حول أسباب الانتحار في غزة.. الحصار والانقسام الداخلي في قفص الاتهام

قطاع غزة شهد منذ بداية العام الجاري 12 حالة انتحار، وإنقاذ ما بين 3 إلى 5 حالات قبل وفاتهم (شترستوك)
قطاع غزة شهد منذ بداية العام الجاري 12 حالة انتحار، وإنقاذ ما بين 3 إلى 5 حالات قبل وفاتهم (شترستوك)

في غضون ساعات قليلة من الأسبوع الحالي، شهد قطاع غزة أحداثا مأساوية بانتحار 4 أشخاص، مما أعطى أعطت مؤشرا خطيرا على حالة اليأس التي يعيشها مليونا فلسطيني في القطاع الساحلي، يعانون ترديا في مناحي الحياة كافة، جراء الحصار الإسرائيلي والانقسام الداخلي.

ويبدو أن الإقدام على "قتل النفس يأسا من الحياة" لن يتوقف عند الحالات الأربع، بعد أن عبر آخرون علنا عن رغبتهم في الموت، هربا من واقعهم المعيشي السيئ.

ناج من الانتحار
هيثم عرفات (40 عاما)، أحد هؤلاء الذين ضاق بهم العيش، وكتب على صفحته الشخصية على فيسبوك ما يشبه "الوصية"، بعد وقت قصير من انتحار الشاب العشريني سليمان العجوري، وعبّر فيها عن رغبته في قتل نفسه حرقا، وطالب الجميع بمسامحته ورعاية أطفاله.

وشكّل انتحار العجوري صدمة لأصدقائه وذويه، فهو شاب وسيم ومحبوب، وأحد نشطاء حراك "بدنا نعيش" الشبابي، الذي طالب قبل نحو عامين بإنهاء الانقسام وتحسين حياة الناس.

وكانت آخر كلمات العجوري على فيسبوك: "هيا مش محاولة عبث، هيا محاولة خلاص، الشكوى لغير الله مذلة وعند الله تلتقي الخصوم"، قبل أن يقدم على الانتحار بإطلاق النار على نفسه.

وفي حين قضى العجوري إلى ربه، نجحت جهات مختلفة في التواصل مع عرفات، في محاولة لإقناعه بالعدول عن فكرته.

الشاب الغزي هيثم عرفات نجا سابقا من مذبحة "صبرا وشاتيلا" ومؤخرا من الانتحار حرقا (مواقع التواصل)

وقال عرفات للجزيرة نت -وهو الناجي الوحيد من أسرته في مذبحة "صبرا وشاتيلا"- التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان في مطلع ثمانينيات القرن الماضي؛ "لا قيمة لهذه الحياة، فقد عشت سنوات عمري يتيما، والآن لا أستطيع توفير لقمة العيش لأطفالي".

وعرفات هو أحد 5 أطفال نجوا من المذبحة، وتبناهم الرئيس الراحل ياسر عرفات، وعادوا معه إلى قطاع غزة مع تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994.

ويعمل هيثم منذ ذلك الوقت موظفا في السلطة، وتزوج وأنجب بعد معاناة وعلاج، وكان يعيش مستقرا مع زوجته وأطفاله الأربعة، لكن حياته تدهورت شيئا فشيئا في السنوات الست الماضية.

بداية فصول المعاناة -كما يقول هيثم- بدأت بقصف طائرات حربية إسرائيلية عشية الحرب على غزة عام 2014 شحنة من أسماك وطيور الزينة، ومعدات خاصة بتربيتها، كان يجلبها من مصر بغرض التجارة، ليخسر كل رأس ماله.

لكن الأسوأ في حياة عرفات حدث عندما أحالته السلطة الفلسطينية إلى التقاعد المبكر، ضمن إجراءات اتخذتها ضد غزة، ويعتبرها كثيرون عقوبات شملت أيضا خصومات هائلة من رواتب الموظفين.

وكان عرفات يتقاضى 2600 شيكل (حوالي 750 دولارا) راتبا شهريا، ومع إحالته على التقاعد انخفض إلى 1400 شيكل فقط، لا يتسلم منها شيئا منذ 4 أعوام، وتذهب لسداد التزامات مالية للبنك، وديون تراكمت عليه منذ فقدانه رأس ماله في القصف الإسرائيلي.

تقول زوجة عرفات للجزيرة نت -بنبرة حزينة- إنها تخشى على زوجها من الإقدام على الانتحار في أي وقت، فهو يعاني ضغوطا شديدة، وتلقى وعودا من جهات عدة بمساعدته، ولكن من دون تطبيق، على حد قولها.

 

 

الأسباب والحلول
وحسب رصد منظمات حقوقية محلية، فإن قطاع غزة شهد منذ بداية العام الجاري 12 حالة انتحار، إضافة إلى محاولات انتحار من 3 إلى 5 يوميًّا يتم إنقاذ أصحابها قبل أن تؤدي بهم إلى الوفاة.

وأوضح الباحث في "الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان" مصطفى إبراهيم في حديثه للجزيرة نت أن معظم حالات الانتحار خلال السنوات الثلاث الماضية كانت في فئة الشباب، خاصة الذين أعمارهم أقل من 30 عاما، بنسبة تصل إلى 87%، وأكثر من النصف إناث.

ورغم الصدمة التي شكلتها حالات الانتحار المتكررة في غزة، فإنها لا تعد ظاهرة، حسب مختصين أمنيين ونفسيين، وذلك بالاستناد إلى المقاييس الدولية التي تعتمد على النسبة بين عدد الحالات وعدد السكان.

وقال المتحدث باسم الشرطة في غزة العقيد أيمن البطنيجي للجزيرة نت إنه لا ينبغي إثارة حالات الانتحار وإعطاؤها حجما أكبر من حجمها الطبيعي.

وأوضح أن العام الجاري الذي شهد 12 حالة انتحار أفضل بكثير من العام الماضي، الذي شهد 32 حالة، مؤكدا أن "حالات الانتحار التي يُعلن عنها فردية وليست ظاهرة، وهذه الأرقام والأعداد لا تشكل أي خطورة".

وقال البطنيجي "نحن بحاجة إلى التكاتف لحل المشكلات الاجتماعية بالطرق المناسبة، وعدم ترك البعض ضحية لليأس"، مضيفا أن بعض حالات الانتحار ليست لها علاقة بالمال أو حتى بالوضع الاقتصادي، وتحتاج لتدخل من جهات حكومية ومؤسسات أهلية لحل مشاكلها.

 

 

بدورها، أوضحت الخبيرة النفسية ومديرة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة سماح جبر للجزيرة نت أن كل مسببات الإقدام على الانتحار متوفرة في غزة، من حيث انسداد الأفق والفقر والبطالة، إضافة إلى عوامل شخصية فردية تزيد معدل الانتحار كالإدمان والأزمات العاطفية والزوجية.

وما شهدته غزة خلال السنوات الماضية من ضغوط جراء الحروب والحصار والانقسام، أوجد ما يمكن وصفه "بتطبيع الموت"، حيث أصبح الموت طبيعيًّا في نظر كثيرين، ويتساوى مع الحياة التي لم تعد لها قيمة، ويشعر من يتملكه اليأس والرغبة في الموت بأنه بات عبئا، فيقرر إنهاء حياته بيده، وفقًا للدكتورة سماح جبر.

التي اتهمت الطبقة السياسية بالتقصير، وقالت إن السياسات في فلسطين لا تحاكي احتياجات الشباب، مما يجعل مشاركاتهم ضعيفة، وتزيد شعور اليأس وعدم الأهمية.

وتعمل سماح جبر في الوقت الحالي على إعداد خطة وطنية رسمية للمساهمة في الحد من معدلات الانتحار، تركز على دور كل الجهات السياسية والمجتمعية والدينية في منح الشباب القيمة التي يستحقونها، وبث رسائل تعظم قيمة الحياة وتغلظ قتل النفس.


حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة