رغم كارثة الفيضانات.. العسكر والمدنيون بالسودان يتسابقون لتشكيل تحالفات سياسية

عبد الفتاح البرهان التقى مساء الأحد الماضي قادة تحالف البرنامج الوطني (الجزيرة)
عبد الفتاح البرهان التقى مساء الأحد الماضي قادة تحالف البرنامج الوطني (الجزيرة)

لم تمنع كارثة السيول والفيضانات التي تجتاح مناطق واسعة في السودان قادته السياسيين من الاستمرار في نسج خيوط لخارطة تحالفات هنا وهناك أملاً في تحقيق مكاسب آنية أو على المدى الطويل حين تجرى أول انتخابات بعد نهاية الفترة الانتقالية الحالية المحددة بـ 39 شهرا.

ويأتي الحديث عن التحالفات الجديدة المفترضة في ظل انتقادات وجهتها أطراف سياسية لتحالف قوى الحرية والتغيير الذي قاد الثورة بالسودان ويمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية بأنه لا يعبر عن القوى صاحبة المصلحة في حماية مكتسبات ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، ومطالب بإعادة هيكلته، وانسحاب عدد من القوى السياسية من التحالف العريض آخرها تجمع المهنيين السودانيين الذي نظّم الحراك الشعبي.

• تمر البلاد بمحنة عظيمة بسبب الفيضانات والأمطار والتي حولت الآف السودانيين لمشردين في العراء بعدما هدمت منازلهم…

تم النشر بواسطة ‏‎Wail Mahgoub‎‏ في الاثنين، ٧ سبتمبر ٢٠٢٠

وفي خضم معاناة آلاف السودانيين من كارثة السيول، اهتمت وسائل الإعلام الرسمية بإبراز خبر اجتماع عقده رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان مساء الأحد الماضي معتمرا قبعة القائد الأعلى للجيش بمجموعة تحمل اسم "البرنامج الوطني" التي تضم قوى شاركت في حكومة الرئيس المعزول عمر البشير حتى سقوطه في أبريل/نيسان 2019.

ويعتقد على نطاق واسع أن البرهان يحاول تغيير الحاضنة السياسية للحكومة المتمثلة حاليا في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير بإضافة عناصر جديدة تضمن له السند أو تعمل على تحييد الأصوات المعارضة للتطبيع مع إسرائيل، وفق ما يؤكد مسؤول رفيع للجزيرة نت.

ويقول المصدر ذاته إن البرهان يحاول الإيفاء بوعد قطعه على قوى سياسية وصفها بالفاعلة بعد الثورة مباشرة بتمكينها من المشاركة في السلطة، وإن ذلك بات متاحا الآن بإدخال تعديلات على الوثيقة الدستورية التي تحكم فترة الانتقال.

مظاهرات 30 يونيو/حزيران الماضي طالبت بتصحيح مسار الثورة واستكمال هياكل الفترة الانتقالية (رويترز)

اصطفافات اليسار
لكن في التوقيت ذاته من لقاء البرهان بتلك المجموعة كان الحزب الشيوعي السوداني أحد أبرز القوى الفاعلة بتحالف الحرية التغيير يوقع إعلانا سياسيا مع الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو بعد 48 ساعة من اتفاق مبادئ وقعه رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك أيضا مع الحلو تمهيدا لبدء جولة مفاوضات أساسها حسم علاقة الدين بالدولة أو منح المنطقتين-جنوب كردفان والنيل الأزرق اللتين تقاتلان فيهما الحركة-حق تقرير المصير.

ولم توقع الحركة الشعبية قطاع الشمال بقيادة الحلو على اتفاق وقعته بالأحرف الأولى فصائل عسكرية ضمن تحالف الجبهة الثورية مع الحكومة السودانية في جوبا عاصمة جنوب السودان في 31 أغسطس/آب المنصرم، يهدف إلى وقف الحرب والدخول ضمن العملية السياسية بعد عقود من الحرب، وتطالب الحركة بعلمانية الدولة.

وفي وقت سابق من هذا العام، وقعت مجموعة عبد العزيز الحلو اتفاقا مع الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني وهو زعيم صوفي ذائع الصيت ويملك قاعدة شعبية واسعة في شرق السودان وشماله لكن قياداته شاركت الحكومة المعزولة السلطة لسنوات.

من جهة أخرى، نشط حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي وهو أيضا صاحب قاعدة دينية كبيرة في توسعة تحالفاته بعد خلافاته العميقة مع حلفائه في الحرية والتغيير -الحاضنة السياسية للحكومة- وقاد اجتماعات متوالية مع أحزاب وبعض التيارات الإسلامية خارج منظومة التحالف الحاكم لتكوين حاضنة عريضة لحكومة توافق تقود البلاد إلى الانتخابات.

حزب الأمة القومي بزعامة المهدي انخرط في توسيع تحالفاته بعد خلافاته العميقة مع تحالف قوى الحرية والتغيير (الجزيرة)

توسيع الحاضنة
وتتطابق رؤى المهدي مع حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل د. حسن الترابي، كما يقول الأمين العام للحزب بشير آدم رحمة، في سعي الحزبين إلى" توسعة الحاضنة السياسية" دون إقصاء أحد، ويؤكد أن حزبه لا يسعى للمشاركة في الحكومة التنفيذية الانتقالية ولا يرغب كذلك في منح أي تفويض للعسكر للانقلاب على النظام كما يشاع، ويضيف "نريد فقط الاتفاق على إدارة الفترة الانتقالية وبرامجها، وبعدها لكل حزب خياره وبرامجه الانتخابية".

ويكشف رحمة للجزيرة نت أن حزبه وبعد أيام من الإطاحة بالنظام السابق اتفق مع قادة المجلس العسكري الذي تسلم مقاليد الحكم وقتها على شكل الحكومة الجديدة واقترح أن تكون على غرار تلك التي ترأسها المشير الراحل عبد الرحمن سوار الذهب عقب انتفاضة أبريل/نيسان 1985، لكن تدخلات دول خليجية ودولة أفريقية مجاورة أجهضت التفاهمات لصالح قوى اليسار والبعث وأقصت من المشهد تيارات مؤثرة بينها المؤتمر الشعبي كما يقول.

خارطة التحالفات
غير أن قوى اليسار لا ترغب في أي تقارب مع التيارات الإسلامية ولا سيما تلك التي كانت جزءا من النظام المعزول، وهو ما يجعل التكتلات المتوقعة ذات ثلاثة اتجاهات تتزعم إحداها الحركة الشعبية بقيادة (الحلو) يساندها الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين ممثلا في سكرتاريته الجديدة ومعهم بطبيعة الحال الحزب الاتحادي بقيادة الميرغني، وعلى جانب آخر سيقف حزب الأمة القومي والقوى الإسلامية ومعها البعث السوداني، بينما ستتكتل قوى الجبهة الثورية والمؤتمر السوداني والبعث العربي والتجمع الاتحادي في اصطفاف ثالث تحت لافتة الحرية والتغيير، كما يقول مراقبون.

لو كنت مكان القحاتة لما انزعجت ؛ هذه كيانات بلا جماهير حسب تقديري الشخصي ؛ او قواعد ! حقيقة محرجة وصادمة لكنها الحقيقة . قد يكون لبعضهم كاشخاص مقامات واجتهاد لكن كقوى على الأرض لا أظن !

تم النشر بواسطة ‏محمد حامد جمعه نوار‏ في الاثنين، ٧ سبتمبر ٢٠٢٠

ويرى الحزب الشيوعي في كل التحركات التي تنتظم الساحة محاولة لتغيير الحاضنة السياسية للحكومة، ولم يتورع في اعتبار اتفاق السلام الموقع مع الجبهة الثورية في جوبا كذلك محاولة تصب في الاتجاه ذاته، فاختار على ما يبدو أن ينحاز إلى تيار عبد العزيز الحلو ويوقع معه اتفاقا منفصلا.

وقال في بيان تعليقا على اتفاق جوبا، "إن التناقضات الجسيمة في الاتفاق قصد منها إفراغ الوضع القائم في البلاد من محتواه الدستوري بالحديث عن هيكلة الدولة السودانية استباقا للمؤتمر الدستوري".

وأضاف "ويفهم من الاتفاق المعلن أيضا إبدال الحاضنة السياسية للنظام القائم في البلاد بحاضنة جديدة قوامها أطراف الاتفاق وإبعاد القوى التي قادت ومثلت الشارع في حراك ديسمبر/كانون الأول".

لكن عضو المجلس المركزي لتحالف الحرية والتغيير أحمد حضرة قلل من تأثير التحالفات المفترضة على الحكومة الانتقالية وحاضنتها السياسية.

وأكد للجزيرة نت أن الائتلاف الحاكم يعكف على عقد مؤتمر تداولي لإعادة ترتيب أوضاعه، وشدد على عدم الانزعاج من أي تحالفات موازية للحرية والتغيير بما فيها التي باركها البرهان بلقائه مجموعة البرنامج الوطني.

الجبهة الثورية وقعت اتفاقا بالأحرف الأولى مع الحكومة السودانية في 31 أغسطس/آب الماضي (رويترز)

التطبيع ولعبة التكتلات
بالمقابل، يرى المحلل السياسي عباس محمد إبراهيم أن استقبال البرهان لوزراء وحلفاء البشير كشف عن ضيق المساحة التي يتحرك فيها رئيس مجلس السيادة سياسيا.

ويوضح إبراهيم للجزيرة نت أن ذاك كان مخفيا لسكون الساحة السياسية مؤخرا قبل أن يكسرها خطاب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، واختراقه الأخير بلقاء رئيس الحركة الشعبية في أديس أبابا.

ويبدي اعتقاده أن ملف تطبيع العلاقات مع إسرائيل أدخل الحكومة الانتقالية في أصعب تحد، فالذهاب في الخطوة وخلق علاقات بين الخرطوم وتل أبيب أو قطع الطريق أمامها، سيحدد مستقبل الحكم في السودان خلال السنوات المقبلة.

ويشير المحلل السياسي إلى "أن الانقسام بشأن التطبيع -حال حسمه لصالح إبرام اتفاق مع إسرائيل وهو الأقرب وفقا للعديد من المؤشرات- سيعيد تشكيل الائتلاف الحاكم وحدوث عملية تشذيب داخله لقيادة المرحلة المقبلة، بخروج أصحاب المواقف الأيديولوجية الرافضة ليكون أكثر انسجاما".

فالداعمون ينظرون للملف على أنه فرصة يجب الاستفادة منها لأقصى درجة، وتقديم حزمة شروط متكاملة مقابل التطبيع، هذا الاتجاه يجد سندا جماهيريا من الجيل الجديد الصاعد في المشهد، وفق المحلل السياسي.

ويضيف "بالمجمل فإن الخرطوم أمامها فرصة قد لا تتكرر، لتقدم نفسها كلاعب مهم في المنطقة، فإدارة هذا الملف دون تهافت، قد يخرجها من لعبة المحاور المتصارعة في الإقليم، وبدلا أن تكون تابعا يمكن أن تقدم نفسها كلاعب مستقل".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة