الجزائر وأزمة مالي.. ما الذي أغضب تبون وما أوراق الحل والضغط؟

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قال إن 90% من حل أزمة مالي في الجزائر (الأناضول)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قال إن 90% من حل أزمة مالي في الجزائر (الأناضول)

شكّل وصول وزير الخارجية الجزائري صبري بوقدوم إلى باماكو في 28 أغسطس/آب الماضي، أول زيارة من مسؤول أجنبي رفيع المستوى إلى مالي، عقب الانقلاب على الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا بـ 10 أيام، علما أنّ الجزائر سارعت في البداية إلى إدانة ما وصفته بالتغييرات غير الدستورية للحكم في مالي.

وقال الرئيس عبد المجيد تبون في آخر لقاء مع وسائل الإعلام الوطنية، إن بلاده "كانت على علم قبل 3 أشهر من الحدث، بأنّ هناك أمورا تحضّر في الخفاء بخصوص الأزمة المالية وأخرى في العلن".

ومعلوم أن الجزائر تربطها علاقات تاريخية عميقة بدولة مالي ومكوناتها منذ زمن ثورة التحرير الجزائرية، قبل أن تتعزز إثر نجاحها في توقيع اتفاق السلام سنة 1991، بين السلطة المركزية في باماكو والحركات الأزوادية المتمرّدة بالشمال، ثم "اتفاق السلم والمصالحة" عام 2015، وهي تقود حاليا لجنة متابعة دولية لتنفيذ بنوده.

خبراء: للجزائر موارد قومية وأوراق تؤهلها لحسم الوضع في مالي (الجزيرة)

شروط جزائرية
ولذلك يصرّ الرئيس تبّون على أن الحل في مالي لن يكون إلا وفق مقاربة الجزائر، مثلما تحدث مؤخرا للإعلام المحلي، مُعربًا عن انزعاجه الشديد من تحركات مجموعة دول غرب أفريقيا، حيث أكد بشأنها "لم يستشيرونا، وبدورنا لم ولن نستشيرهم في الملف المالي".

وذهب تبّون أبعد من ذلك برسمه شروطا جزائرية لانفراج الوضع، مشدّدا على ضرورة تقلد شخصية مدنية للسلطة، وتقليص الفترة الانتقالية إلى عام ونصف العام، مؤكدا أن "حل الأزمة في مالي لن يتم إلا بالاتفاق مع الجزائر".

وجاء لافتا إعلان المجلس العسكري الثلاثاء الماضي، عن تعيين العقيد المتقاعد وزير الدفاع السابق باه نداو رئيسا للدولة، بالتزامن مع ختام زيارة جديدة للوزير بوقدوم إلى مالي، قبل أن تعلن الجزائر سريعًا ترحيبها بتطور الوضع، مؤكدة متابعتها للمشهد عن كثب، وفق بيان وزارة الخارجية.

نبرة الرئيس تبّون الحازمة في تناول أزمة مالي والتطورات التي رافقت تحرك بلاده، تعكس برأي مراقبين مركزها القوي كفاعل إقليمي مؤثر، بينما يشكك آخرون في قدرتها الفاعلة على الوساطة الحاسمة لحلحلة الأزمة، بالنظر إلى معطيات عديدة، أهمها النفوذ الإقليمي لمجموعة غرب أفريقيا، وكذلك الثقل الفرنسي رفقة كتلة الساحل الأفريقي.

الرئيس عبد المجيد تبون يؤكد أن لا حل في مالي إلا بمقاربة وشروط الجزائر (الجزيرة)

طريق شاقّ
في هذا الصدد، يؤكد عامر مصباح، أستاذ الدراسات الإستراتيجية والأمنية بجامعة الجزائر، أن تدخل الجزائر للمساعدة في حل الأزمة المالية يندرج ضمن إستراتيجية كبرى نحو الجوار الإقليمي، تهدف إلى تلطيف النزاعات ودعم عمليات الاستقرار والأمن عبر مقاربات متعددة، أبرزها:

– المساعدة الأمنية.
-الربط الاقتصادي والتجاري عبر المعابر البرية والمشاريع المشتركة.
-الدبلوماسية النشطة، وعدم الغياب عن الأزمات أو المبادرات الإقليمية.

وأوضح في تصريح للجزيرة نت أن السياق العام المحيط بتطوير هذه الإستراتيجية يتضمن مجموعة من التطورات السياسية والأمنية، وفي مقدمتها التدخل العسكري والأمني المتزايد لفرنسا في منطقة الساحل، وبناء تحالف عسكري وأمني إقليمي أقصى الجزائر، وتصاعد نفوذ الجماعات الإرهابية، واستمرار هشاشة الاستقرار السياسي في مالي والنيجر.

وتابع أنه إلى جانب ذلك هناك أيضا نشاط الهجرة غير الشرعية عبر الصحراء، وتمدد نفوذ مجموعة غرب أفريقيا "إيكواس" الذي همّش دور الجزائر، وهي المواقف التي لم تخف الجزائر امتعاضها منها، خاصة الدور الفرنسي الذي تصاعد خلال مرحلة الحراك الشعبي، وفق تعبيره.

ويرى المتحدث أن أمام مثل هذه الإستراتيجية -عمليا- طريقا طويلا، حتى تصل إلى مرحلة النضج وتحقيق الدور الإقليمي النشط لإحداث الفرق الإستراتيجي في الشؤون الإقليمية، وبناء نوع من الترتيبات المتفاعلة حول محور الجزائر.

وقال إنّ حكومات بوتفليقة حاولت سابقا القيام بهذا الدور، من خلال فكرة تأسيس قيادة العمليات المشتركة بين الجزائر ومالي، وموريتانيا، والنيجر في أبريل/نيسان 2010، ومقرها في تمنراست جنوب الجزائر، لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.

وأضاف أنه تم إنشاء ناد أمني إقليمي تحت اسم "دول الميدان" لمواجهة نفوذ "إيكواس" عام 2013، لكن مرض الرئيس آنذاك حال دون التمكن من التأثير في مسار الأحداث، مع تصاعد الخلافات مع حكومة نيكولا ساركوزي ثم إيمانويل ماكرون.

محادثات سابقة بين وفد من إيكواس بقيادة رئيس نيجيريا السابق غودلاك جوناثان مع انقلابيي مالي (الأناضول)

حروب صامتة
من جهة ثانية، قال نسيم بلهول، عضو "المجلس الأكاديمي الأوروبي ودول الجوار" إنّ دول غرب أفريقيا رفضت سابقًا انضمام الجزائر لمخاوف ترتبط بنقل ملف الصحراء الغربية، ما يعني بالنسبة إليها نقل عدوى تعطيل الاتحاد المغاربي.

لكنه يرى أن ذلك سبب ضعيف أمام "حقيقة الاختراق الصهيوني للمجموعة، ولي ذراعها تجاه أيّ موقف دبلو-أمني جزائري يرتبط بأي نقطة تسجّل الجزائر حضورا مسبقا فيها".

ويفسر ذلك، بحسب بلهول، عملية استدارة الظهر عن كل طرف يحاول التنمر على أي حركة تقوم بها الجزائر، أو دينامية إستراتيجية تحاول من خلالها كسر عقدتها كعملاق مكبل إقليميا، وتمسكها بقدسية القضية الفلسطينية نكاية بالدور الإسرائيلي الذي لا ينفك ملازما لكل المناورات ضد العودة الجزائرية القارية، من خلال مخالب وسواعد أفريقية، على حد تعبيره.

واعتبر بلهول في تصريح للجزيرة نت أنّ للجزائر موارد قومية وأوراقا تؤهلها للظفر بأهم المباريات الإستراتيجية في القارة -مالي أساسا- بواسطة حروبها الصامتة وتموضعها الذكي لاختراق مخابرات أفريقيا، على الرغم من الحضور الإيراني والتركي، وقبلهما الفرنسي والإسرائيلي.

هذا، إلى جانب الخبرة الدبلوماسية والأمنية واختراقها الناعم للطبوغرافيا البشرية الحدودية، وامتلاكها لمقدرات مهمة في حروب الظل، وطبيعة علاقاتها مع المرجعيات الدينية والقبلية في المنطقة، ما من شأنه أن يثبت من مقاربة القلعة المتحررة، وفق توصيف بلهول.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قال قادة المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا بقمة استثنائية اليوم إنه لا بد من عودة المدنيين للسلطة في مالي بعد الانقلاب العسكري الذي حدث قبل 10 أيام، في حين أفرج قادة الانقلاب أمس عن الرئيس المطاح به.

أصدر قادة اللجنة العسكرية التي استولت على الحكم في مالي قانونا أساسيا للحكم تم بموجبه تعيين زعيم الانقلابيين رئيسا للبلاد، في حين دعت إيكواس إلى بدء مرحلة انتقالية تعيد البلاد إلى الحكم المدني.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة