27 عاما على إنقاذه سراييفو من الموت.. الجزيرة نت تروي حكايات من حفروا "نفق الحياة"

نفق الحياة الذي أنقذ سراييفو من الموت بعد حصار أكثر من عام من القوات الصربية (رويترز)
نفق الحياة الذي أنقذ سراييفو من الموت بعد حصار أكثر من عام من القوات الصربية (رويترز)

في مثل هذا اليوم، 30 يوليو/تموز 1993، فتحت لمدينة سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك نافذة أمل وشريان حياة لسكان المدينة المحاصرين منذ أبريل/نيسان 1992، بعد أن سيطرت القوات الصربية على الجبال المحيطة بالمدينة، بما مكنهم من السيطرة ناريا على مدرج مطار سراييفو، الذي كان يفصل بين منطقتين يسيطر عليهما الجيش البوسني (دوبرينيا وبوتمير)، فقتل حوالي 500 بوسني برصاص القناصة وهم يحاولون عبور المدرج، ليكونوا ضمن 11 ألفا و541 شخصا ماتوا نتيجة الحصار الذي يعد الأطول في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وهنا تكمن أهمية "نفق الحياة" الذي بدا حفره في تلك الظروف مستحيلا، لكنه أصبح حقيقة تحت الأرض بعد 104 أيام من الحفر المتواصل، مما غير معادلة المعركة، وتم إنقاذ نصف مليون بوسني كانوا أمام خيارين، إما الاستسلام للصرب وإما الموت جوعا.

الجزيرة نت التقت عددا ممن عايشوا تلك الأحداث وشاركوا في حفر نفق الحياة، المعلم الذي بقي من حرب البوسنة والهرسك التي استمرت من مارس/آذار 1992 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1995.

الجنرال عصمت حجيتش يستذكر كيف أنقذ نفق الحياة نصف مليون بوسني في سراييفو (الأناضول)

شهادة عسكريين
يقول الجنرال المتقاعد عصمت حجيتش قائد منطقة دوبرنيا في ذلك الحين "تعطلت خطوط الهواتف، وكان العدو يراقب الاتصالات اللاسلكية، فكانت الطريقة الوحيدة للتواصل مع الوحدات العسكرية خارج سراييفو، هي عبور رجالنا مدرج المطار، لكننا فقدنا الكثير منهم برصاص القناصة الصرب، لهذا كان النفق، بحق، طوق النجاة لسراييفو، خاصة بعد إنشاء قضبان حديدية وتسيير عربات لنقل الطعام والأدوية والأسلحة، ومد شبكة لتوصيل الكهرباء للأماكن الحيوية، ثم أنابيب الوقود".

ويضيف حجيتش للجزيرة نت "كنا في معركة غير متكافئة، وبدأ الشك يتسرب إلى نفوس البعض عن قدرتنا على الصمود، لكن بعد حفر النفق، أيقنا جميعا أن سراييفو لن تسقط بإذن الله".

وكان الجنرال الصربي راتكو ميلادتش سئل عن النفق، فقال "نعرفه ويمكننا تدميره، لكننا نتركه حتى يهرب المسلمون عبره من سراييفو، وندخلها بسهولة". عن ذلك يقول الجنرال حجيتش "لم يكونوا يعرفوننا جيدا، بالعكس أدخلنا عبر النفق قوات إضافية جديدة لدعم جبهات القتال".

ويؤكد الجنرال المتقاعد فكرت برفلياك قائد منطقة بوتمير أن النفق لم يكن سببا في نجاة من في سراييفو فقط، بل من هم خارجها أيضا، حيث أُرسل المصابون في المعارك للعلاج في سراييفو، كما أنه تمت الاستفادة من النفق ميدانيا، كما يوضح برفلياك "ذات مرة تعرضنا لهجوم عنيف من الصرب لدرجة أنهم وصلوا إلى جبل إيغمان، فعبرت النفق وحدات عسكرية من سراييفو، وهاجمت القوات المعتدية من الخلف، فأسرعوا بالهروب، ونجونا".

الجنرال فكرت برفلياك عايش لحظات حفر النفق وكيف كان شريان الحياة لسراييفو (مواقع التواصل الاجتماعي)

من فتحوا نافذة الأمل
ولا تكتمل الحكاية دون الاستماع لمن قضوا أياما طوالا تحت الأرض في حفر النفق. المهندس نُصرة خليل باشيتش كان أحدهم، يقول "كنت جنديا في دوبرنيا، ذات يوم جمعنا القائد، وأخبرنا أنه اختارنا للمشاركة في مشروع حفر نفق، وأن هذا سري للغاية لا يجب أن يعرف به أحد حتى أفراد العائلة. كنا نعمل ثماني ساعات يوميا في مناوبات، وكنا نحصل على كرتونة مليئة بالمواد الغذائية، لتقويتنا على العمل. كانت عائلتي تفرح كثيرا عندما أعود إلى البيت حاملا تلك الكرتونة، نفتحها ونجلس معا نأكل ما فيها".

ويضيف باشيتش للجزيرة نت "ذات مرة، نظرت إليّ زوجتي وقالت: ما شاء الله يا نُصرة، تأكل بشهية كبيرة كأنك تعمل في حفر الأرض"، ويعلق ضاحكا "النساء لديهن الحاسة السادسة".

يكمل باشيتش حكايته مع النفق "كنا نعمل من دون توقف، نسابق الزمن للحصول على الحرية، كنا نحلم باللحظة التي سنلتقي فيها بإخواننا الحفارين من بوتمير". ويضيف "في يوم 30 يوليو/تموز كنا في المناوبة الليلية، وأدركت بوصفي مهندسا أنه ربما يحدث اللقاء الليلة، أخبرت زملائي، ففرحوا، وقررنا الاستمرار في العمل وعدم تسليم المناوبة للمجموعة التالية، أردنا أن ننال الشرف". تمتلئ عيناه بالدموع، وهو يقول "كانت لحظة لا تُنسى".

الحفارون ينتظرون بدء المناوبة لحفر النفق (أرشيف متحف النفق)

يستدرك باشيتش "في أثناء العمل الشاق، كانت تأتينا هواجس، ويتساءل البعض: ماذا لو كنا نحفر متباعدين أو في خطين متوازيين؟ سيضيع جهدنا هباء. وكنت أرد مازحا: لو حدث ذلك سيكون لدينا نفقان وليس نفقا واحدا".

يكمل كلامه عن اللحظة التاريخية "كنا نحفر وقبل منتصف الليل بقليل، بدأنا نسمع صوت الحفر يأتي من الجانب الآخر، بدأ الصوت يقترب أكثر، توقفت أنفاسنا للحظة، لم نكن نسمع إلا دقات قلوبنا، وصوت الحفر الذي يقترب. ورغم أننا كنا منهكين من التعب، لكننا شعرنا بالدم يجري في عروقنا من جديد، بدأنا نحفر بجنون ونطرق الأرض. كنا نحن نطرق وهم كذلك، ولم يمض أكثر من نصف ساعة حتى انفتحت أجمل فتحة رأيتها في حياتي، كانت فتحة صغيرة، لكنها كانت كافية لتسعدنا جميعا. لمسنا أيدي إخواننا، وسّعنا الفتحة معا، التقينا، عانق بعضنا بعضا، اختلطت الدموع بالضحكات. أعطونا طعاما كانوا يحملونه معهم، تحسبا للقائنا، كانوا يفكرون فينا طوال الوقت، هل تصدق؟!".

رئيس الوزراء التركي السابق بن علي يلدرم يستعرض صور من حفروا نفق الحياة (وكالة الأناضول)

يعرف قبر أمه
وعن الدور الإنساني للنفق، يقول مدحت كاريتش "أنا مرتبط عاطفيا بالنفق، لقد أصبح جزءا من حياتي، فقد كنت أذهب باستمرار عبر مدرج المطار من بوتمير إلى سراييفو لزيارة أمي التي تعالج هناك. بعد حفر النفق، كنت أزورها بشكل أكثر أمنا".

ويضيف كاريتش للجزيرة نت "توفيت أمي في يناير/كانون الثاني 1994، فأخذت تصريحا، ونقلتها عبر النفق إلى بوتمير، لم يكن الأمر سهلا، لكنها دُفنت في مقابر العائلة، الحمد لله، لولا النفق لما عرفت مكان قبري أمي".

آدس كولار داخل نفق الحياة الذي حفر في بيته وأنقذ سراييفو من الموت في حرب البوسنة (الجزيرة)

صاحب البيت المتحف
أما آدس كولار فهو صاحب البيت الذي بدأ حفر النفق من داخله، ويقول "ذات يوم من شهر أبريل/نيسان 1993 زارنا بعض المسؤولين وأخبروا والدي أنهم يحتاجون بيتنا الموجود مباشرة خلف المطار، والذي كنا تركناه لخطورة موقعه، لاستخدامه لغرض أمني، وافق والدي فورا، وقررنا الإقامة في البيت لنكون في خدمة العمال، كما انضمت جدتي إلينا، كانت تعد القهوة والطعام للحفارين، وبعد تشغيل النفق كانت تستقبل الوافدين من سراييفو عبر النفق، وتقدم لهم الماء وبعض الحلوى".

وعن أغرب ما مر في النفق، يقول كولار للجزيرة نت "عام 1994 وبمناسبة عيد الأضحى، تم إدخال مئات الخراف عبر النفق، لكن الأمر لم يكن سهلا"، ويكمل ضاحكا "اعتمد المسؤولون على نظرية أن القطيع يتبع الكبش قائد القطيع، فأدخلوا الكبش أولا، لكنهم فوجئوا أن باقي الخراف تأبى أن تتبعه إلى النفق، حاولوا بكل الطرق لكنهم فشلوا، فاضطروا لحمل كل خروف إلى أول النفق، ثم تركه يمشي وحده".

بيت عائلة كولار الذي حفر فيه نفق الحياة وبات متحفا ومعلما سياحيا (الجزيرة)

رسائل المشاهير إلى العالم
توقفت الحرب، وتحوّل منزل كولار إلى متحف، يقصده السياح لمعايشة تفاصيل حكاية النفق الذي أنقذ مدينة. ويبقى النفق يرسل برسائله إلى العالم عبر من يزوره من مشاهير السياسة والمجتمع، ونجوم الفن أيضا، مثل روبرت دي نيرو، ومورغان فريمان، وكيفين سبيسي، وأورلاندو بلوم، وجولييت بينوش، وغيرهم، زاروا النفق، وسجلوا انطباعاتهم، ومن عند النفق أرسلوا رسائلهم للعالم.

كيفين سبيسي: مع تحياتي المتواضعة لأولئك الذين ساعدوا في جعل هذا النفق ممكنًا.

روبرت دي نيرو: إلى نفق الأمل الكبير، أنت مدهش، تستحق الإعجاب أكثر من روبرت دي نيرو.

أورلاندو بلوم: أنحني تواضعا، الحرب ليست هي الحل. دعونا لا ننسى أبدا. هناك الكثير لنتعلمه من الناس ذوي الجرأة والشجاعة في سراييفو! شكرا جزيلا، وكل الاحترام!

جولييت بينوش: كم هو مدهش ما يمكن أن يفعله الإنسان بأفضل ما يملك لمقاومة الأسوأ. برافو سراييفو!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة