رنتيس نموذجا.. إسرائيل تستكمل مسلسلا بدأ قبل سبعين عاما لنهب أراضي الضفة

أبو صالح قال إن مخططات إسرائيل لضم الضفة الغربية بدأت منذ عقود طويلة
أبو صالح قال إن مخططات إسرائيل لضم الضفة الغربية بدأت منذ عقود طويلة

منذ ولادته عام 1923 حمل أكبر معمري قرية رنتيس الفلسطينية الحاج عمارة وهدان (أبو صالح) أربع بطاقات شخصية تتبع للاستعمار البريطاني ثم الاحتلال الإسرائيلي فالحكم الأردني وصولا إلى بطاقة السلطة الفلسطينية.

ولا يعرف أبو صالح الآن أي بطاقة سيحمل في حال قررت إسرائيل فرض سيادتها على قريته مجددا كما هو متوقع من "مخطط الضم الإسرائيلي للضفة الغربية" بعد خطة السلام الأميركية التي تعرف بـ"صفقة القرن".

وبعد إعلان حكومة بنيامين نتنياهو نيتها تنفيذ "خطة الضم" لمساحات واسعة من أراضي غربي الضفة الغربية وسفوحها الشرقية في الأغوار والبحر الميت مطلع يوليو/تموز المقبل نشر باحثون إسرائيليون نهاية الشهر الماضي خرائط غير رسمية أظهرت رنتيس (غرب رام الله) من بين عشرات القرى المتوقع ضمها إلى "السيادة الإسرائيلية" كاملة.

يجلس أبو صالح في بيته المبني قبل نكبة فلسطين (1948)، والذي علق على جدرانه عدة خرائط رسمها لأراضي قريته تلك التي ما زال نحو ثلاثة آلاف نسمة يعيشون في نطاق ضيق منها الآن، وكذلك التي صادرتها إسرائيل في وقت مبكر من النكبة وقبل احتلال الضفة الغربية بقراها ومدنها في حرب 1967، ويقول إن "مخططات الضم هنا بدأت منذ وقت طويل".

رنتيس واحدة من نحو أربعين قرية فلسطينية على الحدود الغربية للضفة مهددة بفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة (الجزيرة)

وتظهر الخرائط التي وثقها أبو صالح تقسيمات أراضي قريته والقرى المجاورة من قضاء اللد والرملة التي هُجرّت ودمرت في النكبة، وبعض هذه الخرائط انتقلت إلى أهالي رنتيس في الأردن، وأخرى علقت في مدارس القرية كي يتعلم منها الطلبة جغرافيا بلدهم.

ورسم الرجل في نشاطه قبل عقدين أرض رنتيس -التي امتدت على مساحة 40 ألف دونم- مقسومة بخط أسود عرف بـ"خط الهدنة " الذي عزلت وصودرت بموجبه أكثر من ثلثي أراضي القرية في المناطق المحتلة عام 1948 وتبقى للسكان أقل من ثلث ممتلكاتهم في الأراضي المحتلة عام 1967، فيما استمرت المصادرات منها حتى اليوم.

وسجل في كل تقسيم لأراضي قريته التي امتدت حتى السهل الساحلي غربا ويافا شمالا أسماء العائلات المالكة للأرض ومسميات البيارات والحقول وحدودها.

ورغم تقدمه في السن يسأل أبو صالح عن مصيره ومصير باقي أرضه وأبناء قريته في "الضم الجديد" كما يسميه، ولا يلقى جوابا.

خريطة رسمها أبو صالح لأراضي رنتيس مقسومة بخط أسود حيث احتلت ثلثي مساحتها قبل النكبة (الجزيرة)

وعرف أبو صالح كواحد من أبناء القرية الذين هبوا للدفاع عنها وعن القرى المجاورة في النكبة، وقد قاتل إلى جانب القائد الفلسطيني المعروف حسن سلامة الذي استشهد متأثرا بإصابته فيما عرفت بمعركة "رأس العين" في مايو/أيار 1948.

ويقول إن القرية فقدت في سنة 1948 مصدر رزقها في الأراضي السهلية خاصة، و"لم يبق لنا سوى الأرض الجبلية وقليل من الحقول"، فاضطر الأهالي للبحث عن رزقهم ونزحوا إلى الأردن، ثم في الستينيات والسبعينيات إلى دول الخليج العربي، مضيفا أنه "لم يبق فيها سوى 500 من أهلها بعد أن عدّوا أكثر من ألفي نسمة قبل النكبة".

وعمل الرجل مع عائلته في الزراعة قبل مصادرة أرضه، ثم في الورش الصناعية في اللد والرملة وبمدينة يافا خاصة، ويقول "أعرف يافا وشوارعها كلها". وقد رسم خريطة للمدينة ما زالت معلقة في منزله، ويستفيد منها طلاب القرية.

جزء من حقول النفط الذي اكتشف على أرض رنتيس في التسعينيات وتقوم إسرائيل بسحبه (الجزيرة)

ويتابع أبو صالح "أخذتني الغيرة والحسرة على قريتي، وأنا أعرفها على امتدادها حتى حدود الساحل الفلسطيني فرسمتها كي يعي الشباب أرض بلدهم الخصبة الغنية حتى لو حرموا منها".

ويكرر الأهالي هنا بعد عقود جملة "أرضنا في السهل"، و"أرضنا في السهل" كما يقول أبو صالح "12 دونما بجانب سكة الحديد قرب بيارة سعادات وأرض زكي عامر، وكانت مزروعة بالحبوب"، ولعائلته أيضا نحو ألفي دونم في السهل الساحلي، جميعها "ضاعت في مخططات إسرائيل السابقة".

ويقول الشيخ شاكر أبو سليم -وهو أحد أعيان القرية- إن أهالي رنتيس كانوا يعودون إلى أراضيهم حتى السبعينيات كي يتفقدوها، وما زال الكثير منهم يملكون وثائق عثمانية وأردنية بملكية المصادرة منها إبان النكبة وبعد النكسة.

ويعتقد أبو سليم أن الضم الجديد سيستهدف الأراضي بالدرجة الأولى بدون السكان، خاصة أن معظم ما تبقى من هذه القرى أرض جبلية غير مزروعة، ويستندون في ضمها إلى قوانين قديمة بخصوص الأملاك المتروكة، وهي تشكل مكسبا في مصادرتها لصالح التوسع الاستيطاني.

ويستذكر تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي يتابعها يوميا، والتي تقول إن "عشرات آلاف الفلسطينيين في المناطق المهددة بالضم لن يشكلوا عبئا ديمغرافيا على إسرائيل".

وتشير التقديرات الإسرائيلية ذاتها إلى أن نحو مئة ألف فلسطيني ستمسهم مخططات ضم مناطق واسعة في الضفة الغربية.

ويعتقد أبو سليم مع كثيرين أن أهالي القرى المهددة بالضم سيعاملون "كمقيمين في دولة إسرائيل"، يعني كما يُعامل المقدسيون حاليا "أي ليسوا مواطنين".

ويضيف أن "غياب الوضوح يولد قلقا مشروعا بين الناس الذين بقوا في حيرة من أمرهم، ويفكرون في احتمالات الإغلاق عليهم بوابات حديدية كما في قريتي بيت إكسا قضاء القدس وبرطعة قرب جنين شمالا..".

غير أن التجربة تضع الناس في تقديرات أكثر سوءا، فهم يعتقدون أن الضم سيعني مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وتوفير عوامل الطرد للفلسطينيين تدريجيا بالتضييق على مصادر رزقهم ورخص البناء لهم.

ضم النفط أيضا
وفي عام 2004 لم يكتف الاحتلال بمصادرة شبه كاملة لأراضي رنتيس، بل قام بتعديل مسار جدار الفصل الذي بدأ ببنائه "لأسباب أمنية كما أعلن" على المناطق الفاصلة بين أراضي 1948 وأراضي 1967، ليضم هذه المرة مساحات جديدة اكتشفت فيها ثلاثة حقول نفطية على أراضي القرية.

وبينما خططت السلطة الفلسطينية لاستثمار هذه الحقول التي يقدر امتداد أعماقها على مسافات تصل إلى عشرة كيلومترات داخل أراضي الضفة الغربية إلا أن إسرائيل ومنذ سنوات طويلة بدأت بسحب مقدراتها عبر مضخات أرضية وناقلات خاصة.

ويقول رئيس المجلس المحلي لرنتيس حسن وهدان إن المجالس المحلية ليست لديها إجابات عن تساؤلات الناس بشأن مصيرهم، إذ لم تتسلم هذه الهيئات أي خرائط أو تعليمات جديدة من أي طرف فلسطيني أو إسرائيلي.

وحسب وهدان، فإن أهالي رنتيس يعيشون على نحو تسعة آلاف دونم (معظمها مصنفة "ج" تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية حسب اتفاق أوسلو)، ويتلقون خدمات الماء والكهرباء اليوم من شركات إسرائيلية ولكن عبر السلطة الفلسطينية فقط، ودون اتصال مباشر مع الاحتلال.

واستغل الاحتلال جائحة كورونا في الأشهر الأخيرة لهدم بركسات زراعية، كما سبقها بتجريف وإغلاق مدخل القرية الرئيسي، ومنع إقامة طرق زراعية أو أي حركة توسع على الأطراف.

ويقول وهدان إن "كل مواطن من هذا البلد فقد جزءا من أرضه أو كلها منذ النكبة وما زال مهددا بذلك حتى اليوم".


المزيد من سياسة
الأكثر قراءة