البريكست يدفع آلاف البريطانيين للهجرة نحو أوروبا.. ما وجهاتهم المفضلة؟

هجرة البريطانيين نحو أوروبا ارتفعت بنسبة 30% مباشرة بعد إعلان نتائج استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (الجزيرة نت)
هجرة البريطانيين نحو أوروبا ارتفعت بنسبة 30% مباشرة بعد إعلان نتائج استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (الجزيرة نت)

على بعد أشهر من انتهاء الفترة الانتقالية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يسارع عدد من البريطانيين في الحصول على جنسيات أوروبية مختلفة، تضمن لهم البقاء مواطنين ضمن التكتل الأوروبي، وإن كلفهم ذلك جنسيتهم البريطانية، وهي ظاهرة جديدة. ففي السابق لم يسجَّل عن البريطانيين سعيهم لحمل جواز سفر بلد آخر غير جواز سفر بلادهم أو الهجرة للاستقرار في دول أوروبية أخرى، بل كانت المملكة المتحدة هي حلم الكثير من المهاجرين الأوروبيين.

لكن البريكست وما بعده دفع الآلاف منهم للإقدام على هذه الخطوة، بحسب ما أظهرت دراسة مشتركة لفريق بحثي تابع لجامعة أكسفورد في ألمانيا، من أن 17 ألف مواطن بريطاني قرروا الهجرة من بريطانيا لإحدى الدول الأوروبية، متخلين بذلك عن بلدهم الأم، في ظاهرة غير مسبوقة خصوصا في صفوف البريطانيين المعروفين بتعلقهم ببلدهم وإعجابهم بعراقته.

وتظهر أرقام الدراسة التي نشرت بالتعاون مع مركز "دبليو زيد بي" للعلوم الاجتماعية في ألمانيا، أن هجرة البريطانيين نحو أوروبا ارتفعت بنسبة 30%، مباشرة بعد إعلان نتائج استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سنة 2016، لينتقل بذلك عدد المهاجرين البريطانيين نحو الاتحاد الأوروبي من 57 ألفا ما بين الفترة 2008-2015، إلى 73 ألف مهاجر في الفترة 2016-2018.

وتتحدث الدراسة عن السبب الرئيسي الذي جعل الآلاف من البريطانيين يلجؤون لخيار الهجرة نحو الاتحاد الأوروبي، وهو حالة انعدام اليقين والخوف من المستقبل، وعدم الثقة في أن اقتصاد بلادهم قادر على تحمل تبعات الأزمة الاقتصادية التي سيخلفها الخروج من التكتل الأوروبي.

وتفسّر الدراسة رغبة البريطانيين في الالتحاق بإحدى دول الاتحاد الأوروبي، بالسعي "لتطوير حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والتخفيف من النتائج السلبية للبريكست على حياتهم".

ومن النتائج المثيرة لهذه الدراسة، أن بعض الذين هاجروا من بريطانيا غامروا بتقليص مداخيلهم، ومنهم من وصل إلى بلد الإقامة الجديد من دون أي عرض عمل، فما يهم "هؤلاء هو الحفاظ على هويتهم الأوروبية على المدى الطويل".

وتوقعت الوثيقة نفسها أن يقرر الآلاف من البريطانيين المقيمين حاليا في أوروبا، الاستقرار بشكل دائم داخل التكتل الأوروبي، والتخلي عن بلدهم الأصلي.

ألمانيا الوجهة المفضلة للبريطانيين الراغبين في الاستقرار (الجزيرة نت)

صدمة البريكست

وتتصدر ألمانيا الدول التي يقصدها البريطانيون بغرض الاستقرار، حيث ارتفع عدد المهاجرين البريطانيين نحوها بنسبة 2000% خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2019. ويمكن تفسير اختيار ألمانيا للاستقرار بأسباب اقتصادية محضة، فالبريطانيون يرون في هذا البلد القدرة على الصمود في وجه العواصف المالية.

ولعل هذا السبب هو الذي دفع المستشار المالي ستيف موريسون للانتقال إلى مدينة فرانكفورت الألمانية، وترك الحي المالي في لندن. وفي حديثه مع الجزيرة نت، يدافع ستيف عن خياره بكون "ألمانيا هي الاقتصاد الأقوى في أوروبا، كما أنه بعد البريكست ستصبح مدينة فرانكفورت المركز المالي الأكبر للاتحاد الأوروبي، وهذا يعني فرصا جديدة، بينما سيعاني الحي المالي في لندن بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي".

وليست الأسباب الاقتصادية وحدها ما يدفع البريطانيين للهجرة، فهناك أسباب مرتبطة بـ"البريكست فوبيا" (رهاب البريكست)، كما هو الحال بالنسبة للشاب الأسكتلندي أندرياس ميشيل (20 سنة) الذي قرر الانتقال رفقة أسرته إلى ألمانيا أيضا، بعد أن تم تشخيص إصابته بسرطان الدم، وخشية أن يكون هناك نقص في الأدوية بعد البريكست قرر الانتقال لألمانيا.

يقول أندرياس إنه بعد تشخيص إصابته وبداية تلقيه العلاج في بريطانيا، قرر الانتقال لألمانيا مباشرة بعد الكشف عن نتائج استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، خشية أن يحدث نقص في الأدوية أو العلاجات الضرورية فيها، أو يتم تأخير المواعيد بالنظر لعودة الآلاف من الأطقم الطبية الأوروبية إلى دولهم.

ورغم أن هذه المخاوف ظهر في ما بعد أنها مبالغ فيها، فإنها تعكس حالة التخبط والصدمة التي أصابت البريطانيين مباشرة بعد إعلان الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وإذا كانت ألمانيا هي الوجهة المفضلة للشباب البريطاني الباحث عن عمل أو مستوى معين من التطبيب، فإن إسبانيا تبقى الوجهة المفضلة النهائية للبريطانيين المتقاعدين. ففي سنتين (ما بين 2016 و2018)، هاجر 21 ألف بريطاني نحو إسبانيا، أغلبهم من المتقاعدين الراغبين في نمط عيش أقل صخبا، وأيضا بالنظر إلى سهولة التنقل بين الدول الأوروبية بعد البريكست.

هجرة الأدمغة

وتعليقا على هجرة البريطانيين نحو أوروبا، يحذر الدكتور دانييل أيور الخبير في مؤسسة "دبليو زيد بي" (WZB) للدراسات الاجتماعية في ألمانيا، من أن المملكة المتحدة تواجه حاليا هجرة للأدمغة، "فالشباب البريطاني صوّت وبنسبة كبيرة جدا لصالح البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، لأنه يرى أن مستقبله سيكون أفضل داخل الاتحاد، ولهذا بعد البريكست قرر الهجرة نحو الدول الأوروبية".

ويضيف المتحدث نفسه -في تصريحاته للجزيرة نت- أن ارتفاع المهاجرين من أي بلد يعني بالضرورة أن هذا البلد مقبل على أزمة، إما اقتصادية أو سياسية، ولعل الخوف والاندفاع هو الذي جعل أعداد المهاجرين البريطانيين في تزايد مستمر نحو الدول الأوروبية التي ربما لا تكون أحوالها الاقتصادية أفضل من بريطانيا.

ويضيف الخبير الألماني أن بريطانيا بصدد فقدان أعداد متزايدة من الشباب من ذوي الكفاءة والتعليم العاليين، ومنهم من غامر بالتخلي عن وظائف جيدة فيها في سبيل البقاء جزءا من القارة الأوروبية.

من جهته، يقول دانييل تيلو الأستاذ في جامعة أوكسفورد ومؤلف الدراسة عن هجرة البريطانيين نحو أوروبا، إن "البريكست كان السبب الرئيسي لهجرة البريطانيين بعد 2016″، مفسرا مسارعة أبناء بلده للهجرة نحو أوروبا "بالرغبة في حماية مستقبلهم من النتائج السلبية للبريكست على المملكة المتحدة، سواء اقتصاديا أو اجتماعيا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

رغم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لكن ثقافة الطعام البريطانية ستظل متأثرة بشدة بالمطبخ الأوروبي والجيران الأوروبيين الذين شكلوا ذائقة الطعام الإنجليزية عبر قرون طويلة من التقارب الثقافي وتبادل الأطباق.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة