العنف القبلي في شرق السودان.. جذور الصراع وأسباب تجدده

الصراعات الإثنية في ولايات الشرق تتوالى تارة بين البني عامر والنوبة وأخرى بين الهدندوة والبني عامر منذ أكثر من عام (الجزيرة)
الصراعات الإثنية في ولايات الشرق تتوالى تارة بين البني عامر والنوبة وأخرى بين الهدندوة والبني عامر منذ أكثر من عام (الجزيرة)

بذرت حملات انتخابية ببورتسودان في شتاء عام 1986 بذرة الصراع بين النوبة والبني عامر، الذي خبا لنحو 35 سنة، لتستدعيه ذاكرة العنف على امتداد كل شرق السودان فور سقوط نظام البشير، مستفيدة من حالة التراخي الأمني بعد الثورة.

وتجلى تراخي الأجهزة الأمنية حتى في الأحداث التي اندلعت ظهر اليوم بكسلا، إثر حشود مضادة نظمها الهدندوة الرافضين لوالي كسلا الجديد عمار صالح، وتحولت لأعمال حرق ونهب واسعة النطاق بسوق المدينة، رغم سريان حالة الطوارئ.

وتدفق آلاف الهدندوة من أرياف كسلا إلى وسط المدينة، قبل أن يتوجه عدد منهم لحرق ونهب سوق للبني عامر.

وهذه ثاني مواجهات بين قبيلتي الهدندوة والبني عامر، بعد اقتتال مماثل ببورتسودان في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت؛ أسفر عن قتلى وجرحى.

ومنذ 19 مايو/أيار 2019، تتوالى الصراعات الإثنية بولايات الشرق الثلاث: "البحر الأحمر وكسلا والقضارف"، تارة بين البني عامر والنوبة، وأخرى بين الهدندوة والبني عامر.

المواجهات بين الهدندوة والبني عامر هي الثانية بعد اقتتال مماثل ببورتسودان في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت (الجزيرة)


إنذار مبكر

وفي فبراير/شباط 1986، اندلعت أول مواجهة دامية لـ3 أيام بين قبيلتي النوبة والبني عامر ببورتسودان؛ إثر مساجلات حول الخمور لمرشح الجبهة الإسلامية موسى حسين ضرار ولرئيس الحزب القومي فليب غبوش.

وبعدها فرضت القوات الأمنية سطوتها على حي دار النعيم الذي تقطنه إثنية البني عامر، وحي فليب المقتصر على قبيلة النوبة، واستمرت هذه السطوة خلال حقبة البشير، لتنفرط بعد سقوطه بشهر واحد.

وكانت المناوشات لا تنقطع بين سكان الحيين المتجاورين والشبيهين بحارات "الغيتو" لليهود؛ في اقتصارها على عرق واحد، لكن أجهزة الأمن حينها كانت لديها قدرة التوقع قبل اشتعال أي صراع.

وغاب عن القوات النظامية في كسلا حاسة توقع ما يمكن أن تسفر عنه مظاهر التحشيد المستعر منذ يوليو/تموز الماضي، والذي انتهى اليوم بحشد ضد تعيين الوالي، وأمس بمظاهرة لمؤيدي الوالي الجديد تحدت حظر التجول الشامل.

وفي أحداث مشابهة بعد الثورة في القضارف وحلفا الجديدة وخشم القربة وكسلا وبورتسودان؛ يحمّل نشطاء ومراقبون القوات النظامية المسؤولية لبطء تعاملها مع الأحداث.

أسلحة ومتفجرات
لكن الملفت في آخر موجة اقتتال في هذا الصراع خلال الشهر الحالي أن وسائل القتل فيه على أساس اللون أصبحت أكثر وحشية حسب أطباء، إلى جانب اقتناء السلاح الناري، كما أبلغ والي البحر الأحمر الجزيرة نت، واتساع نطاق المواجهات للحد الذي أسفر عن مهجرين قسريا وفقا لأطراف الصراع.

ويقول والي الولاية المعين حديثا عبد الله شنقراي أوهاج إن حملات أمنية بعد الأحداث في دار النعيم وفليب انتهت بضبط أسلحة ومتفجرات، ربما تسربت من مواقع التعدين المنتشرة بالبحر الأحمر.

وإثر هذه الحملات، اعتقلت السلطات الأمنية 66 شخصا، جار التحقيق معهم، كما تم فرض حظر التجول، ومن ثم سريان حالة الطوارئ، واستدعاء قوات مركزية من الخرطوم لحساسية الولاية التي تضم موانئ البلاد، وفقا للوالي.

وفي أحدث إحصائية طبقا للوالي، فإن عدد القتلى جراء المواجهات بين القبيلتين في أيام 10 و11 و12 أغسطس/آب الحالي ارتفعت إلى 37 قتيلا، فضلا عن 123 جريحا.

الطبيبة عسجد عبد المنعم توصي بتقديم دعم نفسي واجتماعي لسكان دار النعيم وفليب (الجزيرة)


قتل وحشي

وتروي الطبيبة عسجد عبد المنعم بمستشفى العشي ببورتسودان للجزيرة نت كيف أنها وقفت على حالات قتل وحشية شملت التمثيل بالجثث بعد الوفاة، وتقييد الضحايا بإطارات مشبعة بالوقود وإحراقها.

وتشير الطبيبة إلى أن المواجهات السابقة بين القبيلتين كانت الإصابات فيها ناتجة عن العصي أو المدي، فضلا عن إصابات غير خطيرة بالرصاص تسببت فيها القوات النظامية لدى الفصل بين الطرفين.

وتضيف أنه كان ملاحظا في المواجهات الأخيرة وجود ضحايا من القبيلتين أصيبوا برصاص حي مصدره أطراف الصراع.

وتقول إن سكان دار النعيم وفليب في حاجة لدعم نفسي واجتماعي؛ فهي مناطق ليست فيها مراكز شرطة ومشاف، رغم التعداد الكثيف للسكان في حيز محدود، وهو ما يحد من قدرة السلطات على التوقع في حال نشوب صراع.


وجع الحكايات

ولأطراف الصراع قصص موجعة عن المواجهات التي تكررت بينهم، ويجدون صعوبة في محوها من ذاكرتهم؛ فمشاهد المنازل المحروقة والمفجرة والحيطان المثقوبة بالرصاص صورة تتكرر يوميا.

وفي حي دار النعيم للبني عامر فجرت قذيفة بناية من طابقين يعتقد أن مصدرها الجيش، في إطار البحث عن قناصة يعتقد أنهم كانوا يعتلون البناية المطلة على حي فليب الذي يسكنه النوبة.

وخلال حديثه للجزرة نت، حمّل صالح أحمد -وهو معلم من قبيلة البني عامر- الأجهزة الأمنية مسؤولية تكرار المواجهات مع النوبة، التي تحدث دائما لأسباب بسيطة يمكن حسمها بالقانون.

ونوّه إلى أن احتكاكات محدودة وقعت بين الجانبين عام 2018، لكن يقظة الأجهزة الأمنية وقتها حسمتها في مهدها، بينما الأجهزة نفسها الآن تعجز عن الوصول للسلاح والمخربين.

ويتفق متوكل دقاش -وهو أستاذ جامعي من قبيلة النوبة- مع صالح بقوله إن السيولة الأمنية والإفلات من العقاب حفزا استدعاء ذاكرة العنف، مما وسّع دائرة الضحايا خارج نطاق القبيلتين.

لكن الشابين يختلفان بشأن استخدام السلاح، إذ يرى صالح أن اقتناء السلاح الناري تم بشكل شخصي طلبا للحماية، في حين رأى دقاش أن اقتناء السلاح تم بشكل ممنهج.


جيرة ومصاهرة

ويقول صالح -الذي فقد والده في أول صراع عام 1986، كما فقد أقرباء له في احتكاكات الشهر الحالي- "أنا أعرف أن القتال في النهاية سينتهي بالحوار، لذا يجب التوصل لهذه النتيجة الآن".

ويرى أن القبيلتين ضحايا صراع تؤججه مجموعات تستغل الفراغ الأمني، حيث إن البني عامر والنوبة ظلتا متجاورتين عشرات السنين، ويستغلون مواصلات واحدة لوسط المدينة.

ويؤكد متوكل دقاش أن أفراد قبيلته النوبة ربطت بينه والبني عامر مصاهرات على عكس القبائل الأخرى، لكن طبيعة المجتمع العشائري في الحارتين تسهل انجرار الطرفين للاقتتال، ويشير إلى أن أسرة من البني عامر وفرت له الحماية في الأحداث الأخيرة.

لكن صورة التسامح التي تظهر لدى صالح ودقاش تكاد تتلاشى بين العوام من القبيلتين، الذين يتوجسون خيفة من الصحافة بشكل ملفت، وقالت سيدة من النوبة للجزيرة نت وهي تشيح بوجهها "هنا يوجد فقر شديد.. حدثوا الحكومة لتقوم بواجبها".

عشرات الأسر من البني عامر والنوبة هُجّرت نتيجة الاقتتال بينهما (الجزيرة)


أضرار الصراع

وحسب أحمد، فإن الأحداث أسفرت عن تضرر 1800 شخص من البني عامر، ونهب سوق دار النعيم، وتعرض 115 بيتا للتدمير، وتهجير أسر من 3 مربعات في الحي الذي تقطنه قبيلة البني عامر.

ويقول دقاش إن عدد القتلى من النوبة منذ اندلاع الأحداث العام الماضي بلغ 40 شخصا، وطالت أعمال التخريب 3 شوارع في حي فليب، حيث تم حرق عشرات المنازل؛ مما أدى إلى تهجير 300 أسرة بعيدا عن مناطق التماس مع البني عامر.

ويبدي أسفه على انتهاج القتل على أساس اللون، مشيرا إلى مقتل مأذون شرعي وخطيب مسجد والتمثيل بجثته بعد أن اشتبه البني عامر في أنه من النوبة كرد فعل على مقتل إمام مسجد من البني عامر في المواجهات السابقة.

ويقول السكان في حيي دار النعيم وفليب إن منصات التواصل الاجتماعي أضحت المحرك الأساسي للتحشيد المضاد، حيث تُستغل في التعبئة وتهويل الوقائع، ومن ثم اندلاع مواجهات تعيق حركة الاقتصاد في المدينة التي تضم موانئ السودان الرئيسية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة