حصار وتقسيم وسمعة على المحك.. هذا ما جناه البريكست على بريطانيا

بوريس جونسون اتهم الاتحاد الأوروبي بمحاولة فرض حصار غذائي على بلاده (غيتي)
بوريس جونسون اتهم الاتحاد الأوروبي بمحاولة فرض حصار غذائي على بلاده (غيتي)

لا يتردد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في وضع لمسة من التراجيديا على المشهد السياسي لبلاده -وهو العاشق للكاتب وليام شكسبير- بتوجيه اتهامات ثقيلة للاتحاد الأوروبي بشأن محاولة فرض حصار غذائي على المملكة المتحدة وتقسيمها وتقطيع أوصالها.

تهم برر بها جونسون قانون "السوق الداخلية" المثير للجدل، والذي يمنح الوزراء الحق في نقض بعض بنود اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون العودة إلى البرلمان، مما يعني تراجع المملكة المتحدة عن اتفاق دولي تم إقراره والتصويت عليه من طرف البرلمان.

ويقرّ جونسون أنه يخرق القانون الدولي من خلال اعتماد هذا القانون الذي مرره البرلمان البريطاني في القراءة الأولى بالتصويت لصالحه بـ340 صوتا مقابل معارضة 263 نائبا برلمانيا. ورغم معارضة عشرات البرلمانيين المحافظين لهذا القانون، فإن رئيس الوزراء يستند على أغلبية مريحة تسهل عليه مهمة تمرير القوانين في البرلمان.

ولم يمنح البرلمان شيكا على بياض للحكومة البريطانية، حيث سيناقش المشرعون البريطانيون تقييد قانون "السوق الداخلية" بإلزام الحكومة بالعودة للبرلمان قبل تفعيل هذا القانون.

وضع أيرلندا الشمالية

وفي كل مراحل مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت أيرلندا الشمالية هي العقبة الكؤود بالنظر لوضعها الخاص. وكما توقع كثيرون فقد كانت السبب الرئيسي في تفجير الخلافات بين المملكة المتحدة وبريطانيا، لحد لجوء الأخيرة إلى الخروج عن القانون وانتهاك معاهدة دولية في سابقة من نوعها في تاريخ البلاد.

فحسب اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستبقى أيرلندا الشمالية في السوق الأوروبية المشتركة، وذلك لمنع تطبيق حدود جمركية في جزيرة أيرلندا، بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، وهو ما يعني أن السلع والبضائع القادمة من المملكة باتجاه أيرلندا الشمالية ستخضع لقانون الجمارك للاتحاد الأوروبي.

هذا الوضع المعقد، هو الذي سبق لرئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي أن رفضته، وقالت إنه يقسم البلاد ويجعل جزءا منها تحت سلطة الاتحاد الأوروبي رغم خروج بريطانيا منه، لكن جونسون -المهووس حينها بفكرة الخروج بأي ثمن- وافق على هذا البند، قبل أن يعود هذه الأيام ويبرر موافقته عليه بعدم توقعه "أن يتم تأويله بسوء نية من طرف الاتحاد الأوروبي".

وفي حال عدم توصل بريطانيا والاتحاد الأوروبي لاتفاق تجاري بحلول منتصف أكتوبر/تشرين الأول المقبل، فإن ذلك يعني تطبيق تعريفات جمركية على السلع الواردة إلى أيرلندا الشمالية من بريطانيا، إذا تم وضعها تحت بند يسمى "معرضة للخطر"، أي أن من المحتمل أن تصل إلى جمهورية أيرلندا في مرحلة لاحقة، وفي حال تم إثبات أن هذه البضائع لم تعبر إلى الجمهورية، فسيتم إعادة الرسوم الجمركية للمستوردين.

وضع كهذا يعني أن المملكة لن تمتلك سيادتها على جزء من أراضيها، وستصبح مجبرة على دفع الجمارك لإدخال السلع لمنطقة تابعة لها، مما قد يعرقل حركة التجارة بين أيرلندا الشمالية وبريطانيا، وهو ما وصفه جونسون بفرض "حصار غذائي".

لكن لطالما ردّ الأوروبيون على اتهامات جونسون بأن هذا هو ما تم الاتفاق عليه ووقع عليه جونسون، بل دافع عنه. ويرفض رئيس الوزراء تحميله المسؤولية، ليلجأ إلى قانون السوق الداخلية الذي يمنح الوزراء في الحكومة تحديد وتعريف السلع "المعرضة للخطر"، أي التي يمكن أن تفرض عليها الجمارك دون العودة للاتحاد الأوروبي.

وبحثا عن مبررات أخرى لإقدامه على خطوة انتهاك القانون الدولي، يقول جونسون إن الاتحاد الأوروبي قد يمنع حتى وصول المنتجات الغذائية لدول الاتحاد، لكن في الحقيقة، ما سيحدث هو أن أيرلندا -وبموجب بقائها في السوق الأوروبية المشتركة- سيكون عليها احترام المعايير الأوروبية للمنتجات الزراعية.

ويبرر الأوروبيون إمكانية منع بعض المنتجات من دخول أيرلندا الشمالية، بكون المملكة المتحدة فشلت حتى الآن في تقديم المعطيات الكافية لمعاييرها الصحية للمنتجات الغذائية.

تلطيخ سمعة

وقد تسبب قانون "السوق الداخلية" في توحيد موقف 4 وزراء بريطانيين سابقين أعلنوا معارضته واعتبروا أنه سيوجّه ضربة لسمعة المملكة المتحدة على المدى الطويل. واتفق كل من السير جون ميجور، وتوني بلير، وديفيد كاميرون، وتيريزا ماي، على كون هذا القانون سيلطخ سمعة بريطانيا ويحولها من الديمقراطية الأعرق في العالم إلى بلد ينتهك القوانين الدولية ويتراجع عن اتفاقية ومعاهدة أبرمها.

وتسبب هذا القانون في أزمة غير مسبوقة بين رئاسة الوزراء والمؤسسات القانونية في البلاد، بإعلان رئيس الشؤون القانونية في الحكومة جونثان جونز استقالته احتجاجا على ما اعتبره تعارضا مع المبادئ القانونية.

وبالنظر إلى حساسية هذا الملف، فقد صرح عدد من المسؤولين العسكريين -وفضل بعضهم عدم الكشف عن هويته، وآخرون أعلنوا ذلك صراحة- أن هذا القانون سيكون بمثابة نسف لصورة المملكة المتحدة. ويخشى الأمنيون أن قانون جونسون سيبعد لندن عن حلفائها الطبيعيين، ويقدم المبرر للخصوم (روسيا والصين) بأن بريطانيا هي الأخرى تنتهك القانون الدولي.

وفضلا عن المخاوف، فإن الخشية الكبرى لدى كبار الأمنيين في بريطانيا تتمثل في تأثير هذا القانون على اتفاق "الجمعة العظيم" الذي أقر السلام في جزيرة أيرلندا، حيث بدأت التلويحات في الجزيرة بأن أي تغيير في وضعها وحركة تنقل البضائع فيها يعتبر تهديدا لهذا الاتفاق.

أما من جهة الأوروبيين، فاللغة المعتمدة هي الوعيد باللجوء إلى المحاكم الدولية، وعدم إبرام أي اتفاق تجاري مع المملكة المتحدة، بل إن أصداء القانون وصلت للولايات المتحدة، حيث عبّرت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي عن ضرورة تريث بلادها في عقد اتفاق تبادل حر مع بريطانيا بعد إقرار هذا القانون، لأنه يعطي إشارات سلبية عن تعامل لندن مع الاتفاقيات الدولية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة