اعتصام نيرتتي بدارفور.. "الأرض النظيفة" تنشد الأمن

المعتصمون يطالبون بوقف هجمات المليشيات وإقالة مسؤولين حكوميين (الجزيرة نت)
المعتصمون يطالبون بوقف هجمات المليشيات وإقالة مسؤولين حكوميين (الجزيرة نت)

لليوم التاسع على التوالي، يعتصم الآلاف من مواطني بلدة نيرتتي الواقعة بولاية وسط دارفور غربي السودان أمام مبنى الحكومة المحلية، في انتظار تلبية مجموعة مطالب دفعوا بها للمسؤولين، على رأسها توفير الأمن وإقالة نافذين في السلطة الولائية.

وتعني نيرتتي بلغة الفور "القطعة المغسولة والنظيفة الخالصة" نسبة لنظافة المكان وروعته، وقد جذبت المدينة ذات الطبيعة الخلابة أنظار السودانيين والعالم أجمع، بالاعتصام السلمي لأهل المنطقة الذين يريدون لها أن تكون مغسولة ونظيفة من الدماء والتفلتات، ويريدون العيش بسلام لفلاحة أراضيهم وزراعتها.

وتعد البلدة واحدة من كبرى المدن المحلية غرب جبل مرة الشهير بمناظره الطبيعية الساحرة، ويمتهن غالب أهاليها الزراعة، لكن معاناتهم هي مع المسلحين الذين يمنعونهم من الفلاحة ويهاجمون المزارعين والنساء العاملات في الحقول ويروعونهن وأحيانا يغتصبونهن، وهو ما دفعهم للاحتماء بالسلطة المحلية وشرطتها أملا في الحماية، لكن دون آذان صاغية.

ومن بين المطالب كذلك إيقاف استخدام الدراجات النارية وجمع السلاح غير المقنن وحماية الموسم الزراعي واسترداد المواشي التي نهبتها المليشيات المسلحة وتقديم الجُناة الذين قيدت ضدهم إجراءات قانونية إلى العدالة، إضافة إلى فتح المسارات لتجاوز الاحتكاكات الناشبة بين الرعُاة والمزارعين.

ولأن الاعتقاد السائد في المنطقة وما حولها هو أن مسؤولي النظام السابق ما زالوا يسيطرون على مفاصل الحكم المحلي ويعرقلون العدالة ويعمدون إلى تفجير الوضع الأمني بشتى الوسائل، فكان المطلب الأكثر إلحاحا بعد فرض الأمن هو إقالة المسؤولين الحكوميين.

مطالب مشروعة

يقول مصعب أحمد -وهو أحد شباب نيرتتي المعتصمين- إنهم قرروا اللجوء إلى الخيار السلمي، خاصة أن المطالب المرفوعة إلى السلطات "مشروعة جدا"، لأن مجتمع دارفور يعتمد على الزراعة والرعي وفي ظل عدم توفر الأمن والانتشار الفوضوي للسلاح، يصعب ممارسة هاتين المهنتين.

وإضافة إلى ذلك يقول إن هناك اعتداءات داخل المدينة من ملثمين يرتدون "الكدمول" -وهو زي من الثقافة الشائعة في دارفور، حيث يرتدي الرجال غطاء يغطي غالب ملامح الوجه- بما يستوجب منعه بشكل رسمي للحيلولة دون تخفي المجرمين.

وفي 4 يوليو/تموز الجاري، أعدت هيئة محامي دارفور تقريرا أوليا عن الوضع في نيرتتي، حذرت فيه من أن التقاعس في الاستجابة لمطالب أهاليها، قد يؤدي إلى تطوير الاعتصام وإنتاج نماذج مماثلة في مناطق أخرى.

واعتبرت الهيئة اعتصام نيرتتي سلوكا متحضرا في المطالبة بالحقوق، وممارسة ديمقراطية يجب أن تستثمر لفعل إيجابي، باتخاذ منصة الاعتصام بداية لمشروع تحضيري لملتقى يبحث قضايا الأمن والسلام، ولإنتاج الحلول لقضايا ومشكلات البلاد القومية مثل قضايا الأمن والسلام المجتمعي.

وبحسب الهيئة، فإنه "منذ عيد الفطر وقعت 48 حادثة وهجوما وجرائم ضد مواطني المنطقة وما جاورها، تم قيد بلاغات جنائية ببعضها وامتنعت الشرطة عن قيد غالبها، ومن الجرائم المرتكبة: القتل والاغتصاب ونهب الأموال والممتلكات ومنع ملاك البساتين من جني ثمارها والاستيلاء عليها وإتلاف المزارع".

ويشير التقرير إلى أن المجموعات المعتدية هم من الرعاة الرحل، و"أن هناك أسرتين معروفتين تمارسان انتهاكات بصورة مستمرة وممنهجة، ارتكب بعض أفرادها جرائم جسيمة وتم الإبلاغ عنها دون أن تطالهم المساءلة والإجراءات الجنائية، وأن ممارسات هؤلاء الأفراد محمية بواسطة الأجهزة النظامية والسلطات المحلية".

العلم السوداني حاضر في الاعتصام (الجزيرة نت)

تحرك المركز

وإزاء الاعتصام الطويل الذي حصد تجاوبا ودعما منقطع النظير من السودانيين، وبعد أن انضمت إليه قوافل من مدن نيالا وزالنجي بدارفور وغيرها، وجدت الحكومة السودانية نفسها أمام حالة تستوجب تدخلها، فوصف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مطالب الأهالي بالمشروعة، ثم قرر أن يبعث وفدا رفيعا للقاء المعتصمين.

وبالفعل، حط الوفد الرسمي رحاله مساء الأحد، ثم انخرط في اجتماعات مع المسؤولين المحليين لأكثر من 8 ساعات، ليفاجؤوا بعدها برفض المعتصمين أن يخاطبهم القادمون، خاصة بعد رؤيتهم الأرتال العسكرية التي رافقت مسؤولي الخرطوم، فهتفوا ضد المشهد مؤكدين أن اعتصامهم السلمي لا يستحق هذا الحشد الأمني. فما كان من الوفد إلا أن قفل راجعا إلى مدينة نيالا ليلا ثم عاد إلى نيرتتي صباحا وخاطب المعتصمين.

ويقول مسؤول الإعلام في مقر الاعتصام مزمل محمد علي -للجزيرة نت- إن غالب المطالب المتعلقة بالتنمية تم الاتفاق مع الوفد الحكومي على تأجيلها لحين التوقيع على اتفاق السلام، بينما قابل المعتصمون بشيء من الارتياح -كما يقول علي- حديث القائد الثاني بالدعم السريع عبد الرحيم دقلو الذي تعهد فيه بتوفير 120 عربة للقبض على المتفلتين. وساهمت القوات المسلحة بـ40 عربة فضلا عن تكوين وزارة الداخلية قوات مشتركة لملاحقة الجناة.

الاعتصام وجد تجاوبا ودعما من جميع السودانيين (الجزيرة نت)

اعتذار وإقالات للمسؤولين

ويؤكد علي أن "قرارات صدرت بإقالة مدير الشرطة المحلية ومديرها التنفيذي ومسؤول الاستخبارات، إلى جانب تنحية قائد المنطقة العسكرية وإبعاد أحد القضاة؛ تجاوبا مع مطالب المعتصمين"، ومع ذلك يشير إلى أن قرار فض الاعتصام لم يتخذ بعد لحين التأكد من إنزال المطالب على الأرض.

ويشير مسؤول الإعلام في الاعتصام إلى تخوف الأهالي من تكرار سيناريو مدينة تلس في جنوب دارفور، والتي شهدت اشتباكات قبلية حين عادت قوات مشتركة أدراجها بعد أيام من نشرها لرعاية اتفاق صلح قبلي.

وفي المقابل، يرى مصعب أن "توفير قائد الدعم السريع سيارات لمواجهة المتفلتين لا يبدو أمرا منطقيا، خاصة إذا كانت الاعتداءات تتم في أحيان كثيرة على يد مليشيات ترتدي زيا نظاميا"، ويعتبر أن هناك تواطؤا من بعض الأطراف الحكومية بدوافع قبلية في أغلب الأحيان، كما أنه لا يوجد التزام بقرار منع الدراجات النارية، وينبّه إلى أن الخطوة المهمة حاليا هي نزع السلاح من أيدي القوات غير النظامية.

وقدّم عضو مجلس السيادة محمد الحسن التعايشي اعتذارا رسميا لأهالي نيرتتي، لتأخر وفد الحكومة في الوصول إليهم إلا بعد مرور 7 أيام من الاعتصام، بينما قالت وزيرة العمل لينا الشيخ إنهم بحثوا خلال اجتماعاتهم المتلاحقة منذ الأحد كيفية توفير الأمن للنساء العاملات في الحقول، وأن الاجتماعات ستتواصل للوصول إلى واقع أفضل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بدأت محاكمة القيادي السوداني السابق علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور السوداني، وهو أول من يُحاكم من بين مطلوبين سودانيين آخرين.

على نسق إيقاعات الغناء والرقصات المحلية، استقبلت مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور قافلة مبادرة "ديل أهلي" بهدف مساعدة المتأثرين في الأحداث التي شهدتها المدينة في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة