"ابقوا على العهد" رغم خذلان التطبيع.. انتفاضة الأقصى لا تزال حية في ذكراها الـ 20

نظمت القوى الفلسطينية تشكيلات موحدة للمقاومة خلال انتفاضة الأقصى (الجزيرة)
نظمت القوى الفلسطينية تشكيلات موحدة للمقاومة خلال انتفاضة الأقصى (الجزيرة)

"ابقوا على العهد" عبارة خطها المقاومان الفلسطينيان أمير ذوقان وعلام كعبي على أحد جدران المنزل الذي كانا يتحصنان بداخله في مدينة نابلس قبل 17 عاما حينما باغتتهما قوات إسرائيلية خاصة، فأصابتهما بجروح كادت ترديهما شهيدين واقتادتهما معتقلين إلى سجونها.

جنبا إلى جنب خاض "توأم" النضال الفلسطيني كعبي وذوقان معارك شرسة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولمع نجمهما خلالها انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث طوردا لأكثر من ٣ أعوام وأصيبا واعتقلا معا، وواجها التهم والحكم ذاته، ومعا أفرج عنهما ضمن صفقة وفاء الأحرار (صفقة شاليط) عام 2011 وأبعدا إلى غزة.

اشتعلت انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول عام 2000 بسبب زيارة رئيس وزراء الاحتلال أرييل شارون للمسجد الأقصى المبارك بحماية مئات الجنود الإسرائيليين، فوقعت مواجهات أدت لاستشهاد ٧ فلسطينيين وجرح المئات وجرح جنود إسرائيليين أيضا.

كان كعبي المنتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني وذوقان الناشط في حركة فتح حينها يكافحان سويا مع توسع رقعة المواجهة في الضفة الغربية والقدس وغزة، فهما أبناء مخيم بلاطة شرق نابلس، وخاضا انتفاضة الحجارة (الانتفاضة الأولى) أواخر الثمانينيات واعتقلا معا.

يستذكر كعبي وذوقان الآن وبعد ٢٠ سنة حالة الوحدة الوطنية التي سادت آنذاك والحاضنة الشعبية والالتفاف الجماهيري، الذي شكَّل أساس الدعم للمقاومة الفلسطينية، وجعل أحد قادة جيش الاحتلال حسب كعبي يصرح قائلا "إذا كانت الضفة الغربية هي أسد انتفاضة الأقصى الشرس، فنابلس قلب هذا الأسد".

بحرقة يسرد كعبي للجزيرة نت واقعا نضاليا ووحدويا كانوا يعيشونه خلال انتفاضة الأقصى ومطاردة الاحتلال لهم، ويقول "تقاسمنا كل شيء الطعام والشراب واللباس والمبيت وحتى السلاح" وهو ما جعل نابلس ملاذا ومأوى للمقاومين من بقية مدن الضفة الغربية.

الاستيطان بعد انتفاضة الأقصى تصاعد وبقوة في الضفة الغربية (الجزيرة)

الحضن الشعبي
يستذكر المناضل كعبي تلك الحاضنة الشعبية للمقاومة التي جعلت الفلسطينيين يمتلكون من الجرأة والإرادة ما يؤكد أنهم قادرون على صد الآلة العسكرية الإسرائيلية بكل وقت وحين، حتى وإن خذلتهم معاهدات سلام او اتفاقات، ويرى أن الشعب وإن ضعف في مرحلة، فلا يعني أنه استسلم.

ورغم ذلك يقر بأن "الوحدة" التي ميزت انتفاضة الأقصى تغيب الآن بسبب "الاحتلال والمتواطئين معه" ممن عملوا على إضعافها وزرعوا بذور الفتنة في المجتمع الفلسطيني.

يعي كعبي تصاعد حدة العنف والاستيطان الإسرائيلي الذي "بطأت" عجلته انتفاضة الأقصى، ويطرح خيار "المقاومة المسلحة" للجم إسرائيل ومشروعها الاستعماري، وللحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية وتحدي حالة "التطويع والهزيمة"، التي تسعى بعض الأطراف لزرعها في الجيل الشاب، في إشارة "لهرولة" دول عربية للتطبيع والانسياق وراء إسرائيل وتنفيذ أجنداتها.

يدرك كعبي وذوقان أن حق العودة والثوابت الفلسطينية لن تسقط بالتقادم رغم الخذلان العربي المتمثل بالتطبيع، ويقول "إن أكثر ما يزعج المطبعين هو إيذاء أسيادهم في أميركا وإسرائيل، وإن هذا يجب أن يصب في وحدة الفلسطينيين لإطلاق شرارة مقاومتهم".

مخيم بلاطة أحد نماذج المقاومة خلال انتفاضة الأقصى يئن من أزمات كثيرة لكنه بقي معلما للمقاومة (الجزيرة)

المأساة تولد الإحباط
ورغم ذلك لا يمكن إخفاء المعاناة التي يعيشها مخيم بلاطة كما بقية المدن الفلسطينية في الضفة الغربية بعد هذه السنوات، حيث يسود الحصار والاقتحام والاعتقال والحواجز العسكرية الإسرائيلية.

ومن منظور المتابع، يقول أحمد شامخ عضو لجنة الخدمات في مخيم بلاطة للجزيرة نت، إن المتغير الواضح بعد انتفاضة الأقصى هو حالة الإذلال والإحباط التي يعيشها اللاجئون وفقدانهم الثقة بالقيادة الفلسطينية ككل وبالعرب كقوة ضاغطة لتحقيق حلمهم بالحرية والعودة لأوطانهم.

وبلغة الأرقام يعاني مخيم بلاطة الأكثر تعدادا بين مخيمات الضفة الغربية (30 ألف لاجئ) من فقر تتعدى نسبته 50% وبطالة تقدر بـ30%، لكن الواقع أكثر "بؤسا" كما يصفه شامخ في ظل وجود أكثر من 1500 جريح خلال انتفاضة الأقصى، وأكثر من 220 شهيدا ومئات الأسرى.

وزاد الطين بلة تقليص وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لمساعداتها الإنسانية ماديا وعينيا، فأميركا قطعت 365 مليون دولارا هي التزاماتها للأونروا، وتهددت قطاعات التعليم والصحة بالتوقف عن عملها وأوقفت مشاريع المساعدات الطارئة.

وحولت الطرود العينية لحصص مالية وتقدر بـ١٠ دولارات للفرد الواحد، وتصرف كل ٣ أشهر لنحو 700 أسرة فقيرة في المخيم من نحو 8000 عائلة.

وهذا الواقع "الكارثي" حسب شامخ يسقط على مليون لاجئ يقطنون في الضفة الغربية، بينهم 270 ألفا في المخيمات، فضلا عن مساعي التهميش "السياسي" للمخيم أميركيا وإسرائيليا وإنهائه كرمز للجوء، ويضيف "يأتي التطبيع العربي لينسف كل التضحيات والدماء التي نزفت من أجل الفلسطينيين وقضيتهم العادلة".

حتى اليوم لم تسقط إسرائيل أيا من مشاهد الحصار الذي عاشه الفلسطينيون خلال انتفاضة الأقصى، فالحواجز والبوابات العسكرية تُطوِّق الضفة، والاقتحامات والاعتقالات لم تتوقف إضافة لتسارع الاستيطان وزيادة أعداد المستوطنين لنحو مليون مستوطن في أكثر من 250 مستوطنة وبؤر استيطانية.

يأمل الشارع الفلسطيني أن تشكل هرولة التطبيع المتسارعة إلى توحيد حقيقي للقوى الفلسطينية بمواجهة الاحتلال (الجزيرة)

إسرائيل ترضخ للمقاومة
يقول هاني المصري مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات) إن تصاعد الغطرسة الإسرائيلية وهرولة العرب نحو التطبيع، يوجب على الفلسطينيين الالتفاف والتوحد خلف برنامج نضالي واحد، رغم حالة "فقدان الثقة" المستشرية بينهم بفعل الانقسام والفساد وغيرها.

ويضيف أن إسرائيل اليوم لا تريد سلاما ولا مفاوضات حول شروط هذا السلام، وإنما تريد من الفلسطينيين الموافقة على الحل النهائي الذي تطرحه وحدها والتسليم به، وهو حل الطرف الواحد، وترفض فكرة أن الأرض فلسطينية ومتنازع عليها بل تعتبرها جزءا من "إسرائيل الكبرى".

وهي لا تبحث عن إدارة للصراع وإنما تضغط للقبول بما تفرضه على الأرض فلسطينيا وعربيا، ولهذا تدعو العرب للموافقة على "رؤية ترامب للسلام" وهذه أولى ثمار التطبيع.

ورغم تشرذم الفلسطينيين وانقسامهم واحتكامهم لنظرية "البقاء والانتظار" أو الوقوف متفرجين في إدارة الصراع مع إسرائيل، فإن المصري يبقي الرهان على الإرادة الفلسطينية الشعبية والرؤية الإستراتيجية الشاملة والجديدة وتوحد القيادة سبيلا للانتصار.

ويجمع المصري والمتحدثون على أنه دون تقوية الجبهة الداخلية الفلسطينية لن تأتي إسرائيل للتفاوض، وأن المطلوب هو الخروج من التكتيك إلى العمل الإستراتيجي عبر استغلال حالة الإجماع الوطني بين الفصائل الآن، ورفض القيادة الفلسطينية لرؤية أميركا للسلام رغم كل الضغوط لتشكيل نواة المقاومة للاحتلال ودعمها، أيا كان شكل هذه المقاومة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة