بعد أن أصبحت بؤرة الوباء الجديدة.. هذا ما ينتظر أميركا اللاتينية

أميركا اللاتينية باتت أسرع القارات من حيث انتشار فيروس كورونا وأكثرها خطرا (الأناضول)
أميركا اللاتينية باتت أسرع القارات من حيث انتشار فيروس كورونا وأكثرها خطرا (الأناضول)

أكثر من 400 ألف إصابة مؤكدة بفيروس كورونا هي حصيلة ما سجلته قارة أميركا اللاتينية خلال الأسبوع الماضي فقط، بعدما تخطى عدد الإصابات فيها المليونين، ووفياتها زادت على 110 آلاف مع نهاية يونيو/حزيران الجاري رغم أنها آخر قارة وصلها الفيروس.

وقد دخل الفيروس إلى القارة من بابها العريض البرازيل التي أصبحت سريعا ثاني أعلى عدد إصابات ووفيات على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة، ثم انتشر في كافة دول القارة، لتصبح 3 دول منها ضمن قائمة الدول العشر الأكثر تضررا من الفيروس.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما سبب هذا الانتشار السريع؟ ولماذا هذه الأرقام اليومية العالية؟ ولماذا لم تتعلم دول القارة من تجارب من سبقها؟

بؤرة الوباء الجديدة
أعلنت منظمة الصحة العالمية الشهر الماضي قارة أميركا اللاتينية بؤرة جديدة للوباء، وحذرت من الانتشار السريع في دول القارة، وأشارت أكثر من مرة إلى التأخر في اتخاذ الإجراءات الحكومية اللازمة لمواجهة انتشار الفيروس.

ورغم صعوبة الحالة فإنها لم تكن مفاجئة، فالخبراء في مجال الصحة ومنذ بداية انتشار الوباء وقبل وصوله إلى القارة حذروا من خطر السماح لهذا النوع من الفيروسات بالانتشار في قارة لها حيثياتها الخاصة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كقارة أميركا اللاتينية.

لكن هذه النداءات لم تلق الصدى المطلوب من قبل الحكومات التي سمحت بإقامة الكرنفالات التي يشارك فيها الملايين من داخل البلدان وخارجها.

وبعد الانتشار شهدت دول القارة اختلافات في التعامل مع الأزمة، فبينما أسرعت دول كالباراغواي والأرجنتين والأوروغواي إلى اتخاذ قرارات مشددة وسريعة في الإغلاق وفرض العزل والحجر الصحي والاجتماعي تأخرت كثيرا دول كالبرازيل والمكسيك، وشهدت تلك الدول انقسامات سياسية بين حكام تلك البلاد وحكام الولايات بشأن كيفية إدارة الأزمة، في ظل أهمية الاقتصاد لهذه الدول الكبيرة والمنتجة.

لكن النتائج كانت واضحة، فالدول من الفئة الأولى تسجل أرقاما منخفضة جدا في الإصابات والوفيات، أما دول الفئة الثانية فهي الأعلى في إحصاءاتها.

د. روبرت بونيفاسيو يعتقد أن أميركا اللاتينية مقبلة على ركود اقتصادي كبير (من موقع الجامعة الفدرالية في ولاية ميناس جيرايس)

أزمة خلقت أزمات
وانعكس هذا الانتشار السريع للفيروس وواقع الإجراءات والجدل بشأنها بشكل كبير على مواطني دول القارة اللاتينية، وأثّر في كافة مناحي حياتهم.

وبشأن هذا التأثير، يقول الدكتور روبرت بونيفاسيو أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الفدرالية بولاية ميناس جيرايس البرازيلية "كان اتخاذ قرار الحد من الأنشطة الاقتصادية والثقافية والرياضية ضروريا لمواجهة فيروس كورونا، إلا أن تقييم اتخاذ هذا القرار، والاختلاف في الاستجابة لهذه الجائحة من قبل بلدان في القارة كالبرازيل وكولومبيا أثّرا بشكل كبير على ارتدادات الأزمة على السكان".

ويضيف بونيفاسيو للجزيرة نت أن "توقف الاقتصاد زاد الأعباء على المواطنين الأكثر ضعفا في هذه البلدان، ودفعهم تأخر الحكومات في تقديم الدعم اللازم إلى النزول للعمل لتأمين قوت يومهم، وهو ما زاد نسب العدوى وانتشار الفيروس من جهة، وشكّل اضطرابا داخل المجتمع من جهة أخرى".

وأدى إغلاق الاقتصاد إلى فقدان ملايين المواطنين أعمالهم في القارة، ففي البرازيل وحدها أعلنت وزارة الاقتصاد عن فقدان أكثر من مليون و400 ألف شخص عملهم الرسمي منذ انتشار الوباء وحتى نهاية مايو/أيار الماضي، فيما تضرر أكثر من 60 مليون عامل غير رسمي، حيث اضطروا إلى التوقف عن العمل بشكل جزئي أو كامل بسبب الإغلاق، وقدمت الحكومة لكل فرد من هؤلاء مساعدة قدرها 600 ريال برازيلي (111 دولارا)، لتخفيف حجم الكارثة عليهم، وهو ما أثر أيضا على اقتصاد البلاد، وانعكس تدهورا في عملتها.

وأعلن وزير الاقتصاد البرازيلي باولو غيديس أن بلاده اضطرت لضخ ما يعادل تريليون ريال برازيلي (185 مليار دولار) في الاقتصاد لمحاولة الحفاظ عليه ومنعه من الانهيار.

احتجاجات في ظل الجائحة
كسرعة انتشار الفيروس اندلعت احتجاجات وتحركات شعبية في عدد من دول أميركا اللاتينية، اختلفت توجهاتها وأهدافها لكنها توحدت في أسبابها ونتائجها.

وبشأن هذا الموضوع يقول الدكتور روبرت بونيفاسيو للجزيرة نت إنه "على الرغم من أنه ليست هناك أيديولوجية للفيروس، وهو ضار للجميع -اليمين واليسار على السواء- فإن التحركات في الشارع بشأنه حملت أبعادا أيدولوجية، خصوصا في البرازيل، حيث نزل مؤيدو الرئيس بولسونارو المطالب بفتح الاقتصاد إلى الشوارع، وطالبوا حكام الولايات بالتراجع عن خطواتهم المشددة تجاه الأعمال، فيما نزل معارضو الرئيس أيضا للمطالبة باحترام الديمقراطية، والاعتراض على سياسة الرئيس في إدارة الأزمة".

وبشأن دول القارة اللاتينية، يقول بونيفاسيو "اختلفت المطالب بين دولة وأخرى بحسب واقعها، ففي كولومبيا نزل الناس إلى الشوارع للاعتراض على تأخر الحكومة في تقديم المساعدات الاقتصادية لهم، وضعف استجابتها للآثار المترتبة على انتشار الوباء، فيما احتج الأرجنتينيون على استمرار فرض الإغلاق في البلاد والتشدد في الإجراءات الحكومية التي كانت صارمة من البداية".

ويرى بونيفاسيو أن "هذه الاحتجاجات لم تكن بنيوية، وطالبت بتحركات محددة من قبل الحكومات، لذا لا يُرى لها أثر كبير على الأرض في المدى القريب، ولا تثير القلق.

لكنه أضاف "في المدى المتوسط فإن الاستمرار في وجود اضطرابات اقتصادية وسياسية في البلاد، وتفاقم عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والتصرفات الاستبدادية من قبل بعض الحكومات قد يكونان وقودا لاحتجاجات على نطاق أوسع في دول القارة تشبه ما جرى في الولايات المتحدة الأميركية".

ويرى بونيفاسيو أن المستقبل القريب يشير إلى ركود اقتصادي في دول القارة اللاتينية يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة، فيما سيشهد الواقع الاجتماعي ازديادا في مستويات التفاوت الذي تعاني منه أصلا دول القارة، فيما يعتبر ازدياد التوتر السياسي في دول القارة تحديا حقيقيا واختبارا قاسيا للأنظمة الديمقراطية في المنطقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة