عقب قرار ترامب تخفيض قواته بألمانيا.. خبراء يحللون الموقف والدلالات

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال لقائه مع جنود أميركيين بألمانيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال لقائه مع جنود أميركيين بألمانيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (رويترز)

جاء إعلان وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر أن بلاده تخطط لسحب ما يقرب من ثلث قواتها المسلحة المتمركزة في ألمانيا، والبالغ عددها 36 ألف جندي؛ مكملا لتهديدات أطلقها الرئيس دونالد ترامب ضد الحكومة الألمانية على مدار الأشهر الماضية.

وستتم إعادة تمركز ما يقرب من 5600 جندي من بين 11 ألفا و800 جندي سيتم إخراجهم من ألمانيا إلى دول حليفة أخرى من أعضاء حلف الناتو في أوروبا، بما فيها بولندا وإيطاليا، في حين سيعود 6400 جندي إلى الولايات المتحدة.

وقال إسبر إن "هذه التغييرات ستحقق المبادئ الأساسية لتعزيز المرونة الإستراتيجية الأميركية، وتعزز فعالية حلف شمال الأطلسي (ناتو) بما يطمئن حلفاء واشنطن".

كما أكد الوزير الأميركي أن "هذه الخطة من المرجح لها أن تتغير وتتطور إلى حد ما مع مرور الوقت".

أما الرئيس دونالد ترامب فقد وصف من جانبه خفض القوات بأنه انتقام لما يعتبره رفضًا من ألمانيا لإنفاق حصة أكبر من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، على عكس ما اتفقت عليه دول الحلف عام 2014.

ترامب قرر خفض قواته بألمانيا البالغ عددها 36 ألفا (الفرنسية)

زيادة وإنفاق

الجدير بالذكر أن دول حلف شمال الأطلسي اتفقت عام 2014 على زيادة إنفاقها الدفاعي إلى ما لا يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2024.

وأنفقت ألمانيا العام الماضي 49.3 مليار دولار على الدفاع، أو ما مقداره 1.38% من ناتجها المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات حكومية ألمانية.

ومن ضمن التغييرات الأخرى التي أعلنتها وزارة الدفاع الأميركية:

–       نقل مقر القيادة الأوروبية الأميركية من مدينة شتوتغارت بألمانيا إلى بلجيكا.

–       إلغاء خطط لنقل 2500 من طياري فرق التزود بالوقود الأميركي المتمركزين حاليًا في المملكة المتحدة إلى ألمانيا.

–       نقل سرب مقاتلات نفاثة من طراز "إف-16" (F-16) وفرق تشغيلها من ألمانيا إلى إيطاليا.

وانتقد ترامب حلف شمال الأطلسي مرارا على مدار السنوات الأربع الماضية، ويرى أن الحلف قد عفا عليه الزمن، وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة لا تحصل على شيء مقابل ضمان الأمن وتقديم الحماية العسكرية لدول الناتو، وقال "يجب أن يدفعوا أو يخرجوا، وإذا تفكك الناتو لهذا فليتفكك".

وخص ترامب ألمانيا أكثر من بقية أعضاء حلف الناتو بالانتقاد والهجوم، وقال ترامب لصحفيين قبل أسابيع "لماذا تدفع ألمانيا لروسيا مليارات الدولارات مقابل الطاقة، بينما يكون على الولايات المتحدة أن تحميها من روسيا؟ هذا الأمر غير طبيعي".

الجزيرة نت استطلعت آراء 3 من أهم خبراء علاقات الولايات المتحدة بحلف الناتو، وهم جيمس غولديغر الباحث بمعهد بروكينغز والعميد السابق لكلية العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية، ووجاريت جوزيف مارتن الخبير بالمعهد الأوروبي والأستاذ بجامعة جورج ، ومديرة برنامج الدراسات الأوروبية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بواشنطن هِزَر كونلي، وجاءت إجاباتهم على النحو التالي:

قرار ترامب خفض القوات الأميركية في ألمانيا قد يكون لأسباب انتخابية (الجزيرة)

قرار وأسباب

اعتبر غولديغر أن ترامب "اتخذ قرارا بخفض القوات الأميركية في ألمانيا لمعاقبة هذا البلد على ما يعتقد أنه نقص في حجم الإنفاق الدفاعي".

في حين اعتبر مارتن أن هناك رسائل مختلطة؛ ففي الوقت الذي يرى أن هذا الانسحاب جزء من تحول إستراتيجي أوسع، سيساعد الولايات المتحدة على مواجهة التهديدات المتزايدة، خاصة من روسيا والصين؛ بدا أن الرئيس ترامب قدم القرار على أنه عقاب لعدم التزام ألمانيا بنسب الإنفاق الدفاعي.

وهو القرار الذي تلقى رد فعل في الداخل من الجمهوريين والديمقراطيين وكذلك من الحلفاء، وألمانيا على وجه الخصوص.

ويرى مارتن أن هذه ليست خطوة اقتصادية، حيث إن إعادة نشر القوات داخل الولايات المتحدة تنتج عنه تكلفة أكثر من تكلفة بقائها في الخارج.

وأخيراً، يعتقد مارتن أنه لا يمكن "إلا افتراض أن الاعتبارات الانتخابية في طليعة ذهن الرئيس ترامب؛ لذا فإن مثل هذا الانسحاب ومعاقبة ألمانيا قد يلعب بشكل جيد مع قاعدته الانتخابية".

وتتفق كونلي مع هذا الطرح، وترى أن "الرئيس ترامب يعبر عن رغبته في تسليط الضوء على أن الولايات المتحدة لن تُسرق بعد الآن من قبل الدول الغنية قبل الانتخابات الرئاسية".

جنود أميركيون  خلال تدريبات عسكرية بألمانيا (غيتي)

 

الإنفاق الدفاعي

ويواصل ترامب إساءة فهم مسألة الإنفاق الدفاعي، ولا يزال من غير الواضح إذا كان يفعل ذلك عن قصد أو لأنه لا يفهم كيف يعمل حلف شمال الأطلسي.

ويعتقد غولديغر أن "الإنفاق الدفاعي للحلفاء لا يأتي في شكل رسوم تدفع لحلف شمال الأطلسي أو للولايات المتحدة، كما يقول ترامب في كثير من الأحيان، وبالتالي فإن البيان الذي أدلى به حول كون ألمانيا جنحت بشأن الرسوم لا معنى له".

في حين يرى مارتن أن "هذا ادعاء قديم وخاطئ من الرئيس ترامب. وعندما يذكر أن ألمانيا لم تدفع رسوم حلف الناتو، فإنه يشير إلى حقيقة أن برلين تنفق حاليا أقل من 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، ووعدت بالوصول لهذه النسبة قبل 2024. ونحن أمامنا 4 سنوات إضافية قبل ذلك الموعد النهائي، ولكن هذه النسبة لا تعد مالا مستحقا لحلف الناتو من دوله الأعضاء".

وأشار مارتن إلى أن "هناك ميزانية صغيرة لحلف الناتو (نحو 2.5 مليار دولار سنويا) تسهم فيها جميع الدول الأعضاء، مع مساهمات تستند إلى الدخل القومي لكل بلد. وتدفع ألمانيا أقل قليلاً من 15% من هذه الميزانية، في حين تغطي الولايات المتحدة 22%. وستنخفض حصة الولايات المتحدة قريبا إلى 16%، بعد أن وافق التحالف على صيغة دفع جديدة العام الماضي".

من جانبها، انتقدت هِزَر كونلي الرئيس ترامب واعتبرت أنه "ينظر إلى الحلفاء على أنهم مستأجرون يجب عليهم دفع رسوم أو إيجار للولايات المتحدة مقابل الحماية العسكرية الأميركية".

وترى كونلي أن الولايات المتحدة تستفيد من التحالف بشكل كبير، وفي الوقت الذي "يجب على الحلفاء زيادة إسهاماتهم في الأمن المشترك، لا يبدو أن الولايات المتحدة حاولت التفاوض مع ألمانيا لزيادة إسهاماتها المالية".

الخطوة الأميركية من شأنها إضعاف حلف الناتو (رويترز)

مستقبل الناتو

واتفق الخبراء على أن الخطوة الأميركية من شأنها إضعاف حلف الناتو، حيث تُضعف الثقة بين الأعضاء الأوروبيين والولايات المتحدة، خاصة أن القرار اتخذ من دون أي تشاور مسبق.

ويقول وجاريت جوزيف مارتن إن "حلف الناتو تحالف سياسي وعسكري. وعلى الصعيد العسكري لن يكون لهذا الانسحاب تأثير كبير، فنحن -في نهاية الأمر- لا نتحدث إلا عن رقم صغير نسبيا (أقل من 12 ألفا)، وسيعاد تمركز جزء من تلك القوات في أماكن أخرى في أوروبا، مثل إيطاليا وبلجيكا".

ويعتقد مارتن أن الخطوة الأخيرة "لن تؤدي إلا إلى تفاقم التوتر القائم بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين؛ فقد اهتز تماسك حلف شمال الأطلسي في السنوات الأخيرة، مع وجود حجج مستمرة حول تقاسم الأعباء أو الإنفاق الدفاعي أو حول سوريا، ولا تساعد هذه الخطوة الأخيرة من جانب ترامب في تصحيح الخلافات القائمة".

من جانبها، أكدت هِزَر كونلي أن "الجزء الأكبر من القوات الأميركية لن يرجع للولايات المتحدة، حيث من المرجح ألا يأذن الكونغرس أو يسمح بتخصيص أموال كافية لعملية إعادة نشر القوات، التي ستكون مكلفة للغاية. وفي كل الأحوال فلقد لحق الضرر بالفعل بثقة التحالف في الولايات المتحدة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة