الجزائر تسترجع رفات رموز المقاومة من فرنسا.. وماذا بعد؟

بعد احتجاز قسري لأكثر من 170 عاما بمتحف التاريخ الطبيعي بباريس في فرنسا، استقبلت أمس الجزائر رفات 24 شهيدا من رموز المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في منتصف القرن 19، حيث أعدمهم جيش الاستعمار ونكّل بهم، قبل ترحيل رؤوسهم إلى بلاده، بحجة الدراسات الأنثروبولوجية.

ولذلك ظلت قضية استرجاع جماجم هؤلاء الجزائريين من بين مئات آخرين ضمن المطالب الرئيسية المطروحة في مباحثات الذاكرة التاريخية على أعلى مستوى بين سلطات البلدين.

وتُوّجت مساعي الجزائر الجارية منذ تفجير القضية سنة 2011 بإعلان الرئيس عبد المجيد تبون عشية الذكرى 58 للاستقلال إعادة رفات 24 من قادة المقاومة الشعبية، على متن طائرة عسكرية من القوات الجوية الجزائرية، ثم أشرف على استقبالها شخصيّا بمطار هواري بومدين ظهر أمس الجمعة مع قيادة الجيش والفريق الحكومي والبرلماني.

وفي حفل رسمي مهيب، لم يتمالك خلاله الرئيس تبون دموعه وهو ينحني أمام نعوش الشهداء، احتفت الجزائر بعودة أبطالها في عيد الحرية، وسط استعراضات جوية لسرب من الطائرات المقاتلة.

وخصّصت السلطات اليوم السبت للجمهور لإلقاء نظرة على توابيت زعماء المقاومة الشعبية والترحم على أرواحهم الطاهرة، على أن يواروا الثرى غدا الأحد بمربع الشهداء في مقبرة العالية بالعاصمة.

ومن أبرز الأسماء التي تضمنتها الدفعة الأولى من الرفات: الشريف بوبغلة، قائد المقاومة في منطقة القبائل، وعيسى الحمادي، المسؤول العسكري لديه، والشيخ بوزيان قائد ثورة الزعاطشة بالجنوب الشرقي، ومستشاره العسكري موسى الدرقاوي، وكذلك سي مختار بن قويدر التيطراوي، ومحمد بن علال بن مبارك، المسؤول العسكري في عهد الأمير عبد القادر.

الرئيس تبون وقادة الجيش شاركوا في مراسم استقبال رفات قادة المقاومة (مواقع التواصل)


استكمال السيادة

وفي كلمة ألقاها خلال المراسم، قال رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق السعيد شنقريحة "لقد قضى هؤلاء الأبطال أكثر من قرن ونصف قرن في غياهب الاستعمار ظلما وعدوانا، وكانوا محل ابتزاز ومساومة من لوبيات بقايا الاستعمار، دعاة العنصرية، إلى أن تحقق هذا اليوم المميز الذي نستكمل به مقومات سيادتنا".

كما أكد عبد المجيد شيخي -وهو مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلف بالأرشيف الوطني وملف الذاكرة الوطنية- أن "أن الجزائر لن تتراجع أبدا عن مطالبتها باسترجاع أرشيفها المتواجد بفرنسا، لأن الأخيرة لا تملك إرادة حقيقية لطي هذا الملف نهائيا".

وفي التفاعل العام مع الحدث الكبير في الجزائر، كتب الدبلوماسي والوزير السابق محيي الدين عميمور على صفحته الخاصة بموقع فيسبوك "منذ عرفتُ بنبأ قُرب استرجاع الجزائر لعدد من جماجم شهدائها وأنا أتساءل: كيف نجح عبد المجيد تبون في إقناع الفرنسيين بقبول هذه العملية".

واعتبر عميمور ما جرى "خطوة نحو إنجازات أخرى ستختتم عندما تسترجع الجزائر كل ما نُهب منها بشكل مباشر وغير مباشر، أي منذ أن أقرضت حكومة الثورة الفرنسية ما مكّنها من تجاوز معاناتها، ومرورا بثمن الغلال الذي لم تتسلمه الجزائر، ووصولا إلى كل ما نُهب انطلاقا من الغزو الفرنسي في جوان، حتّى تعويض شعبنا عن كل ما عاناه منذ 1830".

أما المرشح الرئاسي السابق عبد القادر بن قرينة، الذي حل ثانيا في الانتخابات الأخيرة، فغرّد قائلا "إننا نحيي كل جهد يُبذل في الوفاء للذاكرة الوطنية واسترداد الحقوق المغتصبة من الاستعمار".

وأضاف "إن هذا الحدث هو إعادة القراءة لمسارنا التحرري وتصحيح الأخطاء الموروثة من مراحل الاستعمار والانحراف، وتذكير لنا بأهمية المقاومة المستمرة من أجل بناء الجزائر الجديدة في ظل الوفاء لقيم الوطن وخيار الشهداء".

عميمور اعتبر ما جرى خطوة ستليها إنجازات أخرى (الجزيرة)

صدفة أم حسابات؟
من جهة أخرى، تساءل المؤرخ محمد أرزقي فرّاد حول السياق الزمني لاسترجاع جماجم الشهداء عما إذا كان استرجاع الرفات تم بمحض الصدفة أم أن هناك حسابات سياسية من قبل السلطات؟

وقال للجزيرة نت إن من الصعب استبعاد البصمة السياسية فيما قد يكون توظيفا للحدث بالتزامن مع العيد الوطني لاستعطاف الرأي العام، "الذي ملأته خيبة كبيرة إزاء محاولات إجهاض الحراك الشعبي"، حسب تعبيره.

واعتبر أن "التوقيت يأتي من أجل استمرار النظام الحالي في الجزائر بشيء من التزيين، وذر الرماد في العيون"، على حد قوله.

أما بالنسبة للجانب الفرنسي، فيعتقد فرّاد أن الوضع أنسبُ للاعتراف بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر لسببين على الأقل؛ أولهما وجود طبقة سياسية جديدة شابة، تريد أن تتخلص من الإرث التاريخي الثقيل، يقودها الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، "الذي تجرأ في حملته الانتخابية على توصيف الاستعمار الفرنسي بالجريمة ضد الإنسانية"، وفق قول المؤرج الجزائري.

أما السبب الثاني، فهو ضغط من وصفهم بالمثقفين الأحرار الذين يشجعون على اعتراف الدولة الفرنسية بجرائمها في الجزائر.

فرّاد قال إنه يمكن بناء علاقات ودية بين الجزائر وفرنسا بعد سن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي (الجزيرة)


علاقات ودية

من جانب آخر، وصف فرّاد العملية بأنها خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح لأنها ستحصّن الأجيال بالوعي التاريخي الضروري لحماية الوطن ولبناء المستقبل.

واعتبر أن استعادة جماجم الشهداء من فرنسا تحمل دلالات عميقة على أن الشعب الجزائري قد قاوم بشراسة لإنقاذ وطنه من براثن الاستعمار، لأنها في رأيه "قرينة تؤكد الجرائم الوحشية التي ارتكبها الجيش الفرنسي في حق الجزائريين بجزّ رؤوس قادة الثورات الشعبية وإرسالها إلى متاحف فرنسا، وهي جريمة نكراء لم يرتكبها النازيون حتى"، وفق تعبيره.

غير أنه شدّد على أن استرجاع الرفات هو فقط خطوة أولى في طريق طويل لإعادة الاعتبار لملحمة المقاومة الشعبية، مؤكدا أن سنّ قانون تجريم الاستعمار الفرنسي سيكون بمثابة تتويج لهذا المسعى.

وأكد فرّاد أن "بعض المثقفين الفرنسيين اعترفوا بأن الجرائم الشنيعة التي ارتكبها الجيش الاستعماري تُدرج ضمن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية".

ويرى المؤرخ الجزائري أنه مثل بناء علاقات ودية بين ألمانيا وفرنسا بعد تجريم النازية، يمكن كذلك بناء علاقات ودية بين الجزائر وفرنسا بعد سنّ قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، مشيرا إلى أن "جريمتي تلغيم الحدود الجزائرية، وإجراء تجارب نووية في صحرائها، ما تزالان تحصدان أرواحا بريئة إلى اليوم".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة