كيف يؤثر سد النهضة على كهرباء السد العالي بمصر؟

السد العالي في مصر أسهم في توليد الكهرباء وزيادة مساحة الأراضي الزراعية (الجزيرة)
السد العالي في مصر أسهم في توليد الكهرباء وزيادة مساحة الأراضي الزراعية (الجزيرة)

لم يخفف حديث وزير الموارد المائية والري المصري عن مناسيب محطات القياس الرئيسية على منابع النيل، وكذلك مناسيب وتصرفات السد العالي، بأنها "في الحدود الآمنة"؛ قلق المصريين من إمكانية تأثر السد المصري العملاق بعمليات ملء خزان نظيره الإثيوبي.

وعزز هذا القلق إعلان هيئة مياه ولاية الخرطوم خروج محطات نيلية لمياه الشرب من الخدمة جراء الانحسار الشديد للنيل، وتداول سودانيين صورا توضح انخفاض المناسيب، وهو ما انعكس صداه على الجانب المصري، خاصة أنه تزامن مع إعلان إثيوبيا انتهاء التعبئة الأولى من ملء خزان سد النهضة بشكل منفرد.

تلك التطورات أعقبها تأكيد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أنه يتم العمل على تغليظ العقوبة على الإسراف في استخدام المياه وعلى الوصلات المختَلَسة، بما يحقق أهداف مصر في الاستفادة من كل قطرة مياه.

وزاد القلق على السد العالي الأحد الماضي، وذلك بعدما قال المتحدث باسم وزارة الري المصرية محمد السباعي إن بلاده لم تتأثر بالتعبئة الأولية لسد النهضة الإثيوبي، لأنها تعتمد على مخزون احتياطي في بحيرة ناصر (بحيرة السد العالي).

لكن خبراء ومسؤولين سابقين يؤكدون أن توقف السد العالي عن توليد الكهرباء بات مسألة وقت، مؤكدين أن مصر تتحسب لذلك وخفضت على مدى السنوات الماضية اعتمادها على السد العالي، الذي كان يسهم في السابق بما يصل إلى 18% من حاجة مصر للكهرباء، لكنه الآن لم يعد يسهم إلا بأقل من 4%.

أما الأزمة الحقيقية بالنسبة لمصر فترتبط بانخفاض منسوب المياه، وما يستتبعه من نقص إيرادات مصر من مياه النيل التي يُعتمد عليها بشكل أساسي، سواء في الشرب أو ري المزروعات.

خروج السد العالي

وفي الحقيقة، فإن الحديث عن إمكانية خروج السد العالي عن الخدمة، وعدم قدرته على توليد الكهرباء ليس جديدا، حيث ظهر بشكل مفاجئ قبل 4 سنوات، وتحديدا في مايو/أيار 2016، بعد تصريحات وزير الكهرباء المصري أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال زيارتهم محطة كهرباء أسيوط.

وتابع المصريون على الهواء مباشرة وزير الكهرباء وهو يشرح قوة شبكة الكهرباء المصرية، رغم خروج محطتين رئيسيتين من الخدمة، مضيفا أن "السد العالي خرج"، وهنا قاطعه السيسي سريعا، وطلب منه عدم الخوض في هذه التفاصيل، ليرتبك الوزير وينتقل إلى حديث آخر.

ويصل إجمالي القدرة الاسمية للشبكة القومية للكهرباء بمصر إلى نحو 56 ألف ميجاوات بنهاية 2019، مقارنة بنحو 35 ألف ميجاوات خلال 2015، في حين يبلغ إنتاج السد العالي من الكهرباء 2100 ميغاوات من خلال 12 وحدة إنتاج (توربين).

وأسهم السد العالي أيضا -بجانب توليد الكهرباء- في زيادة مساحة الرقعة الزراعية في مصر من 5.5 إلى 7.9 ملايين فدان، وعمل على زراعة محاصيل أكثر إنتاجية وتوفر المياه بشكل منتظم، وعدم ارتباط توفرها بفترات الفيضان.

وأنشئ السد العالي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1960، واكتمل بناؤه بعد 8 سنوات، لكنه افتتح رسميا في عهد الرئيس الراحل أنور السادات عام 1971، بتكلفة نحو مليار دولار، ويبلغ طول السد 3600 متر، وعرض القاعدة 980 مترا، وعرض القمة 40 مترا، والارتفاع 111 مترا، ويتكون جسم السد من 43 مليون متر مكعب من الخرسانة والحديد والمواد الأخرى.

ويمكن أن يمر خلال السد تدفق مائي يصل إلى 11 ألف متر مكعب من الماء في الثانية الواحدة، وكوّن خلفه أكبر بحيرة صناعية في العالم، يبلغ طولها 500 كيلومتر متوسط، وعرضها 10 كيلومترات.

أزمة مياه أم كهرباء

في الوقت الذي قلل فيه خبراء ومسؤولون سابقون -في تصريحات للجزيرة نت- من أثر التعبئة الأولى لخزان سد النهضة، حذّر آخرون من انخفاض قدرة السد العالي على إنتاج الكهرباء، فضلا عن نقص المخزون الإستراتيجي من المياه في بحيرة ناصر خلف السد في العام التالي.

ويقول علاء الظواهري، عضو لجنة التفاوض لسد النهضة، إن "بحيرة ناصر تستطيع تعويض عجز المياه الذي يمكن أن يتسبب فيه سد النهضة، لكن هذا سيؤدي بالطبع إلى تناقص المخزون الإستراتيجي المصري من المياه في البحيرة".

وقال الخبير الإستراتيجي في شؤون المياه بالشرق الأوسط نور عبد المنعم إن "السد العالي يمكن تقسيمه إلى 3 مناسيب: الأول 85 مترا ويسمح بتخزين 30 مليار متر مكعب من المياه، والثاني 175 مترا لتخزين 95 مليار متر مكعب، والثالث 182 مترا لتخزين نحو 27 مليار متر مكعب إضافية".

وفي ما يتعلق بتأثير التخزين الأولي لسد النهضة، أوضح عبد المنعم -في تصريح للجزيرة نت- أن هذه السنة ستمر من دون تأثير من خلال المخزون المرحّل لبحيرة السد العالي من العام السابق، بالإضافة إلى كمية المياه الأخرى القادمة هذا العام، لكن ستبدأ الخطورة العام القادم، في حال بدأت إثيوبيا الملء بكامل سعة الخزان من جانب واحد.

ورهن خبير المياه حجم الضرر بمدة التخزين، قائلا "إذا قلت عن سنتين سيمثل ذلك خطورة عالية على مخزون المياه خلف السد العالي، ولكن إذا امتدت إلى ما بين 7 و10 سنوات سيكون التأثير أقل، مشيرا إلى أن مناط الخلاف هو زمن الملء، وطريقة التشغيل، وهل سيصل إجمالي التصريف السنوي من جسم خزان سد النهضة إلى إجمالي حصة مصر من المياه البالغة 55 مليار متر مكعب؟

المخاطر مستمرة

من جهته، قلّل رئيس قطاع مياه النيل بوزارة الري والموارد المائية الأسبق عبد الفتاح مطاوع من أثر عملية التعبئة الأولى في خزان سد النهضة الإثيوبي؛ لأنها لا تتجاوز 5 مليارات متر مكعب، مضيفا أن "المشكلة الحقيقية تكمن في عدم رغبة الجانب الإثيوبي في التوصل لاتفاق بشأن عملية ملء الخزان البالغة 74 مليار متر مكعب، وما قيمة التوصل لاتفاق غير ملزم لها؟"

وأكد مطاوع في حديثه للجزيرة نت أن المشكلة تكمن في كيفية تخزين الكمية الباقية، وطريقة تشغيل السد الإثيوبي في حالات الجفاف المتوقعة، مشيرا إلى أن عمليات الملء من دون التوصل لاتفاق ثلاثي ستكون لها تأثيرات سالبة، حتى لو كانت قليلة؛ لأنها كما رأينا أثرت على محطات مياه الشرب في السودان.

تخزين المياه لا توليد الكهرباء

بدوره، يقول خبير السدود والمياه محمد حافظ إن "نجاح إثيوبيا في الملء الأول وتخزين نحو 4.9 مليارات متر مكعب من تدفقات فيضان 2020 سيؤثر سلبا على إجمالي حجم الفيضان المنتظر وصوله لبحيرة ناصر خلال أشهر الصيف.

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح حافظ أن حجم العجز المنتظر خلال فترة أشهر الفيضان سينخفض بنحو 7 مليارات متر مكعب، (مجموع 4.9 مليارات متر مكعب تخزين، بالإضافة إلى 2.1 مليار متر مكعب فواقد)، مشيرا إلى أن ما سيتم صبّه ببحيرة ناصر خلال تلك الأشهر يعادل في المتوسط نحو 27 مليار متر مكعب بدلا من 34 مليارا.

وأكد خبير السدود والمياه أنه مع احتمال وصول منسوب بحيرة ناصر لنحو 182 مترا فوق سطح البحر قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول القادم؛ فمن المنتظر ألا تكون هناك أي مشكلة هيدروليكية تمنع تشغيل "توربينات" السد العالي بكل طاقتها على الأقل لمدة عام.

ومع ذلك، يرى حافظ أن خيار التخزين ببحيرة السد العالي هو أهم للدولة المصرية من توليد الكهرباء؛ فمصر لديها اليوم فائض كهربائي يقدر بنحو (22 ألف ميغاوات)، واعتمادها على إنتاج السد العالي أمر ثانوي جدا، لذا ستركز الحكومة المصرية على مرور كميات من المياه تكفي متطلبات الحياة للشعب المصري في أدنى قدر ممكن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أطلقت قوى سياسية مصرية حملة “اسحب توقيعك” لمطالبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإسقاط اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة في الخرطوم عام 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا.

قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن حجم التحديات التي تواجه مصر في قطاع المياه يفرض ضرورة العمل على تحقيق وفرة حقيقية في كميات المياه المستهلكة.

باتت تعبئة سد النهضة الإثيوبي أمرا واقعا، وتحول الجانب الآخر من الخلاف إلى توعد السلطات المصرية لشعبها بعقوبات مغلظة إذا أسرف في استخدام المياه، وسط أصوات داخل البرلمان تهمس بضرورة مساءلة الحكومة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة