الفشقة.. منطقة حدودية تهدد ربيع علاقات السودان وإثيوبيا

قوات للجيش السوداني على الحدود مع إثيوبيا (مواقع التواصل)
قوات للجيش السوداني على الحدود مع إثيوبيا (مواقع التواصل)

ما إن وطئت الخرطومَ قدما محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع نائب رئيس مجلس السيادة، السبت الماضي، قادما من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حتى عاود الإثيوبيون مهاجمة أراضي الفشقة السودانية بولاية القضارف.

وفي أحدث التطورات، هاجمت مليشيا "الشفتا" الإثيوبية أراضي المزارعين السودانيين المتاخمة للحدود الإثيوبية نهار الثلاثاء، مما أسفر عن قتيل وجرحى من القوات السودانية التي ردت -حسب مصادر للجزيرة نت- على نيران المدفعية الإثيوبية.

وقال الجيش السوداني إنه تصدى الأحد الماضي لاعتداء من "بعض مكونات القوات الإثيوبية" في موقع الأنفال بالضفة الشرقية لنهر عطبرة في منطقة الفشقة .

وجاءت زيارة حميدتي لإثيوبيا -التي استمرت لثلاثة أيام- بعد هجوم إثيوبي على ذات المنطقة أواخر مايو/أيار الماضي، وأسفر عنه قتلى وجرحى. ووقتها اتهم الجيش السوداني لأول مرة نظيره الإثيوبي بمساندة مليشيا "الشفتا".

جنود سودانيون قرب الحدود مع إثيوبيا (مواقع التواصل)

مخطط إستراتيجي
ويرى مسؤول في إدارة الحدود بولاية القضارف، تحدث للجزيرة نت، أن زيارة حميدتي ليست ذات جدوى في احتواء النزاع الحدودي المستعر حاليا حول أراضي الفشقة، لأن اعتراف الحكومة الاتحادية في أديس أبابا بسودانية هذه الأراضي لم يحمها من تعديات قومية الأمهرا المتاخمة للفشقة.

وبحسب المسؤول الذي فضل حجب اسمه فإن لجنة العمل الميداني المشتركة بين البلدين حصرت 754 ألف فدان عام 2005 استولى عليها مزارعون إثيوبيون، واستمر التوسع ليصل إلى نحو 895 ألف فدان من الأراضي عالية الخصوبة.

ويقول أيضا إن غالب صادرات إثيوبيا من محاصيل زهرة الشمس والسمسم والذرة منتجة من حوالي مليون فدان في أراضي الفشقة السودانية.

ويعتبر أن الفجوة بين موقف الحكومة المركزية بأديس أبابا وواقع التعديات على الحدود ضمن مخطط إستراتيجي إثيوبي يدعم واقع الاستيطان السكاني والزراعي للإثيوبيين داخل أراض سودانية، حتى إذا تم اللجوء للتحكيم الدولي يجد المحكم الدولي أسبابا منطقية تمنح أديس أبابا بعض الحقوق.

مستوطنات إثيوبية
ويؤكد المصدر ذاته أن الإثيوبيين الآن لهم مستوطنات بالمعنى الحرفي، وهو ما يؤكده النائب بالبرلمان المنحل عن دائرة الفشقة مبارك النور بقوله إن الإثيوبيين عمدوا إلى تغيير ديموغرافية المنطقة بإنشاء المدن والطرق والكنائس والمقابر.

ويؤرخ النور -في حديثه للجزيرة نت- للوجود الإثيوبي في الفشقة بعام 1957 عندما استزرع سبعة مزارعين إثيوبيين 3800 فدان، وفي الفترة بين عامي 1964 و1967، ارتفع العدد إلى 27 مزارعا وزادت مساحة مزارعهم إلى 33 ألف فدان.

قوات سودانية على الحدود مع إثيوبيا (مواقع التواصل)

ويضيف أن عدد المزارعين الإثيوبيين، في الفترة بين 1972 و1991، ارتفع إلى 52 مزارعا في مساحة 84.5 ألف فدان. وبعد عام 1994 وصل عددهم إلى 1659 مزارعا في نحو مليون فدان بالتوغل داخل حدود السودان بأعماق متفاوتة بين تسعة و22 كيلومترا.

ومكَن وضع منطقة الفشقة -المعزولة عن بقية السودان- الإثيوبيين من إحكام سيطرتهم عليها، إذ إن المنطقة شبه جزيرة تتخللها أنهار باسلام وعطبرة وسيتيت.

ويقترح النائب بالبرلمان المنحل إعادة ترسيم 265 كيلومترا من الحدود الممتدة بين ولاية القضارف وإقليمي التغراي والأمهرا الإثيوبيين، وهو شريط يضم 15 نقطة ترسيم معروفة، فضلا عن فرض السودان لسيادته على المنطقة عمليا بتنميتها وربطها بالطرق والجسور على أنهارها.

عوامل جديدة
ويشير محمد إدريس عمر -وهو صحفي من أبناء ولاية القضارف- إلى أن المناوشات المميتة في منطقة الفشقة ظلت مستمرة لسنوات طويلة، دون أن تجد حظها من الإعلام نسبة لطريقة التهدئة التي اتبعها النظام السابق.

وبحسب تصريح الصحفي للجزيرة نت، فإن نشر الجيش السوداني قواته في المنطقة مؤخرا، وإعلان المتحدث الرسمي باسمه، الاعتداءات الإثيوبية كما حدث أواخر الشهر الماضي، سلط الأضواء على قضية الفشقة.

يذكر أنه في 8 أبريل/نيسان الماضي، زار الفشقة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان -بصحبة ضباط هيئة العمليات ومدير الاستخبارات العسكرية- إثر تقارير عن حشود للجيش الإثيوبي وتوغله داخل الأراضي السودانية.

ويذكر الصحفي أن نشر التعزيزات العسكرية السودانية بالمنطقة أمر جيد، لكنها تظل قوات غير كافية في حدود بضع مئات من العسكريين، في حين تنشط المليشيات الإثيوبية مع بداية فصل الخريف لإجبار المزارعين السودانيين على تأجير أراضيهم لنظرائهم الإثيوبيين.

أطماع تاريخية
ورغم أن الباحث بالمركز الدولي لاستشراف المستقبل الزمزمي بشير يستبعد نشوب حرب بين البلدين جراء النزاع حول الفشقة، فإنه يقترح تسليح المزارعين السودانيين بالمنطقة تحت إمرة الجيش أسوة بمليشيا "الشفتا" التابعة للجيش الإثيوبي.

وينوه إلى أن الرئيس الإثيوبي الراحل ملس زيناوي كان قد أفاد أن بلاده تبني سد النهضة أكبر مشروع إستراتيجي لها قرب حدود السودان، وعليه فمن المستحيل أن تدخل في حرب معه.

ويستدرك الزمزمي في حديثه للجزيرة نت "لكن مع ذلك، هناك أطماع تاريخية لإثيوبيا في حدود السودان الشرقية، ربما لا يعتد بها الآن، لكن من المؤكد أن معركة سد النهضة بين أديس أبابا والقاهرة تدار بالسودان الذي قدره أن يكون بين بلدين يتفوقان عليه سكانيا.

وتبقى حقائق التاريخ مرجحة لأطماع إثيوبيا ذات التضاريس الجبلية بأراض زراعية مسطحة داخل السودان، ففي عام 1891 بعث الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني رسالة إلى رؤساء الدول الأوروبية حدد فيه حدود إمبراطوريته حتى كركوج على النيل الأزرق بأواسط السودان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة