عون اتهم الحريري بالكذب والأخير يرد بـ"الإنجيل".. حكومة لبنان في مهب السجالات

يبدو أن مسار الاستقطاب بين القوى السياسية في لبنان جعل من التوافق أشبه بـ"المهمة المستحيلة"، وذلك بعد السجال الكبير الذي نتج أخيرًا عن بثّ وسائل إعلام لبنانية مقطع فيديو مسربا من اجتماع دار بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسن دياب.

الفيديو تضمن سؤالا لدياب وجّهه لعون عن آخر مستجدات تأليف حكومة سعد الحريري، فردّ عليه عون قائلا "ما في تأليف، بيقول عطاني ورقة.. بيكذب"، في حين ردّ الحريري بتغريدة على حسابه على تويتر اقتبس فيها من الكتاب المقدس- سفر الحكمة "إن الحكمة لاَ تَلِجُ النَفسَ الساعية بالمكر، ولا تحلّ في الجسد المسترق للخَطيَّة".

انعدام الثقة
هذا الفيديو أماط اللثام عما يراه مراقبون "حالة انعدام للثقة" بين الأطراف المتنازعة على تأليف الحكومة إثر دخولها نفقًا من التعثر بعد تكليف الحريري يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 2020، في حين أن خلافه ما زال محتدمًا مع عون، ومن خلفه رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، حول كيفية توزيع الحصص والحقائب الوزارية، الأمر الذي يدفع -بحسب سياسيين- بمساعي الاتفاق على صيغة حكومية موحدة بعد 14 لقاء بين عون والحريري نحو الفشل على المدى المنظور.

ومنذ مساء الاثنين 11 يناير/كانون الثاني الجاري، أشعل المقطع المسرب منصات التواصل الاجتماعي في لبنان، وتحديدا بين فريقي تيار المستقبل (برئاسة الحريري) والتيار الوطني الحر (برئاسة باسيل)، بينما عبّرت شريحة واسعة من اللبنانيين عن استيائها لما وصل إليه مستوى التخاطب بين الأطراف السياسية، في وقتٍ تسود فيه الفوضى وتتوالى عجلة الانهيار لمستويات خطيرة في قطاعات متعددة في البلاد.

وكان الحريري قد صرح يوم 9 ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد لقائه عون في القصر الجمهوري في بعبدا، بأنه "سلّم الرئيس عون تشكيلة حكومية كاملة من 18 وزيرا من أصحاب الاختصاص"، وأعلنت رئاسة الجهورية حينها أن الحريري قدّم لعون "تشكيلة حكومية كاملة، في المقابل سلم الرئيس عون الرئيس المكلف طرحا حكوميا متكاملا يتضمن توزيعا للحقائب على أساس مبادئ واضحة".

عون بعد باسيل..
وجاء الفيديو بعد يوم واحد من مؤتمر صحافي عقده جبران باسيل، شن فيه هجوما على الحريري قائلًا "لا نأتمن سعد الحريري لوحده على الإصلاح بل نحمّل نهجه السياسي مسؤولية السياسة الاقتصادية والمالية"، كما اتهمه بعدم الجديّة والتقلب في المواقف وأنه "يحاول تقليص عدد وزراء الحكومة للإطاحة بتمثيل كتل نيابية".

ودفعت هذه التطورات مراقبين لاعتبار أن اتهام عون للحريري بالكذب جاء متمما لاتهامات باسيل، وأنهما يسعيان للضغط بهدف دفع الحريري للتنحي عن مهمته.

هذا الربط، ينفيه أنطوان قسطنطين مستشار رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، متهما بعض وسائل الإعلام اللبنانية باجتزاء الفيديو المسرب عن عون "وتحوير سياقه لغايات في نفس يعقوب"، وفق تعبيره.

وربط مستشار باسيل في حديث للجزيرة نت انعدام الثقة في الحريري بعوامل عدة، أبرزها شكوك وعلامات استفهام حول سعيه للتفرد بتشكيل الحكومة وبرنامج عملها وتسمية وزرائها، بينما لا يثق فريق باسيل في قدرته على إدارة الأزمة اللبنانية، ويتهمه بالقفز فوق نتائج الانتخابات البرلمانية (2018)، مقابل تقديم نفسه مؤهلا وحيدا لتشكيل حكومة بغطاء المبادرة الفرنسية.

وقال قسطنطين "لدينا تجربة مؤلمة مع الحريري، لمّا رفض تشكيل حكومة تحترم التوازنات بعد استقالة حكومته إثر احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ومن ثم أجهض كل المحاولات لتشكيل حكومة دون أحد سواه".

ويُذكّر المستشار بسلسلة الأسماء التي سقطت واحدة تلو الأخرى وما أصاب حكومة دياب من عراقيل، والتجربة المريرة مع مصطفى أديب الذي كُلف بموجب المبادرة الفرنسية واضطر للاعتذار نتيجة مسعى مبطن لعودة الحريري رئيسا مكلفا، كما قال.

معركة التوريث
لكن نائب رئيس تيار المستقبل مصطفى علوش يرفض ما قاله قسطنطين، ويتهم باسيل بتدمير العلاقة بين الحريري وعون، معتبرا أن الأخير حوّل موقعه لناطق رسمي باسم باسيل "بسبب إطلاق عون معركة مبطنة لتوريث باسيل سدّة رئاسة الجمهورية".

ويُذكّر علوش أن رئيس الجمهورية ناقض نفسه بالفيديو المسرب لأنه في اللقاء الـ12 الذي جمعه مع الحريري يوم 9 ديسمبر/كانون الأول الماضي، قد سلمه تشكيلة حكومية من 18 وزيرًا، وكانت تتضمن طرحًا متكاملا يراعي الدستور والتوازن الطائفي، وعلى جدولها نحو 5 أسماء سبق أن اقترحها عون على الحريري، بحسب علوش، بينما عون ردّ عليه بطرح حكومي مضاد شكّل سابقة دستورية حينها.

ويضيف علوش للجزيرة نت أن الحريري يسعى لتشكيل حكومة إنقاذية، في حين أن عون وباسيل يسعيان لأخذها رهينة عبر المطالبة بالحصول على الثلث المعطّل لعرقلة أي ملف لا يصبّ في مصلحتهما.

واعتبر علوش أن مؤتمر باسيل الذي تلاه فيديو عون، أعاد العُقد لمربعها الأول، مشددا على عدم قبول الحريري بأي تنازل، واصفا مطالب عون- باسيل بـ"الانتحارية" على قاعدة إمساك الحريري من اليد التي تؤلمه.

وقال علوش إن أيّ حكومة تخضع لشروط باسيل لن تتشكل، وإن الحريري لن يعتذر إلا إذا أعلنت الكتل النيابية سحب تكلفيها له.

ويصف قسطنطين اتهام باسيل بخوض معركة الوصول للرئاسة بعد عامين (2023) بـ"التخيلات"، لأنه على خصومة مع معظم القوى السياسية، وما يربطه بحزب الله هو خيار إستراتيجي فقط ضدّ إسرائيل، وفق رأيه.

إقليميًا، يعتبر مصطفى علوش أن تصعيد فريق عون السياسي ضدّ الحريري يرتبط بانتظار وصول جو بايدن للبيت الأبيض يوم 20 من الشهر الجاري، وأنهم يعلقون آمالا على إدارته بأن تكون أقل عدائية تجاههم مقارنة مع إدارة دونالد ترامب التي فرضت العقوبات على باسيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

غير أنّ قسطنطين يعتبر أن تيار باسيل "سيادي حتى العظم"، وأن العقوبات الأميركية لم ترهبهم لأنها إجراء إداري إميركي محض وظالم لأبعاده السياسية.

وقال "موقفنا من الملف الحكومي داخلي ولا نبرمج ساعتنا على توقيت الخارج ولسنا معنيين بوصول بايدن ولا برحيل ترامب".

المبادرة الفرنسية
وفيما يُجمع مراقبون على أن لبنان صار مختبرًا للصراعات الإقليمية، يرى الكاتب والمحلل السياسي أمين قمورية أن الوضع اللبناني وصل لمستوى من البؤس السياسي بمنحى لا رجوع منه، واستبعد ولادة الحكومة، إذ تتساوى وفقه القوى السياسية بالخفّة في التعاطي اللا مسؤول مع الشعب اللبناني الذي يرزح تحت وطأة مجموعة أزمات غير مسبوقة تاريخيًا.

ويعتبر قمورية أن القوى السياسية في لبنان غير مستعدة لتقديم أي تنازل لبعضها، فمن جهة كان يشعر الحريري أن الضغط الأميركي والعقوبات التي تفرضها إدارة ترامب على خصومه ستساعده على تشكيل الحكومة، ومن جهة أخرى، فإن خصوم الحريري -عون وباسيل ومن خلفهما حزب الله- لا يريدون تقديم أي تنازل للحريري بانتظار المتغيرات الإقليمية، وتحديدا على مستوى العلاقة بين إيران وأميركا وحلفائهما.

ويرى المحلل السياسي أن ذهاب لبنان إلى الانهيار الحتمي يدفع القوى السياسية لعرقلة تشكيل الحكومة، باعتبار أن بقاء حكومة تصريف الأعمال برئاسة دياب أفضل لأنها لا تمثل شيئا، ولأن أي حكومة مقبلة ستكون أمام استحقاقات مصيرية كرفع الدعم وتحرير الليرة، وبالتالي ستكون أمام إجراءات غير شعبية قد تؤدي إلى انفجار الشارع.

وبرأي قمورية، فإن لبنان ليس على قائمة أولويات المحافل الدولية والعربية، لأنه خارجيا يُنظر إليه من زاوية حزب الله كأقوى ذراع لإيران في المنطقة، وبالتالي سينعكس عليه بمزيد من التأزم الداخلي والعزلة عن محيطه العربي والغربي، مما يعني استعصاء حصوله على أي مساعدة خارجية بعد أن بدأت تسقط تباعًا أوراق المبادرة الفرنسية.

المصدر : الجزيرة