منطقة "الجميزة" في بيروت.. هنا ضرب الزلزال

منطقة الجميزة إحدى أكثر المناطق تضررا من انفجار مرفأ بيروت (الأناضول)
منطقة الجميزة إحدى أكثر المناطق تضررا من انفجار مرفأ بيروت (الأناضول)

يسير محمد في الطريق ذاته الذي سلكه قبل يومين حاملا صديقه المدمى من آثار التفجير، يبحث عن مشفى أو مستوصف طبي ليقدم لهما العلاج، فكلاهما كان مصابا.

كل شيء تغيّر، وجه منطقة الجميزة الواقعة مباشرة خلف مرفأ بيروت انقلب تماما، اختفت فيه مظاهر كان يحاول إحياءها مئات الشبان اللبنانين من خلالها إخفاء حزنهم داخل شارع عريق ينبض بالحياة، في حين أن لبنان من حولهم يقترب شيئا فشيئا نحو موت سريري محتم.

وتعد هذه المنطقة وجهة لمحبي السهر من اللبنانيين والسياح، لأنها كانت تضم عشرات الملاهي الليلية والمطاعم.

"خرجت لعلّي أستطيع نسيان تلك اللحظات حين هوى كل ما في المطعم من حولنا، وغرقنا في الدماء، والناس تصرخ وتركض أمامنا وكأنه يوم الحشر، شعور غريب أشعر به للمرة الأولى"، يصف محمد شهابي الصحفي اللبناني والناشط في المظاهرات المطالبة بالتغيير السياسي في البلاد منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي ما يعتريه من مشاعر مختلطة.

دمار هائل خلفه انفجار مئات الأطنان من نيترات الأمونيوم بمرفأ بيروت (رويترز)

كلوديت مهنا صاحبة محل للخياطة وسط الشارع، تنظف محلها وتستعد لاستئناف عملها، في وقت لا تزال فيه الضمادة الطبية على جبينها الذي أصابته شظايا زجاج المحل: "فتحت هذا المحل بدموع العينين لأعيل أسرتي، وضعت واجهة زجاج جميلة لكنها تكسرت في لحظة، لدي المال لتصليحها ولكنه في البنك، كيف يمكنني سحبه؟"، تتساءل وعلامات يأس تبدو على عينيها، فهي متيقنة من أنه من الصعوبة جدا سحب الدولارات التي أودعتها في البنك، في حين تفقتر البنوك للعملة الأجنبية، ويخوض المودعون معارك يومية معها منذ أشهر من أجل سحب أموالهم دون جدوى.

عن جروحها، تقول إنها حاولت إسعاف نفسها بالبحث وحيدة عن مشفى أو صيدلية إلا أنها لم تجدهما، حيث الجميع مصابون حولها فاضطرت لقيادة سيارتها رغم تحطم زجاجها إلى منطقة الدكوانة التي تبعد 4 كيلومترات، وهناك وجدت صيدلية قدمت لها الإسعافات.

الانفجار هو الأقوى على الإطلاق الذي يضرب بيروت (رويترز)

وكان لافتا في منطقة الجميّزة عدم وجود سوى شباب متطوعين يكنسون بقايا الردم والزجاج المكسور، الذي خلفه الانفجار الضخم، وآخرين يقدمون الطعام والمياه للمتطوعين والمتضررين من التفجير.

وكان الانفجار هو الأقوى على الإطلاق الذي يضرب بيروت، المدينة التي لا تزال ملامحها تحمل ندوب الحرب الأهلية التي انتهت قبل ثلاثة عقود، وتئن تحت وطأة انهيار اقتصادي وتعاني من زيادة الإصابات بفيروس كورونا. وقد اهتزت على وقع الانفجار المباني في جزيرة قبرص بالبحر المتوسط، على بعد حوالي 160 كيلومترا.

وأسفر الانفجار -الذي وقع الثلاثاء الماضي- عن أكثر من 150 قتيلا وإصابة 5 آلاف وتشريد نحو ربع مليون شخص ودمار وخسائر بمليارات الدولارات.

ووجه اللبنانيون -الذين فقدوا وظائفهم وتبخرت مدخراتهم في الأزمة المالية- اللوم للسياسيين الذين استشرى الفساد الحكومي وسوء الإدارة تحت أسماعهم وأبصارهم لعقود.

وقال حسن زعيتر (32 عاما) وهو مدير بفندق "لوغراي" الذي لحقت به أضرار كبيرة في وسط بيروت، إن الانفجار علامة على انهيار لبنان. وأضاف أنه يلوم في الواقع الطبقة الحاكمة في البلاد.

بدوره قال مصوّر لوكالة رويترز يغطي الأحداث في لبنان منذ عام 1981، "كان الأمر أشبه بتصوير فيلم رعب في مدينة مدمرة".


المزيد من سياسة
الأكثر قراءة