عام على الاحتجاجات.. ما الذي تغير في العراق؟

حشود المتظاهرين في الناصرية أثناء احتجاجات سابقة (الجزيرة)
حشود المتظاهرين في الناصرية أثناء احتجاجات سابقة (الجزيرة)

تقترب الاحتجاجات الشعبية في العراق من الذكرى السنوية الأولى لانطلاقها، مع استمرار خروج المتظاهرين إلى الساحات حتى الآن، في حين لا تزال المطالب والشعارات مستمرة، في ظل أسئلة يتداولها الناس بشأن الاحتجاج الذي لم يحقق بعد أي أشياء ملموسة.

وإزاء ما حدث في البلاد بعد الاحتجاجات التي انطلقت في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2019، وما رافقتها من أحداث عنف قاسية، راح ضحيتها مئات القتلى وآلاف الجرحى في مصادمات لم يشهد لها مثيل، فإن ملامح الأحداث والتغيير المنشود لا تزال غير واضحة حتى الآن.

الاحتجاجات خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى (الجزيرة)

الاحتجاج مستمر

لم يكن الحراك الاحتجاجي ردة فعل لحدث يتعلق بالخدمات كما يقال عنه دائما في كل صيف قائض، بل هو امتعاض وغضب ينمو منذ سنين، يخرج كل فترة مطالبا بالخدمات لكن في حقيقته هو رغبة كاملة في تغيير الوضع السياسي وسوء إدارة الدولة من قبل أحزاب السلطة، كما يقول الناشط البارز في مظاهرات بغداد حميد جحجيح.

الحركة الاحتجاجية، كما يؤكد جحجيح للجزيرة نت، سوف تستمر وتأخذ أشكالا مختلفة، وقد تخمد فترة لكن تعود بقوة وعنف أكبر كون الأجيال تتغير وتصبح أكثر بؤسا وبلا مستقبل.

وتوقع أن ينتج هذا الحراك تنظيمات انتخابية وليست سياسية، يمكن أن تشارك في الانتخابات القادمة وقد يكون لها حظوظ، ولكن لن تأخذ أي مساحة كبيرة في التأثير على صناعة القرار، وتوقع أيضا أن يكون الكاظمي بتشكيله السياسي الجديد الذي يحاول كسب الشباب المحتج، أن يكون له وجود قوي في الانتخابات القادمة.

لن يتوقف الاحتجاج، بحسب جحجيح، مادام هناك فساد وسوء إدارة لمؤسسات الدولة وهيمنة أحزاب بأجنحة مسلحة على مقدرات الدولة.

ورغم خطورة الأحداث التي شهدتها الاحتجاجات والمنعطفات الكبيرة التي مرت بها، وسقوط المئات من الضحايا، فإن الشباب يؤكدون مجددا أن الاحتجاج ماض ولا يمكن أن ينتهي حتى لو يستمر سنوات، لحين تحقيق المطالب الوطنية التي خرجوا من أجلها، وهي مطالب لا تمثل فئة أو طائفة.

الغرابي يرى أن إسقاط حكومة عبد المهدي أهم تغيير على المستوى السياسي (الجزيرة)

أهم تغيير

يعتقد الحقوقي والناشط البارز في مظاهرات الناصرية حسين الغرابي أن أهم تغيير على المستوى السياسي هو إسقاط حكومة عادل عبد المهدي، وتغيير أدوات اختيار الحكومة الحالية، كما أن هناك فرقا بين التعامل الأمني في الحكومة السابقة والحالية، وهناك تشكيلات سياسية جديدة انبثقت بعد الحراك، وهناك كيانات سياسية قيد الإنشاء.

ويضيف الغرابي خلال حديثه للجزيرة نت أن هناك تغييرا بالثقافة الوطنية والشعور بالمسؤولية على المستوى الاجتماعي، وبرز جيل جديد يبحث عن وطن مختلف بكل جزئياته، وأيضا شاهدنا دورا بارزا للمرأة في ثورة الاحتجاجات وانعكس إيجابا على دورها العام في البلد.

من جهته، يذهب الكاتب والمراقب السياسي وليد الطائي بعيدا في تحليله للاحتجاج، حيث يقول "بعد مرور عام على المظاهرات الشعبية، في حقيقة الأمر لم أجد أي تغيير قد حصل في محافظات الوسط والجنوب، إنما ذهبت وجوه فاسدة وجاءت وجوه أفسد بل فيها تشكيك في هويتها الوطنية، لم نعثر على إيجابية واحدة حصلت وغيرت واقع المواطن العراقي المنهك لكي تستحق الذكر والإشادة".

ويضيف الطائي خلال حديث للجزيرة نت أن كل الذي حصل فوضى وانقسام وإشاعة ثقافة الخراب والدمار والحرق والتشجيع على الحرب الأهلية وحمل السلاح والاعتداء على مؤسسات الدولة، وهذه الأساليب كلها تؤدي إلى مستقبل مجهول ومظلم.

محللون يرون أن المشهد السياسي تغير في العراق ولكن ليس لصالح المحتجين (الجزيرة)

ضياع البوصلة

وكأي حركة احتجاجية لم تأت فعلاً وإنما جاءت كردة فعل، وفي محيط مشحون بالتدخلات الخارجية وامتداداتها الداخلية وتأثيراتها، فإنه يمكن القول إن المشهد السياسي في العراق قد تغير بفعل الاحتجاجات، ولكن ليس لصالح المحتجين، كما يقول الباحث وأستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد أنور الحيدري للجزيرة نت.

الحركة الاحتجاجية، كما يؤكد الحيدري، لم تفرز قيادات أو تنظيما، ولم تقدم مطالب واضحة قابلة للاستجابة، ومن ثم فإن احتمالية توجيه الأطراف الخارجية للحركة الاحتجاجية تبدو عالية، في وقت ضاعت فيه بوصلتها.

ويضيف أنه بعد الاحتجاجات تعقد المشهد، فالعاطفة القوية التي جاء بها المحتجون قد خبت، وتراكمت الأخطاء التي رافقتها، والقوى التي خرجت ضدها لم تعد تؤخذ على حين غرة كما أخذت من قبل، فقد استوعبت الصدمة، وأعادت ترتيب أوراقها وتأقلمت مع السلطة الجديدة.

ومن ثم لا يمكن أن نتوقع أن يستمر المشهد الاحتجاجي كما انطلق من قبل، كما يرى الحيدري، ولا يمكن أن يكون فاعلا إلا إذا لجأ إلى العنف مرة أخرى، وفي حال لجوئه إلى ذلك، فإنه سيواجه بعنف مضاد، مما يعقد المشهد ويفاقم الأضرار.

هاشم اعتبر أن الأحزاب والنظام السياسي تعرضوا إلى هزات كبيرة بعد الاحتجاجات (الجزيرة)

صناعة وعي

ويؤكد المتابع للشأن السياسي والأكاديمي بجامعة ذي قار حازم هاشم، أن التغيير الذي حدث كان في مناطق الوعي، والضريبة التي دفعت من تضحيات مئات الشباب لم تغير شيئا إلا في مساحة وعي الناس، الذين أصبحوا أكثر معرفة وأقل إيمانا بالقدرة على التغيير.

ويضيف، هاشم خلال حديثه للجزيرة نت، أن الاحتجاجات انطلقت من واقع مترهل عمره 16 عاما، شهد محاصصة طائفية وانهيارا وخرابا عاما، ووصل الشباب إلى نقطة اللا عودة، وبعد عام من المظاهرات فإن الأحزاب تعرضت إلى هزات كبيرة.

وقال هاشم إنه خلال سنة لا يمكن لمن لديه تلك السقوف العالية من المطالب أن يكون مقتنعا بالتغيير، وكل المسارات التي تغيرت تبدو مسارات شكلية، وتتجاذب الشباب الآن اتجاهات متعددة أولها الاتجاه الوطني الخالص، والأخرى ما يتعلق بالأطر الدولية والمعادلة الإقليمية والمتغيرات في السياسة الأميركية وطبيعة الصراع وقوة السلاح على الأرض.

وأسفرت الاحتجاجات العراقية منذ انطلاقها قبل عام عن مقتل أكثر من 555 متظاهرا، في حين أصيب أكثر من 24 ألفا منهم، بينهم عدد من العناصر الأمنية، بحسب مصدر في مفوضية حقوق الإنسان، كما أنه لا توجد أية إحصائية تتعلق بالخسائر المادية والاقتصادية التي حصلت خلال المظاهرات حتى الآن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بعد احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول، تطورت أفكار الشباب العراقي لتصبح أكثر شمولية فيما يتعلق بالعمل السياسي، وانتقلت من المطالبة بتغيير النظام الحاكم ومحاسبة رؤوس الفساد إلى المشاركة بالانتخابات المقبلة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة