المبادرة الفرنسية في مرحلة حرجة.. ماذا تنتظر قوى لبنان بعد اعتذار أديب عن تشكيل الحكومة؟

تتسارع الأحداث في لبنان بعد أن قدم رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب برقية اعتذاره عن تشكيل الحكومة، لرئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون.

أولى التداعيات الميدانية لهذا الاعتذار، كان بالتحليق المفاجئ لسعر صرف الدولار من نحو 7500 ليرة كاسرا سقف 8 آلاف ليرة لبنانية.

سياسيا، ينذر اعتذار أديب بتداعي المبادرة الفرنسية التي تبنت تكليفه، وفي حين بدأت تتقاذف القوى المتخاصمة مسؤولية تعثر تشكيل الحكومة، كان لافتا حرص معظمهم على تأكيد استمرار مفعول مبادرة فرنسا والعمل وفق أجندتها.

لذا، سارع الرئيس عون إلى اعتبار أن "المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي لا تزال مستمرة"، كذلك أكد رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري أن "المبادرة الفرنسية لم تسقط، بل سقط النهج الذي يقود لبنان إلى الخراب".

وفي وقت يميل خصوم الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) إلى اتهامه بعرقلة عملية تشكيل الحكومة، صدر عن رئيس مجلس النواب نبيه بري بيان جاء فيه "ألا أحد متمسك بالمبادرة الفرنسية بقدر تمسكنا بها ولكن هناك من أغرقها فيما يخالف كل الأصول المتبعة".

أما حليف الثنائي الشيعي رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، فشدد على ضرورة إنعاش المبادرة الفرنسية "برئيس وفاقي بالبلد لأن أي رئيس طرف لن يسير بلبنان إلى الأفضل".

فمن أجهض حكومة مصطفى أديب قبل ولادتها؟

يعتبر الباحث اللبناني في الشأن السياسي وسيم بزي (مقرب من الثنائي الشيعي)، أن هذا الاعتذار لم يكن مفاجئا، وإنما كان طبيعيا "بعد خرق أديب لكل المسلمات الدستورية وسيطرة الحريري عليه". ويرى بزي -في تصريح للجزيرة نت- أن خروج أديب من الملعب الحكومي يبدو ضربة لفرنسا لكن لا يعني سقوط مبادرتها.

ويتهم بزي الحريري أنه كان يعمل سرا على إفشال أديب، "طمعا منه بتعويم نفسه للرجوع إلى السلطة، في وقت تحول ظروفه الداخلية والخارجية دون ذلك"، وقال إن أديب ينطبق عليه المثل القائل "ضُربتُ من بيت أبي".

لكن عضو المكتب السياسي لتيار المستقبل مصطفى علوش يرفض هذا الاتهام، ويؤكد أن الحريري كان يعمل جاهدا على إنجاح المبادرة الفرنسية بأي ثمن.

وقال علوش -للجريزة نت- إن اعتذار أديب تأخر 10 أيام بعد انتهاء المهلة الأولى للمبادرة الفرنسية، ويحمّل كلا من الثنائي الشيعي والرئيس عون مع فريقه السياسي مسؤولية إفشال أديب، بعد أن وضعوا في وجهه عقدة حقيبة المالية والوزراء الشيعة، ثم مهدوا لعقدة الوزراء المسيحيين تحت شعار "الحق الدستوري للمشاركة في التشكيل"، على حد قول علوش.

في المقابل، يؤكد بزي أن "كل ما طالب به حزب الله وحركة أمل كان حقا مكتسبا تراكميا على مدار 3 عقود، ولن يساوموا على مكتسباتهم في ظل نظام طائفي يحكم لبنان".

وبعد التجربة مع أديب، يرى بزي أن الثنائي الشيعي سيصبح أكثر تشددا بمطالبه، ويتهم أيضا الولايات المتحدة الأميركية بضرب تكليف أديب، ولا سيما في توقيت سياسي لما وصفه بـ "إلقاء قنبلة العقوبات" على كل من الوزيرين السابقين يوسف فنيانيوس وعلي حسن خليل.

أما عن اتهام رؤساء الحكومات السابقين بالسيطرة على أديب في أداء مهمته، يؤكد السياسي اللبناني خلدون الشريف أن كلا منهم كان يساهم من موقعه في تسهيل عملية تشكيل الحكومة دعما للمبادرة للفرنسية.

ومن الضروري -وفق الشريف- العودة إلى أصل تكليف أديب، الذي كان يقوم على تشكيل حكومة مهمة من اختصاصيين غير حزبيين تتولى نقل لبنان إلى ضفة الإصلاحات الموعودة.

ويشير الشريف -للجزيرة نت- أن اعتذار أديب كشف فشل المبادرة الفرنسية بمهمة تأليف حكومة من الاختصاصيين، بخضوعها لابتزازات بعض القوى السياسية التي طالبت بتمثيلها في الحكومة.

من جهته، يتوقع بزي إعادة تفعيل عمل حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب، قبل الذهاب إلى الخطوات الدستورية في تكليف رئيس جديد لتشكيل الحكومة، "لا سيما بعد أن تبين عدم امتلاك فرنسا للخبرة الكافية في إدراك حقائق السياسة اللبنانية وتعقيداتها التاريخية".

الرئيس عون قال إن المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي لا تزال مستمرة (رويترز)

عوامل خارجية عرقلت المبادرة الفرنسية

لا يتوقع الشريف التوافق على تشكيل حكومة في القريب العاجل، ويرجح أن فرنسا كانت على علم باعتذار أديب مسبقا، و"بالتالي لن تتخلى بسهولة عن لبنان بسبب الفشل في تشكيل حكومة، بانتظار ما سيترتب على نتائج الانتخابات الأميركية".

من جهته، يذهب أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية رئيف خوري إلى إيران لشرح مسار عرقلة تأليف حكومة أديب، باعتبار أن الصراع الإقليمي هو المؤثر الأول على الواقع اللبناني.

ويشير -في تصريح للجزيرة نت- أن تسهيل تكليف أديب، تزامن مع جو سياسي مختلف إقليميا ودوليا، و"كانت إيران حينها بحاجة لتمرير التصويت في مجلس الأمن حول انتهاء العقوبات واستيراد وتصدير الأسلحة، فسهّلت عبر حزب الله تكليف أديب في بيروت قبل العودة إلى العرقلة".

ويعتبر خوري أن كل المحاولات التي أبداها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لبنان، أثبتت أن نفوذ إيران في بيروت لا يمكن الاستهانة به، فـ "استطاعت أن تعرقل تشكيل الحكومة بوضع عقبة الوزراء الشيعة"، ويذكّر بآخر تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، التي أشار فيها إلى أن الملف اللبناني لا يندرج ضمن أولويات إيران حاليا، ما يعني وفق الخوري عدم ضغط إيران على حزب الله لتسهيل مسار المبادرة الفرنسية.

ويرى خوري أن فرنسا أمام خيارين، إما تجديد مبادرتها بالتفتيش عن رئيس للتكليف مجددا، وإما أن تلجأ لوضع حزب الله على لائحة العقوبات بشقيه السياسي والعسكري، مرجحا ذهابها إلى الاحتمال الأول.

وقال "إن ماكرون قد يحاول منع انهيار لبنان بالكامل، لأنه سينعكس عليه في الداخل الفرنسي". ولأن حزب الله يلعب على نقطة الضعف الفرنسية -وفق خوري- فهو سيستمر بوضع شروط مضادة بوجه فرنسا التي لا ترغب بسقوط ورقة لبنان من يدها.

المبادرة الفرنسية التي قدمها ماكرون (وسط) ما زالت تتمسك بها القوى اللبنانية (رويترز)

ترقب العقوبات

في هذا الوقت، يترقب خوري تفعيل أميركا لعقوباتها تماشيا مع المطالب الإسرائيلية في شأن ترسيم الحدود مع لبنان، ويتوقع أن تتوسع دائرتها بعد تعثر المبادرة الفرنسية ضمن 3 مستويات، كل ما يتعلق بحزب الله من قياديين ومستثمرين وشركات، وكل من يحاول فك الحصار المالي عن حزب الله، وكل الحلفاء السياسيين وفي طليعتهم الحلفاء المسيحيون.

في المقابل، يرى وسيم بزي أن ماكرون يريد إثبات لبنان منصة حضور لمشروع أكبر له في المتوسط، في ظل الصراع الكبير على الثروات، والمواجهة بين فرنسا وتركيا.

وانطلاقا من براغماتية فرنسا، يتوقع بزي أن يتعاطى ماكرون مع اعتذار أديب سريعا بالاستفادة من الأخطاء التي ارتكبت بتكليفه، بينما يخشى مصطفى علوش من الذهاب إلى تشكيل حكومة مواجهة سياسية يديرها حزب الله، وأن يستسلم الفرنسيون لذلك، وعندها "فليشكلوا الحكومة وحدهم ويتحملوا تداعيات ذلك" كما يقول علوش.

وقد ذكرت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس ماكرون سيعقد مؤتمرا صحفيا غدا الأحد يتناول الوضع السياسي في لبنان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قال رئيس الوزراء اللبناني المكلف، مصطفى أديب، إن على جميع الأطراف التعاون؛ لتسهيل تشكيل حكومة جديدة، وحث الجميع على العمل كي تنجح المبادرة الفرنسية على الفور، بينما صدرت مواقف متباينة من الطوائف.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة