قرار محكمة اغتيال الحريري.. كيف سيؤثر على تشكيل الحكومة في لبنان؟

لبنان دخل في دوامة الفراغ السياسي بعد استقالة حكومة حسان دياب (يمين) إثر مظاهرات غاضبة بعد انفجار مرفأ بيروت (الأناضول)
لبنان دخل في دوامة الفراغ السياسي بعد استقالة حكومة حسان دياب (يمين) إثر مظاهرات غاضبة بعد انفجار مرفأ بيروت (الأناضول)

تتسارع الأحداث السياسية في لبنان بوتيرةٍ كبيرة قد تؤثر على مسار تشكيل الحكومة، لا سيما بعد قرار المحكمة الدولية إدانة المتهم سليم عياش التابع لحزب الله في جريمة اغتيال رفيق الحريري.

ومنذ أن قدّم رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب استقالة حكومته بعد أيامٍ من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب الجاري، دخل لبنان مرحلة جديدة من "تصريف الأعمال"، تحت وطأة الظرف السياسي وضغط المجتمع الدولي، الذي يطالب لبنان بإنجاز الإصلاحات وتأليف حكومة من "المستقلين" لا يشارك فيها حزب الله، مقابل فتح باب المساعدات المالية.

والسؤال: كيف سيؤثر قرار المحكمة الدولية على تشكيل الحكومة في لبنان؟ وماذا تخفي الإصلاحات المطلوبة منه دوليًّا؟
يرى الدكتور مصطفى علوش عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل -الذي يرأسه سعد الحريري- أنه حتّى اللحظة لا مؤشرات واضحة لتأثير قرار المحكمة الدولية على مسار تشكيل الحكومة، وأن الأمر يتوقف على موقف حزب الله منه، متوقعًا أن يتجاهله.

لكن علوش يرى أن لقرار المحكمة تداعيات في العلاقات السياسية، استنادًا إلى تصريح الحريري المباشر بتحميل الحزب مسؤولية ارتكاب الجريمة وإشارته إلى أن "زمن التضحيات قد ولّى".

سعد الحريري طالب حزب الله بالتعاون لتنفيذ قرار المحكمة (الأناضول)

لا مواقف رمادية
يقول علوش للجزيرة نت "إن الحريري لا يستطيع اتخاذ مواقف رمادية بعد اليوم، أمام جمهوره أولًا، مما يعني أنه في المدى المنظور لن يكون رئيسًا لحكومة وحدة وطنية يشارك فيها حزب الله".

ووفق علوش، فإن إصرار حزب الله على صوغ حكومة وحدة وطنية هو "مسموم لوضعنا في الواجهة ومن ثم تفشيلنا، لكن المكابرة لن تنفعه على المدى الطويل، في وقت تغيب بوادر تشكيل حكومة جديدة".

وينطلق علوش من المحاور الأساسية للإصلاحات المطلوبة من لبنان، وفي طليعتها ملف الكهرباء، ثمّ ملف النفايات والمياه والخلاف على السدود، وصولًا إلى الإصلاحات البنيوية في القطاعين العام والخاص، اللذين يحتاجان إلى الترميم وتحريرهما من الهيمنة السياسية.

وأضاف "كل هذه الإصلاحات لا يمكن تحقيقها من دون استعادة الدولة سيادتها، لأن إجراء مشاريع طويلة الأمد يحتاج إلى الحياد عن صراعات المنطقة والاستقرار الأمني من دون مغامرات حزب الله، الذي تتخذ إيران من وجوده قاعدةً عسكرية لها"، أمّا إصرار المجتمع الدولي على مطالبة لبنان بالإصلاحات، إلى جانب دفعه في تخليص سيادته من هيمنة إيران وحزب الله، فإنه "يعني الذهاب إلى مزيد من العنف قبل الوصول إلى الاستقرار".

وسيم بزي: الأميركيون يريدون الانقضاض على المبادرة الفرنسية بعد انفتاحها على حزب الله (الجزيرة)

المطالب الدولية
من جهته، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي وسيم بزي (المقرب من حزب الله) أن الحديث عن مطالب "ما يسمي المجتمع الدولي" صار هجينًا في لبنان، لا سيما بعد أن تجلت محاولات الأميركيين للانقضاض على المبادرة الفرنسية، بدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء تواجده في بيروت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، أيّ تضم حزب الله أيضًا، واعترف بوجوده بمجرد لقاء نائب رئيس الحزب محمد رعد".

وقال بزي للجزيرة نت "بعد زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل إلى لبنان، انقلبت المطالب الدولية رأسًا على عقب، وقزّم الأميركيون بشكلٍ واضح وممنهج الدور الفرنسي في لبنان نتيجة انفتاحه على حزب الله، ولقول إن الكلمة الفصل لهم".

وعن الإصلاحات المطلوبة من لبنان، يرى بزي أنها مطلب اللبنانيين قبل المجتمع الدولي، وأن حكومة حسان دياب سبق أن وضعت خطتها الإصلاحية، لكن هذه الإصلاحات -وفق بزي- تخفي أهدافًا سياسية لأميركا وحلفائها في لبنان وخارجه، وأنها عنوان خير يراد منه باطل للنيل من حضور المقاومة في القرار السياسي اللبناني، و"قد استغل هيل قضية انفجار المرفأ للحديث عما أسماه المعابر غير الشرعية والحدود البرية مع سوريا والبحرية مع إسرائيل".

وتابع بزي "الحزب واضح في مطلب تشكيل حكومة سياسية واضحة ومحمية ولها ثقة البرلمان الحالية، وهو يملك الورقة الأقوى في لبنان بمشروعية تمثيله الأكثرية النيابية، كما أن حكومة تصريف الأعمال مستمرة بقوّة الأمر الواقع".

رهان حزب الله
على مستوى حلفاء الحزب، يعتبر عضو المجلس السياسي في التيار الوطني الحر وليد الأشقر أن قرار المحكمة الدولية لن يؤثر على مسار تشكيل الحكومة، وأكد القرار على نظرية حزب الله بعدم تأثير الحكم على اللعبة السياسية في لبنان، ولن تشكل أي ورقة ضغط عليه في الداخل اللبناني".

ويكشف الأشقر للجزيرة نت عن أن ثمّة أطروحات جديدة بدأ التداول بها في أروقة القصر الجمهوري، حول احتمال الذهاب لتشكيل "حكومة أقطاب"، أي تكون ممثلة بقيادات الصف الأول للقوى السياسية الرئيسية في لبنان، وأن هناك تصوّرا آخر حول إمكانية تشكيل حكومة مستقلين يرأسها حسان دياب نفسه.

يقول الأشقر "إن حكومات الوحدة الوطنية أثبتت فشلها في لبنان، لأنها تنقل الصراعات السياسية في مجلس النواب إلى نطاقٍ أضيق ينعكس داخل الحكومة، لكن تبقى للضرورات أحكامها". أما أن يرأس الحريري حكومة غير سياسية تمثل جميع القوى في لبنان، فـ "هذا خيار مستبعد لن يقبل به أحد من الحزب وحلفائه"، وفق عضو المجلس السياسي في التيار الوطني الحر.

وليد الأشقر: قرار المحكمة الدولية لن يؤثر على مسار تشكيل الحكومة (الجزيرة)

الحياد الناشط
على مستوى آخر، برز الاثنين الماضي موقف لافت للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الذي أطلق مذكرة "الحياد الناشط"، في تصويب "مسيحي" غير مباشر ضدّ مشروعية وجود حزب الله وسلاحه، إلى جانب رفض أي طرح خارجي لـ"الميثاق الجديد" كبوابة للتفاوض مع الحزب.

موقف البطريرك يأتي نقيضًا لموقف رئيس التيار الوطني الحر في لبنان جبران باسيل، الذي أعلن رفض تياره مشاركة ما سمّاه "الحصار الخارجي والداخلي على مكون لبناني بأكمله"، أي على حزب الله. فهل أراد البطريرك إحراج باسيل أمام الشارع المسيحي في لبنان ومن خلفه المجتمع الدولي؟

يرفض الأشقر هذا الربط، ويعتبر أن موقف تياره من الحياد واضح، وسبق لباسيل أن عبّر عنه، وأن الوقوف إلى جانب حزب الله في الحصار الدولي الذي يواجهه هو أمر طبيعي، "مثلما وقفنا سابقًا إلى جانب سعد الحريري حين كان مخطوفًا في السعودية عام 2017".

ويعتبر الأشقر أن الإصلاحات المطلوبة من لبنان هي مطلب تياره منذ 10 سنوات في مختلف الملفات. قائلا "لا يحق للمجتمع الدولي أن يخترق سيادة لبنان بفرض شروطه على آلية تشكيل الحكومة، وإذا أراد حكومة مستقلة فليشكلها مع حلفائه".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قال رئيس وزراء لبنان السابق سعد الحريري اليوم إنه يقبل حكم المحكمة الخاصة بلبنان التي أدانت المتهم الرئيس بقضية اغتيال والده رفيق الحريري، ودعا حزب الله لتحمل المسؤولية بعدما أدانت المحكمة أحد أعضائه.

من تابع جلسات المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري والنطق بالحكم يلاحظ أن قضاة المحكمة كرروا عشرات المرات الحديث عن شبكات هواتف بألوان مختلفة، وهذه الألوان تؤشر إلى مدى تورط الأشخاص بالاغتيال.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة