بعد غياب استمر سنوات.. لماذا تحرك القاهرة الآن مفاوضات عملية السلام؟

السيسي (وسط) خلال استقبال وزراء خارجية الرباعية الدولية (مجموعة ميونخ) المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط (مواقع التواصل)
السيسي (وسط) خلال استقبال وزراء خارجية الرباعية الدولية (مجموعة ميونخ) المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط (مواقع التواصل)

بعد سنوات من الجمود في مفاوضات عملية السلام، وتراجع القضية الفلسطينية عربيا، وسط تسارع التطبيع الرسمي، بالتزامن مع انحياز واشنطن للجانب الإسرائيلي في عهد الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب؛ تعود مصر مجددا لطرح نفسها وسيطا في عملية السلام.

واستضافت القاهرة يوم الاثنين اجتماع وزراء خارجية كل من مصر وفرنسا وألمانيا والأردن؛ بهدف مواصلة التنسيق والتشاور بشأن سبل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط نحو سلام عادل وشامل ودائم، حسب ما جاء في بيان وزارة الخارجية المصرية.

هذا التفاعل المصري أثار العديد من التساؤلات حول توقيته ودلالاته من جهة، والقدرة على استعادته من جهة أخرى، بعد أن غابت عملية السلام عن طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية سنوات، وظلت فقط ضمن مفردات الخطابات السياسية في بعض المناسبات المحلية والعربية والدولية.

ووفق مراقبين، فإن القضية الفلسطينية خسرت الكثير من زخمها، ليس فقط بسبب انحياز ترامب للجانب الإسرائيلي، بل أيضا بسبب تراجع دور القاهرة ذات الثقل السياسي الأكبر في المنطقة، وأحد أهم أطراف مفاوضات عملية السلام تاريخيا.

ويأتي هذا التفاعل المصري بالتزامن مع انتهاء حقبة ترامب، التي شهدت نقل السفارة الأميركية للقدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل، ومنحت الضوء الأخضر للتوسع في عمليات الاستيطان، في حين حاصرت السلطة الفلسطينية ماديا وسياسيا، ودفعت في اتجاه إعلان الإمارات والبحرين والسودان والمغرب التطبيع مع إسرائيل، في مخالفة لمبادرة السلام العربية.

كما يأتي التفاعل المصري مع مجيء إدارة أميركية جديدة بقيادة الرئيس الديمقراطي المنتخب جو بايدن، ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة بين القاهرة وواشنطن، حيث تتوقع السلطات المصرية توتر العلاقة معها في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

جهود مصرية حثيثة

وحرصا منه على التواجد في الصورة، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وزراء خارجية الرباعية الدولية (مجموعة ميونخ)، مشيدا بالتنسيق الرباعي الذي يهدف إلى كسر الجمود الحالي في مفاوضات عملية السلام.

وفي بيان للرئاسة، أكد السيسي "أهمية التحرك في الوقت الراهن لإعادة طرح ملف عملية السلام على الساحة السياسية الدولية، مع مراعاة آخر التطورات السياسية على المستويين الدولي والإقليمي".

لكن الملفت في البيان أنه أكد دور مصر والأردن دون غيرهما، باعتبارهما الأكثر قربا للقضية، حيث قال البيان "وأخذا في الاعتبار عضوية المجموعة التي تضم الدولتين العربيتين الأقرب إلى القضية الفلسطينية إلى جانب كبرى دول الاتحاد الأوروبي".

وتجمدت مفاوضات السلام في الشرق الأوسط منذ فشلت جهود وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري طيلة عامي 2013 و2014.

3 دلالات

وحول دلالات عودة مصر لتصدر ملف عملية السلام، أكد السفير عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن هناك 3 دلالات: "الأولى أن إسرائيل تتجه لتصعيد الاستيطان، وأسقطت من حساباتها التسوية السياسية، والثانية أنها تتسق مع نوايا الرئيس الأميركي الجديد بايدن في هذا الملف، والثالثة حث الفلسطينيين على التوحد خلف هدف واحد وإنهاء الانقسامات الداخلية".

وبشأن توقيت هذا التحرك، أكد الأشعل -في تصريح للجزيرة نت- أن إدارة ترامب كانت تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية، وغير متحمسة لأي مفاوضات ثنائية قائمة على المرجعيات الدولية، إضافة إلى أن الظروف الإقليمية والدولية لم تكن تساعد على أي تحرك.

وشدد الأشعل على أن ابتعاد مصر عن الملف جعل القضية الفلسطينية تخسر الكثير؛ حيث فتح المجال أمام إسرائيل للانفراد بفلسطين، وفُقد الكثير من الوقت الذي تلعب عليه إسرائيل، لكن أي دور مصري مرهون بتوافق البيت الفلسطيني، وآن الآون لمصر أن تظهر على الساحة مجددا، لأن أمنها القومي مرتبط بأمن فلسطين.

وقبل أيام، قادت مصر وساطة من أجل عقد لقاء بين وزيري الخارجية الفلسطيني رياض المالكي ونظيره الإسرائيلي غابي أشكنازي، لكنه تأجل بسبب تداعيات جائحة فيروس كورونا والإغلاق في إسرائيل، وفق صحيفة معاريف الإسرائيلية.

وفي نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، استقبل السيسي الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قادما من الأردن بعد لقائه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، حيث ناقشا تطورات القضية الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط.

غياب الاضطرار لا الاختيار

في سياق متصل، أوضح الباحث في الشؤون الإسرائيلية بمركز رؤية للتنمية السياسية في إسطنبول صلاح الدين العواودة أن الرباعية تشكلت في فبراير/شباط الماضي خلال مؤتمر ميونخ للأمن كنوع من الموازنة العربية الأوروبية لسياسات ترامب، الذي انحاز لإسرائيل، ووفقا لمصادر إسرائيلية فإن مصر لم تكن موافقة على سياسات ترامب تجاه القضية الفلسطينية.

وحول غياب الدور المصري خلال السنوات الماضية وتأثيره على القضية الفلسطينية، أوضح العواودة أن مصر توقعت من ترامب الاستمرار في نهج سابقيه، بل ورحب السيسي في لقائه الأول مع ترامب بنواياه تجاه تحقيق صفقة القرن، لكن مع الوقت وجدت مصر نفسها محيّدة بسبب انحياز ترامب لإسرائيل، وصولا إلى انطلاق قطار التطبيع في الأشهر الأخيرة بعيدا عنها.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى العواودة أن الفرصة باتت مواتية للنظام المصري مع نهاية حقبة ترامب، حيث تسعى مجددا لاستعادة دورها، سواء على صعيد الحوار الفلسطيني الداخلي أو في عملية التسوية السياسية.

البحث عن دور جديد

من جهته؛ قال الكاتب والسياسي المصري المعارض محمد شريف كامل إن القضية الفلسطينية خسرت الكثير بتراجع الدور المصري؛ فمصر الآن ليست مصر الماضي، هذا التحول قديم وليس حديثا، حيث بدأ تحديدا بعد اتفاقية كامب ديفيد (معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979)، ثم أخذ الدور المصري في التراجع شيئا فشيئا.

وفي حديثه للجزيرة نت، قال المعارض المصري إنه عقب الانقلاب العسكري صيف 2013 (بقيادة وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي) تحول دور مصر إلى مراسل بين غزة والحكومة الإسرائيلية، وكذلك بين غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله، ولم يصبح لها أي دور أكثر من ذلك، خاصة مع تنامى دور الإمارات في كل ما يخص الملف الفلسطيني، تنسيقا مع السعودية أحيانا، وكل ذلك بالتنسيق الكامل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وصهر ترامب جاريد كوشنر شخصيا.

إن ما شاهدناه من محاولة إحياء مصر اجتماع الرباعي الدولي -حسب كامل- فليس إلا محاولة من النظام في مصر لإيجاد دور له على الخريطة الإقليمية والدولية، خاصة مع اقتراب تولي الإدارة الأميركية الجديدة، واحتمال أن تقوم بإعادة رسم خريطة العلاقات في المنطقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة