الشهيد سعدي الغرابلي.. 26 عاما من القهر والإهمال في سجون الاحتلال

محمود الغرابلي حرم من زيارة والده منذ كان في الـ13 من عمره (الجزيرة نت)
محمود الغرابلي حرم من زيارة والده منذ كان في الـ13 من عمره (الجزيرة نت)

لا يتذكر الشاب الثلاثيني محمود سعدي الغرابلي الكثير من ملامح والده الأسير الذي أعلن عن استشهاده أول أمس الاثنين داخل سجنه القابع فيه لنحو ربع قرن.

ومحمود هو أحد 9 أبناء للأسير الشهيد سعدي الغرابلي (75 عاما) حرمتهم دولة الاحتلال الإسرائيلي رعاية أبيهم وحنانه منذ اعتقاله في العام 1994، كما حرمتهم حقهم البسيط في زيارته داخل سجنه الذي التحق فيه بقافلة شهداء الحركة الأسيرة التي بلغت 224 أسيرا شهيدا منذ العام 1967.

وأعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية عن استشهاد الأسير الغرابلي داخل سجنه الذي أمضى فيه 26 عاما.

وتعرض الغرابلي منذ اعتقاله للعزل الانفرادي لنحو 12 عاما متواصلة حرمته قوات الاحتلال خلالها من أبسط حقوقه في العلاج ورؤية الشمس والتواصل مع زملائه الأسرى.

الأسير  الشهيد سعدي الغرابلي تعرض للسجن الانفرادي لمدة 12 عاما حرم خلالها من أبسط حقوقه (مواقع التواصل)

ظروف قاسية
ويقول محمود (31 عاما) للجزيرة نت إن والده كان يتمتع ببنية جسمانية قوية قبل اعتقاله، لكن الظروف القاسية داخل السجن تسببت في إصابته بأمراض عدة وخطيرة، حيث ظل يعاني لسنوات طويلة من أمراض السكر والضغط وسرطان البروستاتا، حتى دخل في حالة موت سريري خلال اليومين الماضيين قبل إعلان استشهاده.

كان محمود طفلا في الرابعة من عمره عندما اعتقلت قوات الاحتلال والده بتهمة قتل ضابط إسرائيلي، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة.

أمسك محمود بصورة شخصية قديمة لوالده، وأخذ يتأملها بعينين دامعتين، وقال "والدتي دائمة الحديث عنه، وعن كرمه وشجاعته، وعاشت سنوات طويلة على أمل أن تراه خارج السجن بين أبنائه وأحفاده".

وكانت آخر مرة رأى فيها محمود والده داخل السجن في زيارة نظمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العام 2006، وتساءل بمرارة "في ذلك الوقت كنت طفلا في الـ13 من عمري، فما الخطر الذي سأشكله على إسرائيل حتى تحرمني من زيارة والدي؟".

وزيادة في معاناة الأسرة لم تسمح إسرائيل منذ ذلك الحين لأحد من أسرة الغرابلي بزيارته سوى زوجته السبعينية، حتى قررت عقب الحرب على غزة في العام 2014 منعها كما فعلت مع أهالي أسرى حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

للغرابلي 9 أبناء ونحو 70 حفيدا حرمهم الاحتلال من رعايته وحنانه (الجزيرة نت)

مناشدات متكررة
وللغرابلي -الذي كان مدرسا قبل أن يتحول للعمل في التجارة- نحو 70 حفيدا لم يروه ولم يسمعوا صوته، لكنهم يسمعون حديث جدتهم الدائم عن صفاته الجميلة وأخلاقه الحسنة.

وقال محمود إن والده كان في سجن داخل السجن، فهو يعاني قهر السجان وآلام الأمراض، وزادت أوجاعه عندما علم باستشهاد شقيقي أحمد الذي كان ضابطا في حرس الرئاسة، وقتلته قوات الاحتلال أثناء اقتحامها مقر الرئاسة في رام الله (المقاطعة) في العام 2002.

ولفترة طويلة لم تترك عائلة الغرابلي بابا إلا طرقته، فناشدت هيئات محلية ودولية الضغط لتحريره، بعد أن اشتدت عليه الأمراض، لكن مناشداتها كانت تصطدم بجدار الرفض الإسرائيلي.

ولا يساور محمود الشك في أن قوات الاحتلال تعمدت قتل والده ببطء عبر سياسة "الإهمال الطبي"، ورفضها إخضاعه للفحوص الطبية اللازمة ومنحه العلاج المناسب.

وقال محمود بحسرة اعتصرت قلبه "في سجون الاحتلال مريض السرطان يعالج بحبة أكامول (علاج الصداع)".

وكما رفضت قوات الاحتلال إدراج الغرابلي في قوائم الأسرى المحررين ضمن "صفقة وفاء الأحرار" المعروفة باسم "صفقة شاليط" في العام 2011 أصرت على بقائه يتلوى من الألم حتى وفاته، وكأنه قرار بإعدامه، بحسب محمود.

محمود الغرابلي يقف إلى جوار لافتة فيها صورة والده في بيت العزاء بمدينة غزة (الجزيرة نت)

قيود على سرير الموت
ومع وفاته، لم تنته معاناة أسرة الغرابلي التي تبدي خشية من تشريح جثته، إذ إن دولة الاحتلال تحتفظ بها، وترفض تسليمها لتُدفن في مسقط رأسه سعدي في غزة.

وقال مدير العلاقات العامة والإعلام في جمعية واعد للأسرى والمحررين في غزة منتصر الناعوق للجزيرة نت إن الغرابلي تعرض خلال سنوات اعتقاله الطويلة "لما لا يمكن وصفه بالظلم والقهر والتعذيب والحرمان، وحتى آخر لحظة من حياته وهو على سرير الموت لم تفارقه قيود الاحتلال حيث كان مكبل الأيدي والقدمين".

وأوضح أن الغرابلي -وهو ثاني أكبر الأسرى عمرا داخل سجون الاحتلال- تعرض لسياسة الإهمال الطبي المتعمدة، وظل شجاعا في مقاومة سجانيه ومقارعتهم وهو على فراش المرض حتى ارتقى شهيدا.

وأكد الناعوق أن مئات الأسرى من بين حوالي 5 آلاف أسير في سجون الاحتلال يعانون من أمراض عدة، والعشرات منهم تنهش أجسادهم الأمراض الخطيرة، والموت يتربص بهم في كل لحظة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أكثر من خمسة آلاف فلسطيني يعيشون اليوم بين مطرقة قضبان سجون الاحتلال وسندان الخشية من انتشار فيروس كورونا، وأكدت مؤسسات حقوقية نقلا عن الأسرى الذين حرموا من زيارات المحامين والأهالي، أن السجانين والمحققين لا يلتزمون بإجراءات الوقاية. تقرير: جيفارا البديري تاريخ البث:2020/4/17

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة