رهان الوقت الضائع.. هل تنجح مبادرة السيسي في إنقاذ حفتر؟

القائد العسكري الليبي خليفة حفتر يسير مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القصر الرئاسي بالقاهرة
القائد العسكري الليبي خليفة حفتر يسير مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القصر الرئاسي بالقاهرة

في قلب القاهرة وبصحبة حليفه المهزوم عسكريا الجنرال الليبي خليفة حفتر، وقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليعلن عن مبادرة سياسية تستهدف إنهاء الصراع في ليبيا.

وخلال مؤتمر صحفي جمعه مع رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح واللواء المتقاعد خليفة حفتر بالقاهرة، أمس السبت، قال السيسي إن "اتفاق القاهرة يهدف إلى ضمان تمثيل عادل لكافة أقاليم ليبيا الثلاثة في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلزام كافة الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة الأجانب من كافة الأراضي الليبية، وتفكيك المليشيات وتسليم أسلحتها".

وأكد السيسي أن قائد الجيش الليبي خليفة حفتر ورئيس برلمان طبرق الليبية عقيلة صالح لديهما التزام بتحقيق مصلحة الشعب الليبي، مؤكدا على أهمية التوصل إلى مبادرة سياسية لإنهاء الصراع في ليبيا.

وعلى الفور، أعلنت الإمارات ترحيبها بمبادرة السيسي، تلتها بقية الدول الداعمة لحفتر -وهي السعودية والبحرين وروسيا وفرنسا- كما أعلنت الولايات المتحدة ترحيبها بالمبادرة، فيما رفضت المبادرة حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، وتركيا الداعم الرئيس لها.

ووقعت الأطراف الليبية في ديسمبر/كانون الأول 2015 اتفاقا سياسيا نتج عنه تشكيل مجلس رئاسي يقود حكومة الوفاق، وإنشاء مجلس أعلى للدولة، لكن حفتر سعى طوال سنوات إلى تعطيله وإسقاطه.

وبدعم من دول عربية -في مقدمتها الإمارات ومصر- وأوروبية -تتقدمها فرنسا- شنت مليشيات حفتر في 4 أبريل/نيسان 2019 هجوما تمكن من حصار العاصمة طرابلس (غرب) وإن لم يتمكن من دخولها، لكن بشكل مفاجئ وعلى مدى أسبوعين فقط، خسرت قواته كل مواقعها في غرب البلاد.

ويؤكد مراقبون أن المبادرة لا قيمة لها، كون نظام السيسي وسيطا غير محايد بين طرفي النزاع في ليبيا، بينما رأى آخرون في المبادرة دليلا على تمسك السيسي بدعم حفتر حتى النهاية.

وقال مراقبون إن هزائم حفتر الأخيرة وانسحابه المتوالي من الغرب الليبي جعل الرهان عليه خاسرا، ولا سيما أن الدول الداعمة له لا تعلن صراحة عن دعمها العسكري خشية اللوم الدولي، كما أن السيسي تحديدا لن يغامر بالدفع بالجيش المصري نحو ليبيا حيث سيواجه حتما رفض جنرالاته لهذه المغامرة، فضلا عن وجود ملفات أخطر تهدد صميم الأمن القومي للبلاد ومنها سد النهضة وأعمال العنف المسلح في سيناء.

بديل حفتر

الباحث المختص في الشأن الليبي علاء فاروق رأى أن مبادرة الرئيس المصري جاءت بعد تواصل وتفاهمات مع الجانبين الفرنسي والإيطالي، بضرورة البحث عن حلول سياسية، ووجود شبه إجماع دولي على رفض الحلول العسكرية في ليبيا.

وتابع فاروق في حديثه للجزيرة نت أن "المبادرة جاءت كذلك عقب هزائم حفتر العسكرية وخسارته لتمركزات إستراتيجية في الغرب الليبي، وآخرها سقوط مدن كانت تمثل غرف عمليات للجنرال الليبي مثل ترهونة".

وأكد فاروق أنه كان من الطبيعي ألا تلقى المبادرة أي قبول عند معسكر الغرب الليبي، خاصة العسكريين منهم، كونها جاءت في توقيت هم فيه متقدمون عسكريا.

ومن غير المستبعد أن تتعرض حكومة الوفاق الليبية لضغوط دولية خاصة من قبل فرنسا وروسيا، لقبول المبادرة المصرية، وفقما يرى فاروق، ولا سيما أن هذه المبادرة هي إعادة تدوير لمبادرة رئيس برلمان طبرق الأخيرة.

وأعرب المتحدث عن دهشته من استمرار رهان النظام المصري على حفتر ومشروعه رغم هزائمه المتتالية، مؤكدا أن حفتر سيختفي من المشهد السياسي والعسكري قريبا، إذ يجري البحث عن بديل مقبول الآن، وربما يتخذ البرلمان مجتمعا قرارا بعزله من باب حفظ ماء الوجه، خاصة مع ارتفاع أصوات في الشرق الليبي ضده وضد خطواته التصعيدية، ومنها خطوة طلب التفويض وتنصيب نفسه حاكما للبلاد.

وختم فاروق حديثه بالتأكيد على أن المبادرة تظل مجرد "إعلان تلفزيوني" حتى يقبلها الطرف الغائب عنها ويتبناها مجلس الأمن الدولي أو بعثة الأمم المتحدة.

معركة صفرية

بدوره قال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية محمود جمال إنه إذا انحصرت سيطرة حفتر على الشرق الليبي فقط وتأزمت كل الطرق للحل السياسي، فإن السيسي يمكن أن يدعم مشروع تقسيم ليبيا إذا فقد الأمل في بقائها موحدة تحت قيادة حفتر، حتى يظل مشروع حفتر هو الذي يسيطر على الجزء الشرقي المتاخم للحدود المصرية، حفاظا على أمن نظام السيسي، فلا بديل حاليا لديه غير الاستمرار في دعم مشروع حفتر داخل ليبيا.

وتابع جمال في تغريده بحسابه الشخصي على تويتر إن "المبادرة التي طرحها السيسي هي محاولة لإنقاذ حفتر، لذا فهو لن يتخلى عنه مهما كانت الأسباب، وحتى لو تخلت عنه الدول الداعمة الأخرى فمعركة تمكين حفتر يعتبرها السيسي معركة صفرية".

وقال في تغريدة أخرى "إذا استطاعت حكومة الوفاق نقل المعارك إلى الشرق لفرض السيطرة الكاملة، ولم يكف الدعم المقدم إلى قوات حفتر لصد قوات الوفاق، فليس من المستبعد أن يتدخل نظام السيسي بشكل مباشر ومعلن بقوات في تلك المعارك، وسُيبرر ذلك التدخل بأنه يأتي حفاظا على الأمن القومي المصري".

مبادرة قومية

أما المحلل السياسي ولاء الدين بكري، فأكد أن موقف مصر لم يكن واضحا منذ إعلان حفتر عن عملية "لبيك طرابلس" لما أسماه تحرير طرابلس في أبريل/نيسان 2019، ولم يصدر أي تصريح رسمي داعم لهذه العملية آنذاك.

وأضاف في منشور على صفحته بموقع فيسبوك أنه كانت هناك أدلة تشير إلى أن من دفعه لهذا العمل "المتهور" هو السعودية، وهو العمل الذي منح تركيا حق دعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

وفسر بكري مبادرة مصر الأخيرة في منشور له في فيسبوك بأنها لا تريد لتركيا أن تستولي على "الكعكة" الليبية بمفردها، كما أن الإمارات تريد عقيلة صالح بديلا لحفتر في التشكيلة السياسية المستقبلية بليبيا.

ولفت إلى ورود عبارة ممثلي الأقاليم الثلاثة في بيان السيسي، وهو دليل على رغبة السيسي في استمرار خضوع المناطق المجاورة لمصر لحليف مأمون الجانب بالنسبة إليه.

وبحسب بكري، فإن حفتر لن يصبح أبدا رئيسا لليبيا ولا حتى السراج في أي حل سياسي عبر انتخابات نزيهة، غير أن مصر تساند حفتر "دفاعا عن أمنها القومي ولها الحق".

واهتم الإعلام الموالي للسلطة في مصر بالترويج للمبادرة المصرية، حيث استضاف المذيع المقرب من السلطة عمرو أديب المتحدثَ باسم قوات حفتر العقيد أحمد المسماري، الذي قال إنهم ينتظرون ردا رسميا من حكومة الوفاق على المبادرة المصرية، مؤكدا أن من سارع برفضها هو رئيس مجلس الدولة الليبية خالد المشري، وهو -في رأيه- لا يمثل الدولة، بل يمثل "التنظيم العالمي للإخوان المسلمين" الذي يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو رفض يتساوى في قيمته مع رد مجلس ثوار ليبيا الممثل لـ"مليشيات إرهابية" متعددة، على حد قوله.

 

وثمّن المسماري المبادرة بالقول إنها أتت بشيئين مهمين لم يردا في اتفاقية الصخيرات وما سبقها، أولهما هو زرع أسس الثقة بين قواعد الشعب الليبي من خلال الحكومة والمجلس الرسمي، لأن الثقة بين الليبيين هي الأساس، برأيه، أما النقطة الثانية فتمثلت في توالي الردود الدولية والعربية المرحبة، على حد قوله، مؤكدا  على "الثقة الكاملة في النوايا المصرية في هذا الاتجاه".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة