يتم بصفقات مزورة.. كيف يبطل الفلسطينيون تسريب أراضيهم للاحتلال؟

عاطف دغلس-هكذا يعمل الاحتلال على تهويد اراضي الفلسطينيين بالاستيلاء عليها شيئا فشيئا وتحويلها لصالح المستوطنين- بناء جديد في مستوطن ايتمار جنوب
هكذا يعمل الاحتلال على تهويد أراضي الفلسطينيين بالاستيلاء عليها شيئا فشيئا وتحويلها لصالح المستوطنين (الجزيرة)

في جبل خلة حسان بأراضي قرية بدّيا قرب مدينة سلفيت شمال الضفة الغربية ينشط المزارع الفلسطيني يوسف أبو صفية ومعه المئات من أهالي قريته والقرى المجاورة في الدفاع عن أرضهم كي لا تتحول لمستوطنات، فالأرض نجت من قريب من عملية تزوير إسرائيلية تهدف لاستملاكها.

لم تترك إسرائيل وسيلة لسلب الفلسطينيين أرضهم، فعنوة -وبقوة السلاح- استولت على أراض كثيرة وطوَّعت القوانين والأوامر العسكرية لمصادرة أخرى، ولجأت للتزوير ومحاولة الشراء لاستملاك ما تبقى، وهو ما أحبطه الفلسطينيون عبر هيئاتهم القانونية واستعادوا أراضيهم.

وفي تصريح له، أعلن رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف أنهم نجحوا خلال الشهر الماضي بالكشف عن سبع صفقات لتزوير وتسريب أراضٍ فلسطينية لصالح المستوطنين.

ومنذ مطلع يوليو/تموز الجاري -ورغم استفحال فيروس كورونا- يواصل أبو صفية أسبوعيا تصديه للمستوطنين الذين يحاولون منعه من الوصول لأرضه، ويطلق ومعه أهالي قريته ولجان المقاومة الشعبية فعالياتهم الاحتجاجية فوقها.

أرض أبو صفية -وهي قطعتان منفصلتان بمجموع 50 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع)- حاول المستوطنون الالتفاف عليها وعلى أراض أخرى مجاورة وضمها لقطعة أرض ادعوا شراءها.

عاطف دغلس- الفلسطينيون ينظمون الفعاليات المقاومة الشعبية رفضا للاستيلاء على ارضهم- شبان يقفون فوق جبل العرمة جنوب نابلس حيث حاول المستوطنون وضع
شبان يقفون فوق جبل العرمة جنوب نابلس حيث حاول المستوطنون الاستيلاء عليه (الجزيرة)

التفاف إسرائيلي
لأربعة عقود ترجع حكاية الأرض في خلة حسان حين حاولت شركة إسرائيلية تثبيت ملكية قطعة أرض هناك لصالحها، مدعية أنها ابتاعتها من صاحبها، وسعت لمصادرة قطعا بجانبها لمواطنين آخرين.

يقول أبو صفية "حضرت جلسات المحكمة أكثر من 100 مرة منذ عام 1982، وأثبتنا للقاضي أن الشركة الإسرائيلية لم تشترِ الأرض وأنها ابتاعت فقط جزءا منها لا يتعدى 13 دونما من أكثر من 200 دونم من مواطن ضعيف النفس، غرَّر به الاحتلال بطرق ملتوية كما قيل، وحتى هذه لم تثبت لدينا قطعا".

عرفت الصفقة برقم 7131 لقطعة الأرض 73 من أراضي بدّيا، وكسب الأهالي القضية لصالحهم وسجلوا أراضيهم بأسمائهم عام 2013، وربحوا القضية مرة ثانية حين استأنفت الشركة الإسرائيلية الحكم مجددا قبل أشهر قليلة، كما أوقفوا عمليتي تسريب لـ 118 دونما من أراض أخرى في خلة حسان مطلع العام الجاري.

ولهذا لا يغادر أبو صفية والمواطنون في بديا والقرى الخمس المجاورة أراضيهم، رغم تربُّص المستوطنين بهم ومنعهم من الوصول لها، ويقول "هذه الأرض زرعها جدي بأكثر من 200 شجرة زيتون تدر علينا نحو طن زيت سنويا".

وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن الصفقات السبع التي أحبطت تزويرها تعود لأراض بعدة مناطق بالضفة الغربية، وأن المئات من القضايا المشابهة لا يزال ينظر فيها أمام المحاكم الإسرائيلية.

عاطف دغلس- نحو اربعة الاف دونم من أراضي بلدة عقربا جنوب نابلس كشفت بها صفقات التزوير- الضفة الغربية- نابلس- مدخل بلدة عقربا- الجزيرة نت1
نحو 4 آلاف دونم من أراضي بلدة عقربا جنوب نابلس كشفت بها صفقات التزوير (الجزيرة)

التزوير.. كيف يتم؟
يقول مدير الدائرة القانونية في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عايد مُرّار للجزيرة نت، إنهم أفشلوا تزوير نحو 4300 دونم، بينها أربعة آلاف في قرية عقربا شرق نابلس وحدها.

وتتم عمليات التزوير عبر شركات إسرائيلية خاصة لا أفراد، لأن وجود المستوطنين أصلا في أراضي الضفة غير شرعي، ولا يحق لهم الشراء والتملك إلا عبر شركات خاصة، وبغرض إقامة مشاريع وإدارتها وليس للتجارة وفق القانون الأردني الذي تطوِّعه إسرائيل لخدمتها.

وعلى الشركة المشترية أن تحصل على إذن الشراء من مجلس الوزراء، ولكون الإدارة المدنية الإسرائيلية تعتبر نفسها وريثة الحكم الأردني ولا سيما بمناطق "سي" المقدرة بأكثر من 60% من أراضي الضفة وتسيطر إسرائيل عليها أصلا، فتمنح تلك أذونات ويتم تسجيل الأرض بعيدا عن الدوائر الرسمية الفلسطينية "وفق مسلسل احتلالي متكامل".

كما أطالت سلطات الاحتلال أمد الوكالة الدورية التي يتم بها البيع من سنة إلى 15عاما، حيث يكون البائع قد توفي "فالشراء يستهدف كبار السن" ويصعب على الورثة إثبات عكس ذلك بتقادم السنوات.

وحاولت إسرائيل -بعد أن كسب الفلسطينيون عدة قضايا- إقرار "قانون تسوية الأرض" أي توثيق أصحابها لها، وهنا يدعي المستوطن أنه تصرف "بحسن نية" حين صادر الأرض ولم يكن يعرف أنها ملك خاص ويحاول تعويض الفلسطيني، وهو ما لم يحدث.

ووفق مُرّار، يجب على هذه الشركات، ووفقا للقانون، تسجيل الأرض التي تدعي شراءها بوكالة دورية وبالتالي الإعلان للجمهور في صحيفة أو موقع رسمي لعدم الاعتراض، وهنا يبرز دورهم كهيئة وقانونيين بمتابعة القضية مع أصحاب الأرض الفلسطينيين ليعترضوا خلال 45 يوما ويثبتوا عدم البيع في المحاكم العسكرية الإسرائيلية.

قبل قدوم الهيئة، لم يكن بمقدور المواطن إحضار كافة الأوراق وتوفير محامين وخبراء خطوط ومسَّاح، ليثبت ملكيته لأرضه والذي يكلفه أكثر من ثمنها وبالتالي يتكاسل عن المتابعة.

والآن تقوم الهيئة بهذا الدور وتتحرى عن ملكية الأرض عبر خبراء خطوط وبصمات وبإظهار مخططات المساحة، ومن ثم توكيل محامين مختصين لكشف التزوير وإثبات الملكية الفلسطينية لها "ودون تكلفة المواطن بشيء".

نتيجة لذلك، اكتشف أن 95% من طلبات الشركات الإسرائيلية بالشراء "مزورة" وغير قانونية، "فهي إما تنتحل صفة الغير أو تغفل أوراقا رسمية"، حسب مُرّار.

عاطف دغلس- مستوطنة شيلو تزحف تجاه منازل المواطنين الفلسطينيين في بلدة ترمسعيا جنوب نابلس- الضفة الغربية- جنوب نابلس- الجزيرة نت6
مستوطنة شيلو تزحف باتجاه منازل المواطنين الفلسطينيين في بلدة ترمسعيا جنوب نابلس (الجزيرة)

تجيير القوانين
تستخدم إسرائيل قوانين مختلفة أردنية وعثمانية لمصادرة الأرض ووضع اليد عليها، ولكن السيطرة بفعل الأوامر العسكرية يعني استملاك الأرض، ولهذا حرصت الهيئة على أن تظل "رقبة الأرض" باسم أصحابها، فالغرض العسكري لا بد وأن يزول يوما، كما لا يجوز وفق القانون أن يحول الغرض العسكري لخدمة هدف مدني "أي لخدمة الاستيطان".

ولذلك تسلك إسرائيل أسرع الطرق وأرخصها لبناء المستوطنات وفق قانون الأراضي العثماني (الأرض البور)، كما فعلت في ثمانينيات القرن الماضي بالسيطرة على قمم الجبال وشيدت مستوطناتها.

ويقول مُرّار إن المستوطنات تظل بحاجة لطرق وخدمات عامة أخرى ولهذا يلجؤون لاستملاك الأراضي الخاصة للمواطنين "ولو بالتزوير" الذي نعمل لكشفه.

عاطف دغلس-مواطنون من قرية قصرة جنوب نابلس يسيجون ارضهم كي لا تصلها مستوطنة مجدليم في اعلى الجبل- الضفة الغربية- جنوب نابلس-- الجزيرة نت4
فلسطينيون من قرية قصرة جنوب نابلس يسيجون أرضهم كي لا تصلها مستوطنة مجدليم في أعلى الجبل (الجزيرة)

ثغرات القوانين
تصادر إسرائيل 24% (750 ألف دونم) من أراضي الضفة الغربية المقدرة بـ 5500 كيلو متر مربع، وأعلنت 650 ألف دونم مناطق عسكرية مغلقة ثم استخدمتها للاستيطان، بحجة أنها (أراض بور أي غير مستصلحة)، وفق القانون العثماني.

وسيطرت كذلك على 550 ألف دونم كانت تتبع لخزينة المملكة الأردنية، وأغلقت 160 ألف دونم من الأراضي المحايدة لنهر الأردن، لتحول لاحقا نحو 700 ألف دونم محميات طبيعية.

يقول رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف إن إسرائيل لم تكتفِ بكل هذا وسعت للسيطرة على الأراضي الخاصة للمواطنين عبر "صفقات التزوير" والتي تم كشفها وإعادتها لأصحابها.

ويضيف للجزيرة نت "نحن لا نخاف المستقبل، فكل عمليات الشراء التي تدعيها إسرائيل وفق القانون "لم تتجاوز 3 بالألف (0.003)".

وفي المحاكم يبحث الفلسطينيون عن كل ثغرة لإفشال عمليات تهويد الأرض، وعلى الثغور دفاعا عنها يرابطون وفوق ثراها يستميتون.

المصدر : الجزيرة