خط السيسي الأحمر وقاعدة النفوذ الروسي وفيها قتل القذافي.. سرت بوابة النفط وبؤرة الصراع في ليبيا

قوات الوفاق عززت حشودها في محيط مدينة سرت (رويترز)
قوات الوفاق عززت حشودها في محيط مدينة سرت (رويترز)

"لن نوقف الحملة العسكرية حتى نبسط سيطرتنا على المدن الليبية ونحرر البلاد من مليشيات الفاغنر الروسية والجنجويد السودانية التي تسيطر على الحقول والموانئ النفطية، وعلى سرت والجفرة" هكذا عبرت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا صراحة عن رغبتها في استعادة مدينة سرت من قبضة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

وبينما حكومة الوفاق تواصل إرسال التعزيزات العسكرية إلى تخوم سرت، وصف مصطفى المجعي المتحدث باسم عملية "بركان الغضب" التابعة لحكومة الوفاق أمس الأحد -في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية- الحشد العسكري غرب سرت (450 كيلومترا شرق طرابلس) بغير المسبوق.

ولم يقف حفتر موقف المتفرغ في المعركة التي بات العالم يترقبها منذ أسابيع، فقد واصل نشر مسلحيه ومرتزقة شركة فاغنر الروسية في سرت والجفرة.

وفي الوقت الذي يواصل طرفا الصراع الاحتشاد والاستعداد للمعركة لم يقف الداعمون الدوليون والإقليميون موقف المتفرج، فقد أبدت تركيا تأييدا لاستعادة سرت وعودتها إلى حضن الحكومة المعترف بها دوليا، كما ألمحت واشنطن إلى دعمها الضمني لحكومة الوفاق عبر رفضها المتكرر لإرسال روسيا مقاتلات وطائرات استطلاع وشحن عسكري إلى ليبيا.

وتحسبا للمعركة الكبرى المنتظرة أرسلت روسيا طائرات مقاتلة من طراز سوخوي 24، وعددا من طائرات ميغ 29، إلى قاعدة الجفرة العسكرية (جنوب سرت) إضافة إلى طائرات شحن عسكرية من طراز إليوشن 76، وطائرات استطلاع ومنصات دفاع جوي.

أما مصر (أحد أبرز حلفاء حفتر) فنشطت الفترة الأخيرة على أكثر من خط، فمجلس النواب يتحرك باتجاه التصويت على إعطاء الرئيس عبد الفتاح السيسي تفويضا للتدخل العسكري في ليبيا، كما يحاول الأخير لاستغلال ورقة القبائل لمنح تدخله الصبغة الشرعية، وفقا لمحللين.

ومع ارتفاع وتيرة التحشيد العسكري وتبادل الاتهامات بين الأطراف الليبية، يتبادر سؤال مهم لماذا تتنافس تلك القوى للسيطرة على سرت؟ وما هي الأهمية الإستراتيجية والتاريخية لهذه المدينة؟

تاريخ حافل
تقع سرت منتصف الساحل الليبي وتبعد 450 كيلو مترا شرق العاصمة ونحو 600 كيلومتر غرب بنغازي، وتشير بعض الروايات إلى أن سرت بنيت في القرن العاشر الميلادي على يد الفاطميين على أنقاض مدن فينيقية تعود إلى القرن الرابع الميلادي، وبنيت سرت الحديثة في العهد العثماني غرب سرت التاريخية.

ويتوزع سكان هذه المدينة الإستراتيجية على سبع قبائل عربية، من بينها القذاذفة التي ينحدر منها الرئيس الراحل العقيد معمر القذافي، إلى جانب أولاد سليمان والفرجان التي ينحدر منها حفتر، والمحاميد والجماعات والعمامرة، وبعض قبائل البربر الصغيرة الأخرى.

وخلال الاحتلال الإيطالي شهدت سرت معركة القرضابية الشهيرة عام 1915، والتي هزمها فيها المجاهدون الجيش الإيطالي بقيادة الجنرال أمياني، كما عقد بها أول مؤتمر للوحدة الوطنية في 22 يناير/كانون الثاني 1922 أيام الجهاد ضد الغزو الإيطالي.

ومع وصول القذافي إلى السلطة عام 1969 سعى إلى تحويل المدينة إلى مقر لعدد من الدوائر الحكومية والوزارات المهمة فترة الثمانينيات والتسعينيات، فتطورت فيها حركة العمران، وأنشأ فيها قاعة "وغادوغو" الضخمة للمؤتمرات التي احتضنت مؤتمرات وقمما أفريقية وعربية، بالإضافة إلى المقر الرئيسي لمؤتمر الشعب العام (البرلمان) وقاعدة جوية، وغير ذلك.

وخلال ثورة 17 فبراير/شباط 2011، فر القذافي إلى سرت وأعلن المدينة عاصمة له أول سبتمبر/أيلول 2011 بعد فقدانه السيطرة على طرابلس.

وبعد 15 يوما فقط دخل الثوار سرت، وقامت معركة شرسة مع كتائب القذافي التي قامت بتطويقها بالدبابات واحتجزت من بقي بها من السكان دروعا بشرية، لكن الكتائب انهارت بعد أيام وأصاب المدينة خراب ودمار كبير.

وكما كانت سرت مسقط رأس القذافي أضحت أيضا نهاية حكمه، ومكان قتله يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011.

وبعد مقتل القذافي سيطر تنظيم الدولة على المدينة عام 2015، وأعلنها عاصمة له في شمال أفريقيا، وفي 5 مايو/أيار 2016 أعلنت حكومة الوفاق بدء عملية عسكرية أطلقت عليها "البنيان المرصوص" لاستعادة سرت، وبعد عدة أشهر من القتال نفذت الطائرات الأميركية غارات على مواقع التنظيم داخل المدينة مما مكن القوات الحكومية من حسم المعركة.

أهمية إستراتيجية
في السادس من يناير/كانون الثاني الماضي سيطرت قوات حفتر على سرت بعد هجوم شنته بطائرات مسيرة إماراتية وأسلحة ثقيلة مما اضطر قوات حكومة الوفاق إلى الانسحاب إلى منطقة أبو قرين شرق مصراتة، بهدف ترتيب صفوفها لاستعادة المدينة.

وعلى مسافة 20 مترا تقريبا جنوب المدينة قاعدة القرضابية الجوية والتي دخلتها قوات حفتر بعد سيطرتها على سرت واستخدمتها منطلقا للطائرات المسيرة لقصف حكومة الوفاق.

وغير بعيد نجد قاعدة الجفرة الجوية بموقعها الإستراتيجي وسط ليبيا إذ تبعد نحو 400 كيلومتر جنوب شرق مصراتة وتعد من أكبر القواعد العسكرية، وتنطلق منها طائرات لتنفيذ مهام قتالية واستطلاعية. وشكلت غرفة عمليات رئيسية لقوات حفتر ونقطة وصل مع مناطق شرق ليبيا وتحديدا بنغازي.

كما ترتبط قاعدة الجفرة بمحيط طرابلس وترهونة بطريقين يمر الأول عبر بلدات الشويرف ومزدة وصولا إلى الأصابعة ثم ترهونة، والثاني خط جوي ينطلق من الجفرة إلى بني وليد قرب ترهونة.

وتكمن الأهمية الإستراتيجية لسرت في أنها تتوسط ليبيا وتربط بين الشرق والغرب والجنوب، ومن يسيطر على المدينة يسيطر على منطقة الهلال النفطي شرق البلاد، وفقا للعميد عبد الهادي دراه المتحدث باسم غرفة عمليات سرت والجفرة.

وأضاف دراه -في تصريح للجزيرة نت- للمدينة أهمية سياسية وإستراتيجية كبيرة، لذلك تحاول روسيا اتخاذها موطئ قدم لها في ليبيا، وترسل طائرات ميغ وسوخوي وآلاف المرتزقة، لافتا إلى أن التدخل المصري المحتمل مجرد غض الطرف عن الوجود الروسي.

ومضى قائلا "نحن من قتل القذافي وحرر سرت، ونحن من قضى على تنظيم الدولة في سرت، وقد عقدنا العزم على دحر مشروع حفتر واستعادة السيطرة على سرت" مؤكدا أن قوات الوفاق تركت المجال للحلول السياسية على أمل تجنيب المدينة ويلات الحرب، فإذا لم ينسحب حفتر من المدينة فلن يكون أمامنا سوى استعادة المدينة بالقوة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحدثت قوات الوفاق عن حشد غير مسبوق لمقاتليها غرب سرت استعدادا لعملية عسكرية مرتقبة، بينما أعلنت مصر سعيها لتثبيت الوضع على الأرض والتزامها بالحل السياسي بليبيا بعدما هددت بتدخل عسكري بجارتها الغربية.

19/7/2020

أفادت مصادر بانسحاب المرتزقة الروس من مدينة سرت الليبية وسط مؤشرات على أن قوات حكومة الوفاق قد تشن قريبا عملية عسكرية لاستعادتها، في حين حذر متحدث باسمها الرئيس المصري من مغبة التدخل عسكريا في ليبيا.

15/7/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة