انفجار مرفأ بيروت.. لاجئون سوريون وفلسطينيون في قلب الكارثة

مشاهد من الأضرار التي لحقت بمنازل الكرنتينا المحاذية لمرفأ بيروت (الجزيرة)
مشاهد من الأضرار التي لحقت بمنازل الكرنتينا المحاذية لمرفأ بيروت (الجزيرة)

على أنقاض منزله المدمّر في منطقة الكرنتينا المحاذية لمرفأ بيروت، يتكئ اللاجئ السوري أحمد حج اصطيفي (47 عامًا)، وهو عاجز عن لملمة مأساته الكبرى، التي أودت بحياة زوجته وابنتيه لطيفة (22 عامًا) وجود (13 عامًا) إثر انفجار المرفأ في 4 أغسطس/آب الجاري.

قال اصطيفي للجزيرة نت، "لجأتُ في عام 2014 من إدلب إلى لبنان لأحمي عائلتي من الدمار والموت، لكنّهما أصرّا على أن يحصدا أرواحنا"، كما روى تفاصيل تلك اللحظات الدامية التي وصفها بـ "الكابوس".

منذ أن لجأ إلى لبنان، يعمل اصطيفي على عربة لبيع الأدوات المنزلية، وقد استأجر دكانًا صغيرًا قرب منزله في الكرنتينا دمره الانفجار.

عاش اصطيفي ظروفًا معيشية صعبة، نظرًا لتدهور الأوضاع الاقتصادية في لبنان وتداعيات انتشار فيروس "كورونا" الذي أثّر بشكل كبير على عمله، غير أنّ انفجار المرفأ، جاء كالضربة القاضية على حياته، ولم يبق من عائلته سوى ابنتيه اللتين أصيبتا بجروحٍ بليغة ديما (14 عامًا) وديانا (17 عامًا).

"قبل وقوع الانفجار، طلبتني إحدى السيدات لإنجاز عملٍ لها، فلبّيتها. وأثناء قيامي بأعمال التنظيف، سمعت فجأة صوت مفرقعات قوية، قبل أن يدوي الانفجار الكبير".

يضيف اصطيفي "حميتُ رأسي وعيني، لأفتحهما على الدمار والأرض الغارقة بدماء الضحايا. ركضت لأساعد المصابين، فطلب مني رجل إحضار بنطال له لأن ثيابه تمزّقت، هرعت إلى منزلي، فوجدته مدمرًا فوق بعضه، وأفراد عائلتي تحت أنقاض الحجر المتراكم بمشهدٍ مروع، فلم أستطع انتشال سوى ديما وديانا، والبقية كنّ جثثًا دامية".

اللاجئ السوري اصطيفي يجلس على أنقاض منزله بعد أن خسر زوجته وابنتيه في انفجار بيروت (الجزيرة)

في منطقة الكرنتينا التي تجلّى فيها هول كارثة الانفجار، بسبب التصاقها بالمرفأ، يعيش مئات اللاجئين السوريين، الذين لم تسلم منازلهم من الدمار وأجسادهم من الإصابات، وعلى بُعد مئات الأمتار من أنقاض منزل أحمد حج، يسكن في الطابق الرابع لإحدى المباني -التي دمرت جزئيا- اللاجئ السوري عبد الرحيم ميليش (60 عامًا) وزوجته جومانة (64 عامًا)، وهما من اللاذقية ولم يُرزقا بأطفال.

يقول ميليش -الذي تحطم زجاج منزله الصغير وجزء من سقفه ومعظم محتوياته- "كنت أعيش في لبنان بمأساة قلّة الرزق والعمل، فجاء هذا الانفجار الرهيب ليدمرنا، وقد أصبنا بجروح ورضوضٍ خلال زيارتنا لجيراننا في ذلك اليوم، ولم نعد نقوى على فعل شيء، ولا على إصلاح منازلنا التي قد نضطر لإخلائها في حال طلب مالكوها ذلك، وأكثر ما أخشاه أن نصبح بلا مأوى".

دفع اللاجئون السوريون في لبنان ثمنًا كبيرًا جراء انفجار مرفأ بيروت بأرواحهم وأجسادهم ومنازلهم، وهو ما يعزز المخاوف من تدهور أوضاعهم المعيشية إلى الأسوأ في بلد ينتظر تدفق المساعدات الخارجية لإعانته بعد وقوع الكارثة.

وفي السياق، تشير المتحدثة باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين السوريين في لبنان (UNHCR) ليزا أبو خالد للجزيرة نت، إلى أن هناك ما لا يقل عن 476 لاجئا سوريًّا بحاجة للمساعدة، وهم إمّا من ضحايا الانفجار أو تضررت منازلهم.

وبحسب الأرقام الأولية، هناك 13 حالة وفاة مؤكدة، و69 حالة قيد التحقق، وأصيب 168 لاجئًا إصابات بعضهم خطرة، وما زال نحو 14 لاجئًا في عداد المفقودين، وفق ليزا أبو خالد.

وأضافت المتحدثة أن عمليات البحث والمسح مستمرة بالتعاون مع الصليب الأحمر وشركاء آخرين من الجمعيات غير الحكومية، ولا يوجد رقم شامل للعائلات السورية التي تحتاج للمساعدة بعد الانفجار، والاستجابة حاليا تقتصر على الإيواء والحماية أو على تقديم المساعدات الطارئة.

اللاجئ عبد الرحيم ميليش وزوجته جومانة يقطنان في منطقة الكرنتينا التي تجلى فيها هول كارثة الانفجار (الجزيرة)

اللاجئون الفلسطينيون يعيشون المأساة
أعداد الإصابات والقتلى في صفوف اللاجئين السوريين تتجاوز بأضعاف اللاجئين الفلسطينيين الذين ينتشرون في بيروت ومحيطها داخل أربعة مخيمات هي صبر وشاتيلا، وبرج البراجنة، ومار إلياس، والضبية. ومع ذلك يعيش هؤلاء مأساة تداعيات الانفجار، وإن كانت الأضرار في مخيماتهم اقتصرت على تحطم الزجاج وتشققات في بعض أبنيتهم المتهالكة.

وقال مدير الهلال الأحمر الفلسطيني في لبنان الدكتور سامر شحادة للجزيرة نت، إن الانفجار أودى بحياة لاجئَينِ فلسطينيين هما فراس الدحويش ومحمد دغيم، وجرح 26 آخرين.

في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت، ترتفع صورة الفلسطيني محمد دغيم (42 عامًا) أمام صالونه الخاص للنساء، مرفقة بعبارة "رحلت باكرا وتركت في قلوبنا غصة".

يقول كامل دغيم -شقيق محمد- للجزيرة نت، إن شقيقه توفي إثر سكتة قلبية نتيجة "قوة عصف الانفجار"، وتابع "رغم مأتمه المهيب في مخيم برج البراجنة، لم يلتفت أحد لنا من المنظمات المعنية بالفلسطينيين، وقد ترك زوجته وأولاده الصغار بمأساة من دون معيل لهم".

انفجار بيروت تسبب بمقتل لاجئَينِ فلسطينيين أحدهما محمد دغيم (الجزيرة)

ويعتبر مدير عام "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين" في لبنان علي هويدي، أنّ ثمة خطرًا داهمًا يلاحق أوضاع اللاجئين في لبنان بعد انفجار المرفأ.

وقال هويدي للجزيرة نت، "نخشى أن تتوقف المساعدات الخارجية للاجئين الفلسطينيين، مقابل ذهابها لمكانٍ آخر في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان على قاعدة الأولويات، كما نخشى رفع منسوب الضغط الأمني على الفلسطينيين داخل المخيمات وفي محيطها بعد إعلان حالة الطوارئ في بيروت، ما ينذر بانفجارها اجتماعيا".

لبنان الذي يضم 12 مخيما فلسطينيا ونحو 156 تجمعا، يوجد فيه ما يقارب 180 ألف فلسطيني، ونحو 28 ألف لاجئ هُجّروا من سوريا إلى لبنان ومعظمهم في وضعٍ معيشي يُرثى له، حيث تأثروا جميعا بانهيار العملة الوطنية اللبنانية والغلاء المعيشي، وبلغت نسبة البطالة في صفوفهم 80%، وفق هويدي.

ورأى المتحدث أنه لا بد من التعاطي مع ملف اللاجئين الفلسطينيين بعد انفجار المرفأ بنظرة مختلفة مع الاحتفاظ بحقهم في رفض التوطين، تفاديا لأي عواقب خطرة، وهم الذين ساهموا في نجدة اللبنانيين، وفتحوا منازلهم لاستقبال المشردين، تعبيرًا عن تضامنهم مع الشعب اللبناني لأن مصابهم واحد، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أن تكتب من خلال الدموع وأنت تحصي جثثا وجرحى ومفقودين، ووجوها تعرفها وأخرى كنت تسمع عنها تنعى على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، فأنت حتما في لبنان، البلد الصغير حيث يختبئ الموت في كل الزوايا.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة