اشتباكات قره باغ.. لماذا تدعم تركيا أذربيجان في صراعها مع أرمينيا؟

تركيا وأذربيجان تربطهما مصالح إستراتيجية إلى جانب الروابط التاريخية والعرقية الراسخة بينهما (أسوشيتد برس)
تركيا وأذربيجان تربطهما مصالح إستراتيجية إلى جانب الروابط التاريخية والعرقية الراسخة بينهما (أسوشيتد برس)

"شعب واحد في بلدين" شعار ترفعه تركيا بكل مكوناتها الحزبية والفكرية والشعبية للتعبير عن العلاقة المتينة التي تربطها بدولة أذربيجان، وهو ما تجسد بعد اندلاع اشتباكات عسكرية عنيفة اليوم في إقليم ناغورني قره باغ المتنازع عليه بين أذربيجان وأرمينيا، حيث سقط قتلى وجرحى من الجانبين.

وقد وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتقادات للجانب الأرميني، وقال إن أرمينيا هي أكبر تهديد للسلام والاستقرار في المنطقة.

وفي السياق نفسه، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن موقف أرمينيا "العدواني" يمثل أكبر عقبة أمام السلام والاستقرار في منطقة القوقاز، وإن عليها التراجع عما وصفه بالعدوان، مضيفا بأن تركيا تدين الهجوم الأرميني وستقف إلى جانب الأذريين في الدفاع عن وحدة أراضيهم.

ويتصدر وسم (Azerbaycan) الترند التركي على موقع تويتر اليوم الأحد، بعد أن عبّر مئات آلاف الأتراك على مواقع التواصل الاجتماعي عن وقوفهم إلى جانب أذربيجان.

وفي وقت سابق، أصدرت 4 كتل برلمانية كبرى في البرلمان التركي، هي أحزاب "العدالة والتنمية"، و"الشعب الجمهوري"، و"الحركة القومية" و"الخير"، بيانا مشتركا أدانت فيه "اعتداء أرمينيا المستمر على أراضي أذربيجان".

مدرعة تابعة للجيش الأذري خلال مناورات عسكرية سابقة (رويترز)

علاقات وطيدة
وبين تركيا وأذربيجان مجلس للتعاون الإستراتيجي رفيع المستوى، يعكس عمق العلاقات وحجمها على كل الصعد، بما فيها العسكري والاقتصادي.

وعادة تستقبل أنقرة الجرحى الأذريين الذين يصابون في الاشتباكات مع القوات الأرمينية بشكل مستمر. وتستخدم وسائل الإعلام الرسمية التركية تعبير "شهيد" عند الحديث عن قتلى القوات الأذربيجانية برصاص القوات الأرمينية.

ويعيش في أذربيجان غالبية مسلمة مع وجود تركي مكثف، فيما تعد أرمينيا دولة ذات غالبية مسيحية يسكنها أرمن بشكل أساسي.

وتمد أذربيجان تركيا بالنفط وكميات متزايدة من الغاز من حقل "شاه دينيز" في بحر قزوين، وهي مستثمر كبير في تركيا الحديثة، كما يوجد مشاريع تركية عملاقة في أذربيجان معرضة للاستهداف، بينها خط السكك الحديدية "باكو-تيفليس-قارص"، وخط نقل الطاقة "باكو-جيهان".

طائرات "إف-16" التركية ضمن مناورات في أذربيجان (وزارة الدفاع الأذرية)

إجماع تركي
في غضون ذلك، يؤكد الكاتب الصحفي التركي إسماعيل كايا للجزيرة نت، أن قضية أذربيجان تحظى في نزاعها الحدودي مع أرمينيا بإجماع منقطع النظير من قبل كافة الأحزاب التركية بجميع توجهاتها السياسية والفكرية، نظرا للارتباطات القومية والعرقية والتاريخية بين البلدين.

ويعتبر كايا الإجماع الحزبي بمثابة انعكاس طبيعي لحالة الإجماع الشعبي في بلاده على ضرورة الوقوف إلى جانب أذربيجان، حتى لو كلّف ذلك الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وربما حرب واسعة مع أرمينيا، على الرغم مما يحمله ذلك من مخاطر الاشتباك مع روسيا التي تعتبر أكبر داعمي أرمينيا.

ويقول الكاتب الصحفي التركي "هو مشهد يعكس حالة الإجماع الداخلية، على عكس الانقسامات الموجودة حول أولوية التدخل العسكري التركي في سوريا وليبيا وغيرها من المناطق".

ويضيف "لا يُعرف إن كانت القوات والمعدات العسكرية التركية الكبيرة التي شاركت في المناورات العسكرية بين القوات المسلحة التركية والأذربيجانية قبل شهر قد عادت إلى تركيا، أم أن الهدف من المناورات كان إبقاء القوات هناك للاستعداد لأي مواجهة مقبلة".

وإلى جانب الروابط التاريخية والوطنية والعرقية الراسخة بين البلدين، فإن تركيا وأذربيجان تربطهما مصالح إستراتيجية كبيرة تتعلق بخطوط نقل الغاز، ومكانة أذربيجان في سوق الطاقة ومخاطر أي مواجهة على إمدادات تركيا من الطاقة القادمة من أذربيجان، وحاجة الأخيرة الملحّة لتركيا كممر مهم للعالم الخارجي، بالإضافة إلى المصالح المرتبطة بكون أذربيجان ممرا مهما لتركيا لنفوذها القديم في القوقاز ووسط آسيا، وفقا لقول كايا.

ويزيد بالتوضيح "لتجنب صدام أكبر وأخطر مع قوى كبرى بالمنطقة، تدفع تركيا من خلال الطرق الدبلوماسية وعبر الضغط على روسيا وإيران لوقف الهجمات الأرمينية، والضغط على أرمينيا من خلال التأكيد على دعم أذربيجان بالسلاح والمناورات العسكرية لتشكيل قوة ردع تمنع الانزلاق لمواجهة عسكرية أوسع، ولكن في حال فشل ذلك فإن التدخل العسكري المباشر سيكون خيارا حتميا للجيش التركي".

صراع قديم
وتتهم أذربيجان جارتها أرمينيا باحتلال نحو 20% من الأراضي الأذرية منذ عام 1992، والتي تضم إقليم "قره باغ" الذي يتكون من 5 محافظات، و5 محافظات أخرى غربي البلاد، إضافة إلى أجزاء واسعة من محافظتي "آغدام"، و"فضولي".

ويقع إقليم "ناغورني قره باغ"، وهو جيب جبلي داخل أذربيجان، تحت إدارة سكان منحدرين من أصل أرميني، أعلنوا استقلاله خلال صراع بدأ مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وعلى الرغم من اتفاق لوقف إطلاق النار جرى إبرامه عام 1994، فإن أذربيجان وأرمينيا لا تزالان تتبادلان الاتهامات بشن هجمات حول الإقليم الانفصالي وعلى الحدود بينهما.

ويعود الخلاف بين أذربيجان ومن خلفها تركيا، وأرمينيا ومن خلفها دول غربية، إلى أكثر من 100 عام، أي إلى أحداث عام 1915، عندما تعاون القوميون الأرمن مع القوات الروسية بغية إنشاء دولة أرمنية مستقلة في منطقة الأناضول، وحاربوا الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى عام 1914.

وعندما احتل الجيش الروسي شرقي الأناضول لقي دعما كبيرا من المتطوعين الأرمن، كما انشق بعض الأرمن الذين كانوا يخدمون في صفوف القوات العثمانية وانضموا إلى الجيش الروسي، وفقا للرواية التركية.

وحسب وكالة الأناضول، فإنه مع استمرار هجمات الأرمن قررت الحكومة في 24 أبريل/نيسان من عام 1915، إغلاق ما يعرف باللجان الثورية الأرمنية، واعتقال ونفي بعض الشخصيات الأرمنية البارزة، ومنذ ذلك التاريخ يتهم الجانب الأرمني الأتراك بارتكاب إبادة جماعية ضد الأرمن في تلك الفترة.

وفي المقابل، دعت تركيا مرارا إلى تشكيل لجنة من المؤرخين الأتراك والأرمن، لتقوم بدراسة الأرشيف المتعلق بأحداث 1915، الموجود لدى تركيا وأرمينيا والدول الأخرى ذات العلاقة بالأحداث، لتعرض نتائجها بشكل حيادي على الرأي العام العالمي، أو على أي مرجع معترف به من قبل الطرفين، إلا أن الاقتراح قوبل برفض من أرمينيا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لاحت نذر الحرب بين أذربيجان وأرمينيا اليوم مع اندلاع جولة عنيفة من التصعيد العسكري في إقليم ناغورني قره باغ المتنازع عليه، حيث سقط قتلى وجرحى من الجانبين، وأعلن الانفصاليون الأرمن التعبئة العامة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة