الشهيد الأردني.. بعد نصف قرن فلسطين تكرّم من افتدوها بأرواحهم

من بعيد، وقف الحاج السبعيني رزق الله أقطش (أبو أمجد) يحدق النظر بعينيه الغائرتين في وجهه وببصره الحاد رغم سنه الكبيرة، بشبان ينبشون قبرا بالقرب من مدخل قريته بيتا جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية. كان هو ذات يوم يفعل الأمر نفسه، ولكن تمهيدا لدفن شهيد وليس لإخراجه كما هي الحال الآن.

في الآونة الأخيرة، شرعت إسرائيل في شق طريق استيطاني جنوب نابلس لربط مستوطناتها هناك ببعضها، وبعد توزيع خرائط الطريق الجديد والصور الجوية على مجلس قرية بيتا، تبين أنه يقطع قبر الشهيد الأردني، فسارعوا لنقله قبل ردمه بعد التنسيق رسميا مع الجهات الفلسطينية والأردنية.

لأكثر من نصف قرن، تعود حكاية الجندي الأردني "المجهول الهوية" المدفون قرب نابلس على يد الشيخ أقطش ووالده وأشقائه، كغيره من العشرات من الثوار الأردنيين الذي ضحوا بدمائهم دفاعا عن فلسطين في حربها ضد الاحتلال الإسرائيلي في يونيو/حزيران 1967.

الحاج رزق الله أقطش يقرأ الفاتحة على قبر الشهيد الأردني الذي دفنه قبل 53 عاما (الجزيرة)

إعدام بدم بارد

قادنا الحاج رزق الله إلى حيث قبر الشهيد الأردني في أرض "الصفايح"، وهناك سرد لنا حكاية لا يزال هو الشاهد الوحيد عليها بين أفراد عائله؛ فوالده وأشقاؤه الذين ساعدوه في دفن الشهيد آنذاك توفوا جميعا. وقال: "هنا ترجل جنود إسرائيليون وأخرجوا من أحد الجيبات العسكرية التابعة لهم رجلا مقيدا وقد وضعوا على رأسه كيسا، ومن ثم طرحوه أرضا وأطلقوا عليه الرصاص".

لبضع الوقت -وفق الحاج رزق الله- ظل الرجل ينزف دون أن يحرك أحد من الجنود ساكنا، ولم يتركوه إلا بعد أن تأكدوا من موته.

وظل الشهيد ملقى على الأرض عدة أيام، لم يتمكن أي شخص من الاقتراب منه خشية أن يتعرض لرصاص جنود الاحتلال. وفي اليوم الـ20 تمكنوا من الوصول إليه، وبعجالة حفروا له قبرا ودفنوه في المكان نفسه، بعد أن لاحظوا أن جسده آخذ بالتحلل، على حد قول أقطش.

السيدة آمنة داغر شاركت في مراسم التشييع وكانت تأمل أن يكون هذا رفات عمها المفقود في حرب عام 1967 (الجزيرة)

الجندي المجهول

يقول الحاج رزق الله إنهم فتشوا الشهيد ولم يجدوا بحوزته أي أوراق ثبوتية باسمه أو ما يحدد هويته، فأطلقوا على قبره اسم الجندي "الأردني" المجهول، ويضيف أنه جندي أردني لكن لم يعرفوا اسمه بالضبط.

وتقول الرواية التي يتناقلها الفلسطينيون في تلك المنطقة إن الجيش الإسرائيلي أمسك 4 من الجنود الأردنيين الذين كانوا يحاربون إلى جانب الفلسطينيين في إحدى القرى جنوب نابلس، ونقلوهم بآليات عسكرية لمناطق مختلفة، وأعدموهم لاحقا كل واحد بمفرده بعيدا عن الآخرين.

وعلى هذا الأساس، جاءت السيدة آمنة داغر (أم محمد) وعائلتها من قرية كفر ثلث بقضاء مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية، لتبحث عن أي أثر لعمها الجندي الأردني محمد عبد الرحمن داغر، وهو أحد المفقودين في تلك الحرب.

وقالت آمنة للجزيرة نت إنهم تلقوا وعودا بإجراء فحص الحمض النووي "دي إن إيه" (DNA) لتحديد هوية الشهيد، ولا سيما أنهم يبحثون منذ سنوات طويلة عن خيط يعيد لهم الأمل بمعرفة مكان دفنه ونقل رفاته إلى مقبرتهم، وأضافت "حتى لو لم يكن الشهيد عمي فهذا شرف كبير لنا بالمشاركة في تشييعه".

شاب فلسطيني يرتدي "تي شيرت" عليه شعار الوحدة بين الشعبين الأردني والفلسطيني (الجزيرة)

تشييع مهيب

وعند الساعة الثالثة من عصر اليوم الخميس، تمكن الفلسطينيون من إخراج رفات الشهيد ونقله في جنازة عسكرية وبحضور رسمي فلسطيني وأردني ممثلا بمحافظ نابلس وقادة الأجهزة الأمنية والسفير الأردني في المناطق الفلسطينية إضافة لقيادات عسكرية أردنية رفيعة المستوى، إلى مقبرة الشهداء في بلدة بيتا.

وحُمل الشهيد -الذي لُف بالعلم الأردني- على أكتاف المشيعين الفلسطينيين، قبل أن يوارى الثرى في مقبرة الشهداء. وعُزف السلامان الوطنيان الفلسطيني والأردني، وألقيت كلمات رثاء للشهيد وأخرى حثت على مناقب الشهداء ومن ماتوا دفاعا عن فلسطين وأن الأردن وفلسطين شعب وبلد واحد.

وارتدى الشبان قمصانا تحمل العلمين الفلسطيني والأردني متشابكين مع بعضهما، كما علق علما الدولتان على أعمدة الإنارة في بلدة بيتا وشارعها الرئيسي، إضافة إلى صور الملك الأردني والرئيس الفلسطيني.

وقال فؤاد معالي رئيس مجلس البلدي في بيتا -للجزيرة نت- إنهم سارعوا بالتنسيق مع الجهات المختلفة الفلسطينية والأردنية لنقل الجثمان، عندما أخطرهم جيش الاحتلال بشق الطريق.

وأضاف "آثرنا نقل الشهيد لمقبرة القرية حتى يتسنى فيما بعد نقله للأردن في حال تحديد هويته"، وأشار إلى أن كل القرائن والمعلومات التي جمعوها تؤكد أنه شهيد أردني، وأن حضور الوفد الأردني العسكري والرسمي يؤكد ذلك.

شعب واحد

وفي تعليقه للجزيرة نت، قال محافظ نابلس اللواء إبراهيم رمضان إنه لا يجوز أن نقول شعبان فلسطيني وأردني، بل "نحن شعب واحد"، وأضاف أن أحدا لن يعرف سر هذه العلاقة إلا إذا كان فلسطينيا أو أردنيا، "هذه الدماء والأرض واحدة"، وحيا الأردن ملكا وشعبا وحكومة على كل مواقفهم الداعمة للفلسطينيين.

بحضور رسمي أردني وفلسطيني، شُيّع الشهيد الأردني المجهول الهوية (الجزيرة)

مقابر عدة

وتنتشر في مختلف الأراضي الفلسطينية قبور فردية وجماعية لشهداء أردنيين وعرب، استشهدوا في معارك عدة دفاعا عن الأرض الفلسطينية، سواء خلال النكبة الفلسطينية عام 1948 أو احتلال الضفة الغربية عام 1967.

يقول الباحث والموثق الفلسطيني في قضايا التراث أنور دوابشة إن فلسطين تحوي نحو 36 موقعا فيها مقابر لشهداء أردنيين، خاصة في مدينة القدس المحتلة ومحيطها. ودفنهم هنا يعود لأسباب مختلفة أهمها حالة التسيب التي كانت تعانيها جبهة الحرب وانقطاع الاتصالات، فضلا عن ضعف الموقف السياسي آنذاك.

وأوضح للجزيرة نت أنه لا يمكن لأحد إنكار دور المتطوعين الأردنيين خاصة أبناء القبائل الذين جاؤوا للدفاع عن فلسطين كما هو الحال في معارك "باب الواد" و"اللطرون" في القدس، "وهذا يدل على لحمة وتوحد العرق والدم".

وهو يغادر القبر الذي حفره بيديه قبل 50 عاما، كان الحاج رزق الله أقطش ينظر خلفه مودعا الشهيد الذي ظل طوال تلك السنوات يزوره ويقرأ الفاتحة على روحه، ويقول والدموع تحاصر مقلتيه: "كنت أتمنى نقله من أرضي الأولى، حيث هو الآن، للمقبرة القريبة من منزلي في أرضي الثانية، لأستمر بوفائي له".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في العام السادس والأربعين على هزيمة يونيو/حزيران 1967، ما زال جرح قرى اللطرون الفلسطينية حاضراً في ذاكرة الحاجة عائشة حماد، التي هجرت مع أطفالها في الحرب بعد مقتل زوجها وأمها المسنة وكثير من أقاربها هدمت بيوتهم على رؤوسهم.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة