تونس.. "وزراء بن علي" يعمقون الصراع بين الرئيس ورئيس الحكومة

فصول الخلاف بين سعيد (يمين) والمشيشي تعمقت مع أزمة تعيين وزراء من نظام بن علي (مواقع التواصل)
فصول الخلاف بين سعيد (يمين) والمشيشي تعمقت مع أزمة تعيين وزراء من نظام بن علي (مواقع التواصل)

تتواصل فصول الخلاف بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي، لتلقي بظلالها على العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية، وتعمق، بحسب مراقبين، الأزمة السياسية التي ترزح تحتها البلاد.

وأثار قرار رئيس الحكومة، تعيين وزراء ومسؤولين سابقين للرئيس المخلوع بن علي مستشارين سياسيين واقتصاديين، موجة جدل وصل مداها لقصر الرئاسة بقرطاج، حيث أعلن سعيد خلال لقاء جمعه بالمشيشي رفضه القطعي لهذه التعيينات.

ومن بين الأسماء التي أثارت لغطا وزير المالية السابق توفيق بكار ومستشار بن علي السابق المنجي صفرة، اللذان تلاحقهما قضايا فساد واستغلال نفوذ، فضلا عن تحميلهم مسؤولية السياسات الاقتصادية الفاشلة قبل الثورة.

وبلهجة أقرب للتوبيخ، قال رئيس الجمهورية خلال لقائه بالمشيشي إنه لا مجال لتعيين هؤلاء الأشخاص "الذين أجرموا في حق الشعب التونسي وما تزال قضاياهم أمام أنظار المحاكم"، ولفت إلى أن الشعب ثار على تلك المنظومة القديمة وضحى بدمائه من أجل إزاحتها.

ودعا سعيد المشيشي صراحة إلى مراجعة تلك التعيينات، مؤكدا أن التونسيين الذين أخرجوا رجال بن علي من الحكم لن يسمحوا بعودتهم في أي موقع من مواقع الدولة، كما توعد بمحاسبتهم.

 

 

حرب باردة
ويرى مراقبون أن الخلافات بين سعيد والمشيشي حول وزراء بن علي ليست سوى مواصلة لحرب باردة بين القصبة -مقر رئاسة الحكومة- وقرطاج، انطلقت شرارتها بعد أن رفع رئيس الجمهورية الدعم عن المشيشي، وطالب، بحسب قيادات حزبية، بإسقاط حكومته في البرلمان.

وتعمقت فصول الخلاف مع أزمة تعيين الوزراء، حيث وجهت اتهامات لرئيس الجمهورية بتجاوز صلاحياته الدستورية، وفرض مجموعة من الوزراء المحسوبين عليه في حكومة المشيشي رغم تحفظ الأخير ورفضه بعضا منهم.

وكانت قيادات سياسية ووسائل إعلام محلية قد أكدت سابقا أن علاقة الجفاء والقطيعة بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية بلغت مستويات لم تعرفها الدولة، حيث غابت اللقاءات الدورية بين رأسي السلطة التنفيذية لأكثر من أسبوع.

تأمين حزام برلماني
ويسعى المشيشي، بحسب كثيرين، لتأمين بقائه على رأس الحكومة، من خلال حزام سياسي وبرلماني يتزعمه الخصم اللدود للرئيس سعيد حزب "قلب تونس" ورئيسه نبيل القروي برفقة "ائتلاف الكرامة" وحركة النهضة، فضلا عن محاولات لاستمالة "الدستوري الحر" بتعيين أحد أبرز مستشاريه الاقتصاديين الحاليين توفيق بكار وباقي رجال المخلوع.

وكان حزب قلب تونس قد دعا في بيان رسمي الأربعاء "للوقوف مع الحكومة ومساندتها، ونبذ كلّ أشكال التفرقة والانقسامات"، كما ثمن بشكل علني تعيينات وزراء ومستشاري بن علي ممن وصفهم بالكفاءات العالية.

وفجر موقف رئيس الجمهورية الرافض لتعيينات المشيشي جدلا داخل الأحزاب السياسية بين مرحب ومعارض، حيث انتقد القيادي في ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي رئيس الجمهورية، داعيا إياه في تدوينة مطولة إلى احترام الصلاحيات الدستورية وهيبة الدولة.

وجدد الناطق الرسمي باسم حزب قلب تونس محمد الصادق جبنون، دعوة حزبه لضرورة خلق نوع من التوازن والانسجام بين رئاسة الحكومة والجمهورية، بعيدا عن منطق الغلبة وتسجيل النقاط السياسية بهدف تحقيق الاستقرار السياسي.

ودعا في حديثه للجزيرة نت جميع الأطراف السياسية للانخراط في مصالحة سياسية شاملة بعيدا عن منطق التشفي والانتقام، داعيا رئيس الجمهورية إلى أن يكون شخصية جامعة لا مفرقة.

وعبر القيادي في حركة النهضة محمد القوماني في حديثه للجزيرة نت عن خشيته من الطريقة التي يتعامل بها رئيس الجمهورية سواء مع رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان، والتي تكرس، على حد قوله، منطق الهيمنة وتقزيم باقي مؤسسات الدولة السيادية.

وأشار إلى أنه قد يتفهم رفض رئيس الجمهورية لتعيين مستشارين من المنظومة السابقة تطاردهم ملفات قضائية؛ لكن بعيدا عن "سياسة التقريع التي يتعمدها خلال لقائه مع أي شخصية سياسية في البلاد دون سماع وجهة نظر الطرف المقابل".

صلاحيات دستورية
في المقابل، ثمنت قيادات حزبية أخرى موقف رئيس الجمهورية الرافض لهذه التعيينات، وقال النائب عن حركة الشعب بدر الدين القمودي للجزيرة نت إن ما فعله سعيد هو عين الصواب وفي صميم صلاحياته الدستورية بعيدا عن منطق الصراع والغلبة.

وشدد على أن الرئيس -باعتباره المسؤول الأول عن الأمن القومي- تدخل من باب تعديل البوصلة، وتجنب مخاطر الانزلاق نحو تعيينات مشبوهة لشخصيات تطاردها قضايا فساد.

واتهم القمودي بعض الأحزاب وفي مقدمتها قلب تونس بمحاولة ممارسة "الابتزاز السياسي" ضد رئيس الحكومة وفرض نوع من الضغوطات عليه لتعيين شخصيات بعينها مقابل تأمين حزام برلماني يدعم حكومته.

واعتبر القيادي في التيار الديمقراطي محمد العربي الجلاصي أن موقف رئيس الجمهورية الرافض لتعيين وزراء بن علي ينسجم مع موقف سابق أعلنه حزبه بسبب الأحكام القضائية، التي تطارد هذه الشخصيات مع احترام قرينة البراءة.

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن العلاقة المتوترة والاختلافات الجذرية بين سعيد والمشيشي ليست جديدة؛ بل تعود لأشهر في أعقاب أزمة تشكيل الحكومة واختلاف وجهات النظر حول الوزراء.

وأكد الجلاصي أن رئيس الجمهورية من حقه إبداء موقفه من قضايا تهم الشأن العام؛ لكنه تحفظ بالمقابل على الطريقة التي ظهر بها أمام المشيسي، والتي كانت أشبه بـ"التوبيخ والتقريع".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في خطاب أشبه بإعلان حرب فتح الرئيس التونسي قيس سعيد النار على أحزاب وشخصيات سياسية لم يسمها، متهما إياها بالخيانة وحياكة المؤامرات والارتماء في "أحضان الصهيونية والاستعمار"، متوعدا بكشفها ومحاسبتها.

كلف الرئيس التونسي قيس سعيد وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال هشام المشيشي بتشكيل حكومة جديدة، ويعد المشيشي شخصية مستقلة، وسبق له أن تقلد منصب المستشار القانوني لدى الرئيس التونسي قيس سعيد.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة