بعدم الاستجابة حينها لدعوات الإغلاق التام، كما فعلت معظم دول العالم.

لذا، يرى الحلو أن مقررات الإقفال العام -والتي لم تخلُ من بعض الاستثناءات الضرورية- تبدو جيدة في ظاهرها، لكن العبرة بالتنفيذ و"إلّا سيُقبل اللبنانيون على نموذج قد يُضرب به المثل عالميًا بدل النموذج الإيطالي".

ويلفت إلى أن الإقفال يهدف لتمكين الطاقم الطبي من التقاط أنفاسه، متهمًا بعض المستشفيات الخاصة بعدم المشاركة في معركة الحماية من كورونا، وكشف أن لبنان الذي يوجد فيه 127 مستشفى خاصا يستقبل أقل من 90 منها مرضى الوباء، وبعضها يقدم عددًا قليلا من الأسرّة لا يتجاوز سريرين أو ثلاثة، أمّا المستشفيات الحكومية البالغة 32 فتستقبل 17 منها مصابي كورونا، لأن البقية غير مجهزة لوجستيًا وثمة عمل على وضع خطة لتأهيلها، بحسب الحلو.

المستشفيات تجاوزت طاقتها الاستيعابية بسبب ارتفاع حالات الإصابة بكورونا (الجزيرة)

انهيار صحي
وواقع الحال، أن المستشفيات الخاصة تشكو من تداعيات الأزمة الاقتصادية على مستوى انهيار العملة الوطنية (تخطت تداولات الدولار الواحد 8700 ليرة) بعد سلسلة أزمات عصفت بالقطاع الصحي، بدءًا من هجرة الطواقم الطبية، إلى انفجار مرفأ بيروت، وصولًا إلى صعوبة استيراد المعدات الطبية المستنفدة بسبب القيود المصرفية، وتستمر هذه المستشفيات بالمطالبة بالحصول على مستحقات لها في ذمة الدولة منذ سنوات، في وقت تضغط عليها وزارة الصحة لفتح أقسام جديدة لمرضى كورونا، وسبق أن حذرت من خفض تصنيف كل مستشفى يتخلف عن استقبال مصابي الوباء.

وارتفع عدد أسرّة العناية الفائقة المخصصة لمرضى كورونا بالمستشفيات الخاصة لـ 600 سرير، إلى جانب 200 بالمستشفيات الحكومية، وفق ما أعلن أخيرًا حمد حسن وزير الصحة بحكومة تصريف الأعمال.

أحد شوارع بيروت قبل ساعات من الإغلاق العام (الجزيرة)

ويشير نقيب الأطباء شرف أبو شرف -للجزيرة نت- إلى أنه حتى لو رفعت المستشفيات عدد أسرتها، فستبقى تعاني من نقص حاد بالطاقم الطبي المخوّل لمعالجة مصابي الفيروس.

وبحسب أرقام أبو شرف فقد قضى 10 أطباء بالفيروس، ولا يزال 20 آخرون على أسرة العناية المركزة، ونحو 200 بالحجر المنزلي، ناهيك عن هجرة أكثر 600 طبيب و1500 ممرض الأشهر الأخيرة، وطالب النقيب السلطات برفع مدة الإقفال العام لـ 3 أسابيع، والإسراع بتجهيز المستشفيات الميدانية التي وصلت كهبة خارجية لتساند عمل المستشفيات المتهالكة.

ونتيجة حالة الهلع التي تعمّ البلاد، بدأ الحديث عن انقطاع أجهزة الأكسجين، وفي هذا الإطار تؤكد نقيب مستوردي المستلزمات الطبية سلمى عاصي للجزيرة نت أن شركات الاستيراد طلبت دفعة 500 جهازا ستبدأ بالوصول تباعًا نهاية الأسبوع الحالي، وأشارت إلى أن اختفاءها من الأسواق سببه الإقبال على تخزينها بكميات كبيرة بالمنازل، مما يهدد بعض مرضى كورونا الذين يحتاجونها.

أين اللقاح؟
وكانت لجنة الصحة النيابية أقرت أمس الأربعاء 13 يناير/كانون الثاني اقتراحا بقانون خاص بتنظيم استخدام المنتجات الطبية لمكافحة جائحة كورونا، بعد جلسات متتالية سبق أن عُقدت مع ممثلي شركة فايزر "كي يتسنى للبنان استيراد لقاحات كورونا واستعمالها كحالة طارئة، لرفع المسؤولية عنها عن الأعراض الجانبية غير المحسوبة، وحمايتها من أي إجراءات قانونية قد ترفع ضدها".

ويشير رئيس لجنة الصحة البرلمانية عاصم عراجي للجزيرة نت أن ثمة توجها لتفريغ المستشفيات الحكومية لمرضى كورونا حصرًا، مذكرًا أن أسرّة المستشفيات الحكومية لا تتجاوز 20% في حين تبلغ أسرة المستشفيات الخاصة 80%.

وقال النائب إن ثمة سعيًا لوصول جرعة لقاحات قبل منتصف فبراير/شباط المقبل، على أن تكون مصادرها متنوعة من شركات مختلفة، ومن المرتقب إقرار قانون يخص اللقاحات غدا الجمعة، في جلسة دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري، في وقت ينتظر اللبنانيون مفاعيل الإقفال العام تحت وطأة تحديات معيشية تواجه آلاف العاجزين عن تأمين قوتهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة