أوريان 21: ليبيا.. حفتر وفرنسا من انتكاسة إلى أخرى

ماكرون مع حفتر والسراج خلال اجتماع عقد في 2017 بباريس بشأن ليبيا
ماكرون مع حفتر والسراج خلال اجتماع عقد في 2017 بباريس بشأن ليبيا

يسلط تقرير "أوريان 21" الضوء على تغيّر موازين القوى في ليبيا لصالح حكومة الوفاق، بفضل الدعم التركي وتلاحم قواتها ورفض سكان المنطقة الغربية الدكتاتورية العسكرية، في مقابل انتكاسة فرنسا الداعمة لحفتر.

ويقول التقرير إن الرياح تهب لصالح الائتلاف الحاكم في طرابلس، فقد استعادت قواته عدة مدن من المشير خليفة حفتر. صحيح أن هذا يحدث بدعم تركي، لكن أيضا بمساندة سكان يبدو أنهم يعادون فكرة الدكتاتورية العسكرية.

وقد تحاول القوى الإقليمية والدولية العديدة المتدخلة في ليبيا تجنب احتمال حدوث تصعيد، وأولها فرنسا التي اصطفت إلى جانب حفتر.

إنه وقت الفرح في ساحة الشهداء في طرابلس مساء 19 مايو/أيار، يوم حار من أيام رمضان. لم يتسنّ لسكان العاصمة الليبية الاحتفال منذ وقت طويل. يتُوق سكان طرابلس إلى نصر قريب، بعدما كانوا هدفا لقصف قوات حفتر لعدة أشهر، وأصابهم القلق جراء انتشار فيروس كورونا، بالإضافة إلى معاناتهم من انقطاعات الماء والكهرباء اليومية، وصُعوبات الإمداد وتراكم النفايات المنزلية.

لا أحد يريد أن يضيع فرصة مشاهدة عرض مركبة "بانتسير" الضخمة المضادة للطائرات التي استولت عليها في اليوم السابق قوات فايز السراج (حكومة الوفاق الوطني) في قاعدة الوطية الجوية، المعقل الأخير لحفتر غرب طرابلس.

يختصر نظام الدفاع الجوي الروسي هذا الذي سلمته مؤخرا دولة الإمارات لقوات حفتر، ما حصل في ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة. لقد انقلبت موازين الحرب لصالح قوات حكومة الوفاق، إذ انتقلت المبادرة إلى الصف المقابل، فيما عرف “الجيش الوطني الليبي” نكسة تلو أخرى، يواصل المتحدث باسمه وصفها بأنها “انسحابات تكتيكية”.

الدعم التركي

في غضون أسابيع، استعادت قوات حكومة الوفاق عشرات المدن بإقليم طرابلس، والتي سبق أن أعلنت ولاءها لحفتر قبل الهجوم النّاجح على قاعدة الوطية الجوية الضخمة.

على بعد 50 كيلومترا جنوب شرق طرابلس، تمت محاصرة مدينة ترهونة، آخر معقل لحفتر في الإقليم، إذ أعلن اللواء أسامة الجويلي قائد القطاع العسكري الغربي في حكومة الوفاق الوطني، أن المدينة ستُشكل الهدف التالي لقواته، وقد سيطرت عليها بعد ذلك.

شكّل دعم تركيا العسكري لحكومة الوفاق عاملا حاسما في انتصارات طرابلس. نجحت عمليات القصف التي كانت تقودها طائرات مسيرة سلمتها الإمارات لحفتر ومرتزقة مجموعة “فاغنر” الروسية، قبل التعزيز التدريجي للدعم التركي، في إفشال أية محاولة للسيطرة على طرابلس.

لقد مكنت المشاركة التركية من إعادة الوضع إلى التوازن عبر توفير ثنائية: المخابرات وقصف الطائرات المسيرة. لعبت إذن القدرة على قصف خطوط الإمداد ومراكز القيادة ومواقع تمركز قوات العدو، ليلا ونهارا، دورا حاسما.

بيد أن هذا الانتصار يرجع أولا لقوات حكومة الوفاق الوطني التي نجحت في تجاوز خلافاتها، ورأب خطوط التصدع داخلها، وتنظيم نفسها لمحاربة ما تعتبره خطر إنشاء دكتاتورية عسكرية في بلادها.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة لمن يتحدثون عن الفوضى لتوصيف الوضع في ليبيا -وهم غالبا أنفسهم الذين يعتقدون أن النظام الاستبدادي وحتى العسكري هو البديل الوحيد لهذه “الفوضى”- أن العكس هو الصحيح.

تُبرز هذه الأحداث التطلعات المستمرة للشعب الليبي الذي ترفض غالبيته العظمى النظام العسكري، وهذا ما يتضح أيضا من خلال المشاورات الشعبية التي أجريت عام 2018، في إطار عملية المؤتمر الوطني التي أطلقها الممثل الخاص للأمم المتحدة آنذاك غسّان سلامة.

خيار سياسي

في معقله في برقة (شرق)، بدأت الانتقادات تتردد بخصوص هجوم حفتر، رغم عدم وجود معارضة أو صوت منشق. ففي 27 أبريل/نيسان الماضي، لم يُثر إعلان المُشير كون الشعب “كلّفه بإدارة البلاد” سوى القليل من الردود الإيجابية، تمثلت في بعض المظاهرات الصغيرة التي يبدو أنها من تنظيم أجهزته الأمنية.

علاوة على ذلك، أطلق عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق والداعم التقليدي لحفتر، مبادرته السياسية الخاصة قبل ساعات فقط من ذلك التصريح، والتي تهدف بشكل خاص لتحويل المجلس الرئاسي الحالي إلى مجلس يتألف من رئيس ونائبي رئيس، ينحدر كل واحد منهم من المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا (طرابلس وبرقة وفزّان).

لم يُشر إعلان عقيلة صالح هذا بأي حال من الأحوال إلى “تفويض” حفتر، كما لم يرفض المسؤولون في الغرب هذه المبادرة السياسية، ليس فقط لأنهم يرون فيها إمكانية لإضعاف المعسكر الآخر، بل أيضا لكون البعض منهم يعتبرها أساس خيارٍ سياسي ذي مصداقية للخروج من الأزمة.

يصعب التنبؤ بشأن ما سيحدث في المستقبل، لأن الحرب لم تنته بعد، والمتغيرات كثيرة. لقد شكّلت ليبيا منذ عام 2011 مسرحا لتدخل دولي متزايد، حتى تحولت إلى ما يشبه “صندوق الصوت” الذي يعكس صراعات القوى الإقليمية والدولية وتضارب المصالح بينها.

حتى لو تمكن الليبيون اليوم من إيجاد خيار سياسي لإنهاء الأزمة، فلن يتحقق هذا الخيار في غياب الحد الأدنى من الوحدة، أو على الأقل دون التزام الجهات الخارجية بوقف دعمها العسكري لأطراف النزاع.

ولعل رفض المُشير حفتر الالتزام بوقف إطلاق نار برعاية روسيا وتركيا، وهو ما أعرب عنه في موسكو في منتصف يناير/كانون الثاني، خير مثال على ذلك.

لودريان (يمين) مع حفتر في باريس (رويترز)

الدعم الفرنسي

أما فرنسا التي سارع رئيسها السابق نيكولا ساركوزي إلى اتخاذ قرار الحرب وإسقاط نظام القذافي عام 2011، فلم ترفض فقط إدانة هجوم حفتر في 4 أبريل/نيسان 2019 على طرابلس، بل رفضت بشكل مستمر تحميله مسؤولية الحرب.

لقد حرصت باريس على مدى الأشهر الثلاثة عشر الماضية على عدم أخذ موقف واضح والانحياز لأي من الطرفين، مع غض الطرف عن المُشير ومورده الرئيسي للأسلحة، أي: الإمارات.

فحتى قبل هجوم حفتر، شجّعه دعم باريس -أو ما كان يعتبره هو أنه كذلك- في خياره العسكري. في هذا الصدد، نورد مقتطفا من مقال ورد في صحيفة “لوفيغارو” في 20 مارس/آذار 2019، يبدو أن أهميته زادت مع مرور الوقت.

"قد يخال المرء وهو في مقر الجيش الوطني الليبي، بالقرب من بنغازي شرق ليبيا، أنه في سويسرا. العشب معتنًى به بشكل جيد، والزهور تم سقيها للتو. رجال اللواء حفتر أكثر انضباطا وانفتاحا من مليشيات طرابلس.

تنبعث رائحة جميلة داخل المقر. السّجاد نظيف للغاية ويقدّم الشاي (للضيوف). "لم تزوروني منذ وقت طويل"، هكذا استقبل خليفة حفتر الفارع الطول والواثق من نفسه، جان إيف لو دريان تحت نسر ذهبي ضخم، أحد شعارات ليبيا.

"كنا ننتظر انتصاراتكم!"، ردّ لو دريان بتلقائية سريعة. من الواضح، أن الرجلين يكنّان الاحترام لبعضهما البعض".

يتطلّب هذا المقال الذي يُجسّد تملّق الصّحافة السائدة تجاه الحكومة والانحياز الظاهر للمُشير، وضعه في سياقه. نحن في نهاية مارس/آذار 2019، عندما شنّ حفتر قبل بضعة أسابيع هجوما يهدف لاستعادة السيطرة على جنوب ليبيا.

نجح بضع مئات من رجال “الجيش الوطني العربي الليبي”، تحت قيادة خليفة حفتر وبمساندة الحلفاء المحليين، في أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في المدن الرئيسية في الجنوب.

أدّت حملة التواصل المكثفة التي رافقت العملية والاستقبال الإيجابي الذي حظيت به من قبل السكان -والذين يشعرون أنهم تم التخلي عنهم منذ عام 2011- إلى جعل بعض المراقبين يعتقدون بانتصار واعد ينتظر المُشير.

بالنسبة لفرنسا التي تشارك عسكريا في منطقة الساحل، كانت عملية استعادة جنوب ليبيا من قبل عسكري موضع ترحيب.

كثيرون في وزارة الدفاع وأيضا في محيط الرئيس إيمانويل ماكرون وجان إيف لو دريان، لعبوا ورقة عودة نظام قوي في ليبيا.

لقد كان جان إيف لو دريان -الذي ترك منصبه كوزير للدفاع منذ عامين- واحدا من أصحاب هذه الرؤية باسم “الحرب على الإرهاب”.

ويوضح ذلك تصور فرنسا لمصالحها، بالإضافة إلى مصالح مجمعها العسكري الصناعي، وأهداف حرب جيشها المنخرط بشكل كبير في منطقة الساحل الأفريقي. في أبريل/نيسان 2019، توقعت تحاليل البعض في باريس، ولا سيما من بين مستشاري ماكرون، أن حفتر قادر على استعادة طرابلس خلال أيام قليلة.

فشل المؤتمر الوطني

موازاة مع ذلك، كان المبعوث الأممي غسان سلامة مُنكبّا على تنظيم المؤتمر الوطني الذي كان مقرّرا عقده في 15 أبريل/نيسان في غدامس (400 كلم جنوب طرابلس)، وكان هدف المؤتمر اعتماد ميثاق وطني وخارطة طريق.

لم ينعقد هذا المؤتمر يوم 4 أبريل/نيسان. فبينما كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في زيارة رسمية إلى طرابلس، شنّ حفتر هجومه المفاجئ على العاصمة.

وظهر مجلس الأمن الذي اجتمع في 18 أبريل/نيسان مُنقسما، ويتواصل هذا الانقسام داخل المجلس حتى يومنا هذا، لكن هناك مؤشرات على أن الأمور قد تتغير، بعد الانتكاسات العسكرية للمشير.

فقد أدى إعلان الأخير عن هجوم جوي واسع النطاق واستمرار التعزيزات العسكرية في التدفق إلى كلا المعسكرين، إلى إثارة المخاوف بشأن احتمال تصعيد عسكري خطير، وهو ما يبدو أنه قد زاد من تصميم القوى الإقليمية والدولية على تجنب الأسوأ.

تحرّك الولايات المتحدة

بعد لقائه نظيره الفرنسي والتركي في 19 و20 مايو/أيار، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خفض التصعيد في ليبيا، كما أعلن القادة الروس والأتراك عن اتفاقهم على ضرورة التوصل إلى اتفاق في ليبيا.

ربما كان هذا الاتفاق يهدف بشكل رئيسي إلى تأمين انسحاب مئات من مرتزقة “فاغنر” الذين كانوا يقاتلون إلى جانب القوات الموالية لحفتر جنوبي طرابلس.

هكذا تمكنوا من الوصول إلى مطار بني وليد بأمان قبل أن يغادروا الغرب الليبي جوا في 24 مايو/أيار.

من جانبه، هاتَف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، وبدأ الاتصالات مع حفتر.

بالنسبة للعديد من المراقبين في طرابلس، يؤكد اتصال بومبيو بالسراج أن واشنطن قد استخلصت العِبر من انتكاسات حفتر العسكرية، وأنها كانت على وشك إعادة النظر في حيادها المرن تجاهه.

أمّا روسيا التي لم تُهمل أبدا علاقاتها مع عدد من الجهات الفاعلة في إقليم طرابلس، فقد غيرت من نبرتها تجاه المُشير عبر إدانة “استفتاء” 27 أبريل/نيسان، ومن خلال دعم المبادرة السياسية لعقيلة صالح.

من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان قوس حفتر -على الأقل في شكله الحالي- على وشك الإغلاق.

هل الإمارات مستعدة للتخلي عن دعمها العسكري للمُشير، بدون تحفيز قوي من الولايات المتحدة وفرنسا؟ في هذا الصّدد، يُشكّل طيف إنشاء قواعد إستراتيجية تركية في طرابلس واحتمال استقرار الأتراك هناك على مدى طويل، حُجّة خليفة حفتر الرئيسية لمحاربة “المستعمر العثماني” السابق.

لهذا التّبرير الحسّاس وقعٌ كبير على سكان برقة، وفيهم من لا يدعم الطموحات السياسية للمُشير. كما يُشكّل احتمال تموقع تركي في طرابلس مصدر إزعاج كبير للإمارات ومصر اللتين تريان فيه خطرَ دعمٍ للإخوان المسلمين الليبيين. وعلى غرار القاهرة، ترى باريس في ظهور قوة جديدة في ليبيا، تهديدا لمصالحها الإستراتيجية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

استئناف الحوار السياسي

لا شيء مؤكد. ومن المفارقات أن اللحظة قد تكون مواتية لخفض التصعيد واستئناف المفاوضات السياسية، تحت رعاية الأمم المتحدة.

فكما ذكّرت بذلك ستيفاني ويليامز، الممثلة الخاصة بالنيابة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، في تقريرها الفصلي لمجلس الأمن في 19 مايو/أيار، تُشكل فكرة إعادة هيكلة المجلس الرئاسي حول رئيس ونائبي رئيس أحد الأهداف الواقعية لاستئناف الحوار السياسي، الذي انعقدت الدورة الأولى منه في جنيف في فبراير/شباط.

وقد وافق السراج في 5 مايو/أيار على هذه الهيكلة الجديدة التي تتوافق مع مبادرة رئيس البرلمان بتاريخ 23 أبريل/نيسان.

إن نجاح الدورات القادمة من الحوار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، رهن بمشاركة وانخراط جميع الأطراف الليبية. وإن غياب أو استبعاد أو تهميش أي من الأطراف عن هذا المنتدى السياسي -كما كان الحال في الصخيرات عام 2015- ستكون له نفس العواقب الكارثية على الليبيين.

إنّ الحرب الحالية -على عكس ما يؤكد الكثير من المراقبين- ليست مواجهة بين الشرق والغرب، فإن ساعد التاريخ والجغرافيا وظروف الحياة المادية والبنى الاجتماعية في تشكيل الهويات الإقليمية المختلفة بين طرابلس وبرقة، فإنها هذا لم يمنع من وجود شعور وطني ليبي.

لقد قاوم هذا الشعور بالانتماء إلى نفس الأمة تدمير الدولة، والتدخلات الأجنبية المختلفة، وتسع سنوات من الانقسامات وغياب الاستقرار.

كما أدّى التنوع الكبير للسكان الأصليين (سكان المدن، البدو، سكان الجبال، الأمازيغ، وما إلى ذلك) بالإضافة إلى التشرذم الذي خلّفته حرب سنة 2011، إلى ظهور ثقافة سياسية للتفاوض والتسوية، وهو ما يتجسد في حكومة الوِفاق الوطني في طرابلس. في برقة، تمكنت البنى الاجتماعية المتألفة حول القبائل البدوية الكبيرة، من التكيف بشكل أسهل مع سُلطةٍ هرمية وأسلوبِ حكمٍ عسكري.

ستكون الطريق طويلة ومليئة بالصِّعاب، لكن الهدف ليس مستحيل المنال. أما بالنسبة لجان إيف لو دريان، فإن كان ينتظر الانتصارات المُقبلة لحفتر قبل زيارته مرة أخرى، فيُخشى أنه سيتوجب عليه الانتظار طويلا.

المصدر : أوريان 21

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة