السيسي وعد بأن تكون مصر "قد الدنيا" فخسرت أرضا وثروات ونفوذا ومياها

السيسي قدم وعودا كثيرا بالقوة والرخاء لكن الواقع مختلف (وكالة الأناضول)
السيسي قدم وعودا كثيرا بالقوة والرخاء لكن الواقع مختلف (وكالة الأناضول)

7 سنوات مضت على مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013 التي مهدت الطريق للانقلاب العسكري الذي نفذه عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، وقفز بعدها إلى السلطة ليمطر المصريين بالوعود على  مدار 6 سنوات بالرخاء وسعة العيش، وبأن تصبح مصر "قد الدنيا" حسب قوله، فهل كانت النتيجة كذلك على أرض الواقع بعد كل هذه السنوات؟

يبدو أن النتيجة تختلف كثيرا عن الوعود، فحسب مراقبين منيت مصر بـ"خسائر فادحة" لحقت حتى بأرضها وترابها الوطني، فضلا عن ثرواتها القومية، بخلاف تراجع قوتها الناعمة، في حين يصر مؤيدو السلطة على أن مصر شهدت الكثير من الإنجازات.

وبحسب مؤشرات دولية -أبرزها تقارير البنك الدولي- فقد خسرت مصر جزءا من مساحتها الكلية المقدرة حتى عام 2018 بمليون كلم مربع إثر انكماش تدريجي لثرواتها وأراضيها مع صعود السيسي.

ويأتي على رأس ذلك التنازل عن جزيرتي وصنافير في البحر الأحمر لصالح السعودية، بخلاف ألف كلم مربع سيتم اقتطاعها من شبه جزيرة سيناء لصالح مشروع "نيوم" السعودي، إضافة إلى تفريط مصر في بعض حقوقها الاقتصادية بمياه البحر المتوسط حيث حقول واعدة من الغاز الطبيعي.

وبالإضافة إلى التراب الوطني ومياه البحر فإن حصة مصر من مياه نهر النيل المستقرة تاريخيا منذ عقود باتت محل شك بعدما وقّع السيسي اتفاقية 2015 مع إثيوبيا التي أقرت بموافقة مصر على بناء سد النهضة، ثم تأزمت مفاوضات الجانبين حاليا ولا تزال، في حين تتواتر التقارير بشأن تمكين الإمارات من مفاصل الاقتصاد والاستثمارات المصرية.

ليس هذا فحسب، فقد ثارت مؤخرا حالة من الجدل بشأن اعتزام الحكومة التخلص من بعض ديونها ببيع أصول مملوكة للدولة إلى مستثمرين (عرب وأجانب) بالشراكة مع "صندوق مصر السيادي" الذي تم تدشينه مؤخرا.

والشهر الماضي، أعلن البنك المركزي ارتفاع حجم الدين الخارجي المستحق على مصر إلى نحو 112.67 مليار دولار، ليقفز بنسبة تصل إلى 145%، مما كان عليه عند وصول السيسي إلى الحكم، حيث لم يكن يتجاوز 46 مليار دولار.

 

نزيف النقاط
السياسي والمعارض المصري البارز أيمن نور يرى أن مصر في عهد السيسي "تتعرض لنزيف نقاط يتصل بسمعتها وثرواتها وأرضها وفرصها في تحقيق توازن اقتصادي واجتماعي وسياسي في المستقبل، في ظل أوضاع تتردى كل عام عن العام الذي يسبقه".

وفي حديث للجزيرة نت قال نور إن "ما خسرته مصر على مستوى الثروات والأرض والامتداد الجغرافي أقل بكثير مما تحملته من خسارة تتصل بوزنها الإستراتيجي وقيمتها في محيطها الإقليمي والدولي خلال 6 سنوات تصدّر فيها السيسي الحكم".

واعتبر أن قيمة مصر -الكبيرة في أسوأ أوضاعها- "انحدرت إلى نقطة لم يسبق أن تدنت إليها، بعد أن كانت تقود المنطقة، وكانت طرفا دوليا مؤثرا"، مستنكرا في هذا الشأن ما وصفها بـ"تبعية النظام المصري لنظيره الإماراتي"، قائلا إن "هذه التبعية لها تكلفة كبيرة على سمعة مصر وصورتها".

وأضاف أن "الخسائر المادية التي فقدتها مصر نتيجة التنازل عن تيران وصنافير أو المساحة المهدورة في المياه الإقليمية بالبحر المتوسط -في ظل اتفاقات مشبوهة بين النظام وبعض دول جنوب أوروبا مناكفة مع تركيا- تمثل خسائر ضخمة وخطيرة سيتحملها الشعب والأجيال القادمة".

وشدد على أن "هذه الموارد والمساحات المهدورة كان من المفترض أن تخفف حدة الديون والقروض التي ارتفعت بصورة ضخمة وكبيرة في سنوات حكم السيسي".

 

تحذير من التغييب
يذكر أن تراجع قوة مصر الناعمة في السنوات الأخيرة بصورة ملحوظة دفع سامي شرف -وهو أحد مؤسسي المخابرات العامة والسكرتير الشخصي للرئيس الأسبق جمال عبد الناصر- إلى التحذير من التغييب المتعمد للإعلام المصري عبر إفقاده المضمون والرسالة.

وفي مقال بصحيفة "المصري اليوم" العام الماضي قال شرف إن "مصر لم تعد هى مطبعة العرب، ولم يعد مفكروها يشكلون المشهد العملي والفكري والثقافي العربي، وحتى الصحف والقنوات المصرية تراجع دورها الريادي".

وبعد أن كانت مصر قائدة للعمل العربي لعقود بدا أنها تراجعت، حيث اتهمها البعض بالتبعية للسعودية والإمارات نظرا لتلقيها مساعدات كبيرة منهما، كما لوحظ انكفاء الدور المصري ومحدوديته إقليميا، لدرجة أن من توسطت في الصراعات التي رافقت الثورة السودانية العام الماضي كانت إثيوبيا وليست مصر.

انكماش جغرافي
وفي السنوات الأخيرة شهدت المساحة الكلية لمصر انكماشا نادرا، وذلك بعد التنازل لصالح السعودية عن جزيرتي تيران (80 كلم مربعا) وصنافير (33 كلم مربعا) اللتين تعدان مقصدا سياحيا وموقعا إستراتيجيا مهما في البحر الأحمر رغم الرفض الشعبي الواسع.

وكانت للجزيرتين أهمية إستراتيجية كبيرة لدورهما في التأمين الدفاعي الإستراتيجي لسيناء، والمياه الإقليمية المصرية في البحر الأحمر، وتمكينهما مصر من إغلاق خليج العقبة بالكامل في حال اندلاع أي حرب مع إسرائيل.

وبخلاف التنازل عن الجزيرتين، وقعت القاهرة والرياض في 2018 اتفاقية لتطوير أكثر من ألف كلم مربع من الأراضي جنوبي سيناء، لتكون ضمن مشروع "نيوم" السعودي والذي لا يزال يواجه شكوكا وجدلا واسعين ومخاوف من استثمارات إسرائيلية به.

فيما أكدت السلطات المصرية في أكثر من مناسبة أن الجزيرتين "سعودتيان"، فيما سيعد مشروع "نيوم" قبلة للتجارة العالمية لمصر والمملكة والأردن (أحد أضلاع المشروع).

اتفاق 2015 
وفي ظل إصرار إثيوبي على الملء المنفرد لسد النهضة "باتفاق أو بلا اتفاق" حمّل مصريون السيسي مسؤولية التنازل عن الحق التاريخي في مياه النيل بعد توقيعه "اتفاق المبادئ" عام 2015، إذ يعتبر مراقبون التوقيع اعترافا رسميا بحق إثيوبيا في بناء السد، وقفزا على اتفاقيات قديمة تحفظ حصة مصر والبالغة 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل.

وتخطط إثيوبيا للبدء في ملء السد مع حلول أواسط يوليو/تموز المقبل مقابل رفض سوداني- مصري للملء بقرار أحادي من دون اتفاق، فيما تقدمت مصر رسميا بطلب للتدخل الأممي.

 

غاز المتوسط
وفي أواخر 2014 -وبالنيابة عن مجلس النواب (الغائب وقتها)- استهل السيسي فترة حكمه بالتصديق على اتفاقية إطارية مع قبرص بشأن التعاون في تنمية حقول الغاز في مياه البحر المتوسط، والتي أصبحت من أهم احتياطيات الغاز الطبيعي بالعالم.

وفي مايو/أيار 2015 كشف خبير البترول المصري رمضان أبو العلا في تصريحات صحفية أن إقرار الاتفاقية حرم بلاده من حقوقها في حقلي "أفروديت" القبرصي و"ليفياثان" الإسرائيلي اللذين تقدر ثرواتهما بحوالي 200 مليار دولار.

وسبق أن كشف بحث علمي للأكاديمي المصري في معهد ماساتشوستس للتقنية (أميركي) نايل الشافعي أن الحقلين يقعان داخل المياه المصرية الاقتصادية الخالصة.

ونهاية العام الماضي أظهرت وثائق كشفت عنها شبكة الجزيرة بشأن ترسيم الحدود بين مصر واليونان عام 2018 أن السيسي تجاهل اعتراض خارجية بلاده على تنازل مصر عن ٧ آلاف كلم مربع، من بينها ٣ آلاف كلم مربع مقابل للسواحل التركية من حدود مصر المائية، وأصر على استكمال الترسيم.

ورغم تقارب مصر مع اليونان وقبرص وإسرائيل فإن الثلاثي وقّع في غياب مصر مطلع العام الجاري اتفاقا لمد خط أنابيب "شرق المتوسط" لنقل الغاز الطبيعي من شرق المتوسط إلى أوروبا، ليقضي على آمال مصر في التحول إلى منصة إقليمية للغاز.

كما أعلنت القاهرة وتل أبيب في 2018 عن اتفاقية لاستيراد مصر الغاز من إسرائيل تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار على مدار 15 عاما، وذلك من الحقول التي يؤكد مراقبون أنها تخضع لسيادة مصر في الأساس.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة